التعليق على رفع الملام عن الأئمة الأعلام 9

التعليق على رفع الملام عن الأئمة الأعلام 9

الدرس في التعليق على رفع الملام عن الأئمة الأعلام 9، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أسباب اختلاف الأئمة الفقهية

يناقش المقطع الأسباب التي تؤدي إلى اختلاف الأئمة الفقهية، ومنها اعتقاد المعارضة بين الأدلة. يشمل هذا السبب التعارض بين الدليلين وقد يخطئ المجتهد في تحديد النسخ أو التأويل الصحيح.

انتقاد ادعاء الإجماع الفقهي

يناقش المقطع مسألة ادعاء الإجماع في بعض القضايا الفقهية، ويبين أن كثيرًا من العلماء يخطئون في ادعاء الإجماع لعدم اطلاعهم على آراء الآخرين أو لعدم معرفتهم بالدليل المخالف.

أحكام عقد النكاح في ظل المشركين أو القبوريين

يناقش المقطع حكم الذهاب إلى المشركين أو القبوريين لعقد النكاح، ويبين أن العقد صحيح إذا توافرت أركانه وشروطه، بغض النظر عن وجود القاضي أو غيره.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله في السبب السابع من أسباب اختلاف الأئمة الأعلام، مما به يرفع عنهم الملام. وماذا كان معنا؟ السبب السابع: اعتقاد أنه لا دلالة في الحديث. وما الفرق بينه وبين الذي قبله؟ الفرق: نعم، الثاني صحيح، الأول لم يعرف جهة الدلالة، والثاني عرف جهة الدلالة لكن لم يعتقد صحتها. ولهذا يأتي الثاني كثيرًا في القواعد. السابع يكون كثيرًا في القواعد، والسادس يكون في الأدلة. ومرت معنا قواعد كثيرة، وأمثلة على هذه القواعد، بما يدل على ما حصل فيها الإشكال. وعلمنا أنها تختصر في نقطتين: ما هما؟ أحسن، إما الخلاف في نفس القاعدة، وإما الخلاف في تطبيق هذه القاعدة أو القواعد. وإذا نظرنا إلى ما ذكر من خلاف في هذا النوع، فإننا سنجد لا يخرج عن هذين المعنيين. ومما مر معنا أنه قد يكون الخلاف في شيء، تارة يكون راجحًا ومرجوحًا، وتارة فيه التفصيل. فمن يذكر لنا مثالًا لما فيه التفصيل؟ مثال، يعني: نفاه مطلقًا قوم، وأثبته مطلقًا قوم، وفصل فيه آخرون، والراجح التفصيل. نعم، يعني: المفاهيم كثيرة، ومن المفاهيم: ما هو مخالفة، موافقة، أولوية. وكذلك من هذه المفاهيم تفاصيل بعض المفاهيم، مثل مفهوم الحصر، فإنه مقبول، ومفهوم العدد مردود، الراجح. ومفهوم اللقب يفصل فيه، ونحو ذلك. فالصحيح التفصيل في مثل هذه القاعدة، وكذلك في بعضها. قلنا: يرجح مثل ماذا؟ الذي يرجح، مثال للترجيح: نعم، الآن عندنا الأمر بعد الحضر، إما الوجوب، وإما الإباحة. إما الإباحة، ثالث لا، ما في ذلك تفصيل هنا. إما الوجوب، إما الإباحة. والثالث الذي هو الراجح يرد على ما كان عليه قبل الحضر، وهذا هو الصحيح. فهنا يكون ترجيح. وكذلك مما مر معنا في هذه القاعدة أنه قد يكون هناك بعض الألفاظ المشتركة، فنعملها كيف؟ كيف نتعامل معها؟ بالقرينة. نعم، نعمل بالقرينة، تارة والسياق والسباق، ونحو ذلك مما ذكر من المرجحات. مثال، طيب، هذا مثال. نعم، لكن في مسألة فقهية، مسألة فقهية. ها، مرة معنا. نعم، الواو أن تفيد أنها تفيد الجمع مع المغايرة، كما روي عن ابن عمر، فكان يحلق ويقصر. ومنهم من فهم أنها تفيد المبادلة، أن أو أو الواو بمعنى أو، كذلك، كذلك في بعض الألفاظ مثل القرأ، كما مر معنا. نعم، كذلك مما مر معنا السبب الثامن: ما هو السبب الثامن؟ سبب الثامن: تعارض من الأدلة، اعتقاد أن تلك الدلالة قد عرضها ما دل على خلاف ما ظهر منها، على خلاف ما ظهر منها. وعلمنا أن هذا الباب باب واسع جدًا، وأن الصحيح بذلك النظر بالجمع من أمكن، أو الترجيح عند عدم الإمكان. ومرت معنا بعض الأمثلة على ذلك. من يضرب لنا مثالًا؟ نعم، مثلا: أرفع صوتك، ما أسمع، المطلق والمقيد. نعم، إذا تعارض مطلق مقيد، فقد يكون هناك الترجيح بحمل المطلق على المقيد. مثال: آية الأخرى: رقبة مؤمنة، فتقيد تلك المطلقة بالمقيدة في الآية الأخرى، على الصحيح. نعم، مع دلالة السنة على ذلك. وقد يكون إعمال اللفظ على إطلاقه مقيدًا بأدلة أخرى، مثل قلنا: وأنكح الأيام منكم، هل يعمل به على إطلاقه؟ الصحيح: لا، يستثنى ما استثناه الدليل. يستثنى ما استثناه الدليل. فإن كاحوا الأيام، وهم الذين لم تزوجوا، ذكورًا وإناثًا، أحرارًا وإماءً وعبيدًا، يتناول الجميع بالأصل، لكن بالحلال. ولا يجوز نكاح الزانية، ولا يجوز إنكاح الزاني، ولا يجوز إنكاح بغير ولي، وغير ذلك مما ذكر بالشروط والقيود التي جاءت في أدلة أخرى. طيب، قال رحمه الله تعالى: السبب التاسع: اعتقاده أن الحديث معارض بما يدل على ضعفه، أو نسخه، أو تأويله، إن كان قابلا للتأويل، بما يصلح أن يكون معارضًا بالاتفاق، مثل آية، أو حديث آخر، أو مثل إجماع. وهذا النوعان، والفرق بين التاسع والثامن: أن الثامن التعارض بين الأدلة، أو التعارض بين الدلالات. وأما التاسع، فالتعارض بين الدليلين. وقد مر معنا أن من الأول إلى السابع يدور حول معنيين: ما هما؟ صحة الأدلة، وفهمها، فهم الدلالات، هذه, ومن الثامن إلى العاشر: كما سيأتي في تعارض الأدلة. كما مر معنا. فالتاسع في التعارض بين الدليلين، ونظر المجتهد في ذلك. قال رحمه الله: هذا نوعان: أحدهما: أن يعتقد أن هذا المعارض، أو المعارض راجح في الجملة، فيتعين أحد الثلاثة من غير تعيين واحد منها. ومراده بالثلاثة: أي: هل هذه الدلالة لهذا الدليل منسوخة، أو مؤولة، أو ضعيفة؟ كما أشار إليه في أول الكلام: لأنه قد يعارض بما يدل على ضعفه، أو نسخه، أو تأويله. انظر: هذه ثلاثة. قد يعارض بما يدل على ماذا؟ قال: على ضعفه، أو نسخه، أو تأويله. فهذه ثلاثة هي التي أراد بقوله: فيتعين أحد الثلاثة. ما هي هذه الثلاثة التي ذكرها قبل قليل؟ الضعف، النسخ، التأويل. قال رحمه الله تعالى: من غير تعيين واحد منها. يعني: يعين أحدها: ما هو أحدها؟ الضعف، أو النسخ، أو التأويل. قال: بأن يعتقد أنه منسوخ، أو أنه مؤول. ثم قد يغلط في النسخ، والثالث: ما هو؟ الضعف. قال: ثم قد يغلط في النسخ، فيعتقد المتأخر متقدمًا. يعني: أن يدعي النسخ فيما ليس فيه نسخ. فهناك نسخ صحيح ثبت بنص الكتاب والسنة، مثل نسخ القبلة، أو نسخ صيام يوم عاشوراء، كان واجبًا ثم صار مستحبًا، ونحو ذلك مما ثبت النسخ فيه بدلالة الكتاب والسنة، أو أحدهما. وقد يكون ادعاء النسخ فيه غير صحيح، لعدم وجود دليل صحيح صريح يدل على النسخ. مثل: طلاق الثلاث، ادعى بعضهم فيه النسخ، وليس كذلك. وغير ذلك من المسائل التي ادعي فيها النسخ. وهذا باب واسع، تفصيله يذكر في مضانه، في كتب أصول الفقه، وقواعده، وفروع مسائل الفقه. ثم كذلك قد يغلط في التأويل: بأن يحمل الحديث على ما لا يحتمله لفظه. وهذا باب واسع كذلك؛ لأن ليس كل من فسر حديثًا، ثم يصيب، ثم من باب أولى: ليس كل من تأول حديثًا. والمراد بالتأويل ها هنا: ما يصرف عن ظاهر اللفظ. وبعضهم يفسر التأويل بالتفسير، فسواء كان الأول، أو كان الثاني، والثاني من باب أولى أن يكثر فيه الخطأ أكثر من الأول؛ فإنه يعني: باب حصل فيه خطأ عند الأئمة. لماذا؟ لأن نظره ذلك، وفهمه ذلك، قد لا يكون صوابًا؛ بسبب ورود بعض الأدلة. ومر معنا مثال لذلك: مثل ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾، فهمه الصحابي في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أنه الخيط على ظاهره، فأخذ عقالين أسود وأبيض ووضعهما تحت الوسادة، حتى نزل قول الله عز وجل: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، ليش؟ فبينا أن المراد به سواد وبياض الليل والنهار. طيب، فهذا الفهم حصل فيه خطأ في زمن الصحابة، فمن باب أولى أن يحصل الخطأ في من بعدهم. وهكذا كذلك. قوله: وقد لا يكون الحديث المعارض في قوة الأول إسنادًا ومتنا، مثاله: صيام يوم السبت، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام السبت إلا فيما افترض عليكم، حسنه بعض أهل العلم. فعارضوا به أدلة كثيرة، مثل حديث عبد الله بن عمر في الصحيحين في صيام يوم، وإفطار يوم، معناه: أنه سيصوم يوم السبت، ويكون قبله مفطر، وبعده مفطر. وغير ذلك مما ورد في هذا المعنى. فكيف يعارض هذا الحديث الصحيح بهذا الحديث الضعيف؟ فهذا مثال. فإذا كان كذلك، فإنه قد يقع الخطأ في نظائر كثيرة هي من هذا الباب. قال رحمه الله: وتجيء هنا الأسباب المتقدمة، وغيرها في الحديث الأول. والإجماع المدعى في الغالب: يعني تقدم معنا في الأسباب الأولى: الكلام على ماذا؟ على الضعف من جهة الإسناد، ومن جهة المتن. وعلى الترجيح في دلالات تلك الأحاديث. كم أسباب مرت معنا؟ كم أسباب؟ سبعة. سبعة أسباب تتعلق بالإسناد والمت. سبعة أسباب تتعلق بالإسناد والمت. يعني: ما تكلمنا سابقًا يغني عن الإعادة. هذا معنى كلامه. قال: والإجماع المدعى في الغالب: إنما هو عدم العلم بالمخالف. الآن جاء إلى القسم الثالث: وهو ما الدعي فيه الإجماع. يقول: أكثر ما يدعى، أو يدعى، أو يزعم أن فيه إجماعًا، في الحقيقة لا يوجد إجماع، وإنما عدم العلم بالخلاف. وهذا كثير في تعبير بعض أهل العلم من المتقدمين ومن المتأخرين. فقد أنكروا على أبي ثور رحمه الله كثرة نقل الإجماعات، وهي ليست إجماعات صحيحة. إنما عند التحقيق وجدوا أنها عبارة عن عدم الخلاف. فعدم الخلاف ليس إجماع؛ لأن عدم النقل ليس نقلًا للعدم، وعدم العلم ليس معناه نفي العلم. وذلك وغير ذلك مما ذكر. وكم من مسألة لم ينقل، أو يدعى فيها الإجماع؛ لأنه لم ينقل فيها الخلاف. والحقيقة أن الخلاف موجود. وسيأتي ذكر بعض الأمثلة فيما ذكره رحمه الله تعالى. مع أن القاعدة عند تعارض الدليلين: أننا نحاول أن نعمل الدليلين، أولى من أن نهمل أحدهما، فضلًا أن ندعي الإجماع: أن هذا الدليل معمول به، وهذا الدليل غير معمول به. مثل: قتل شارب الخمر في الرابعة، نقل بعض أهل العلم عدم العمل به. قال: لا أعلم من عمل به. وزاد بعضهم على هذه العبارة، فقال: نقل الإجماع على عدم العمل به. مع أن الحقيقة فيها خلاف، ويوجد من عمل بهذا الحديث. فكيف إذا كان يمكن الجمع بين الدليلين المتعارضين؟ فإذا أمكن الجمع، فذلك. مثل: نهي النبي صلى الله عليه وسلم، وتحريمه للإسبال ما تحت الكعبين، فهو في النار. وفي حديث آخر: «لا ينظر الله إليه». فهل معناه: أن الذي ينهى من الإسبال هو ما كان على وجه الرياء والخيلاء؟ يقيد به أحد الدليلين. الصواب: لا، بل يعمل بالدليلين. ووجهه: أن يقال: هذا محرم، وهذا أشد تحريمًا؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما. قال رحمه الله تعالى: وقد وجدنا من أعيان العلماء من صاروا إلى القول بأشياء، متمسكهم فيها عدم العلم بالمخالف. وهذا كما ذكر رحمه الله: كثير. فقد نقل عن أبي ثور، كما تقدم. ونقل كذلك، وينقل هذا كثيرًا: ابن جرير، بل وحتى ابن المنذر رحمه الله: ينقل إجماعات. والصحيح: أنه ليس فيها إجماع، بل فيها خلاف. بل نقل عن بعض الأئمة: كما سيأتي معنا إن شاء الله: أمثلة ذلك. قال رحمه الله تعالى: «قال: مع أن ظاهر الأدل عندهم يقتضي خلاف ذلك، لكن لا يمكن العالم أن يبتدأ قولًا لم يعلم به قائلًا». يعني قال به. والصواب: «لم يعلم به قائل»، أو «لم يعلم». ها، إذن هذا أصح. طيب، في نسخة: «لم يعلم له». نعم. قال: ما علمه بأن الناس قد قالوا خلافه. حتى إن منهم من يعلق القول فيقول: «إن كان في المسألة إجماع، فهو أحق ما اتبع». وإلا فالقول عندي: كذا وكذا. وهذه كذلك تفريعات، واستطرادات. وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: من العلماء الذين يكثرون الاستطرادات، والخروج إلى تفريعات، بسعة علمه، وتبحره رحمه الله تعالى. يعني: الموضوع مثلًا الآن على الإجماع، ثم خرج إلى أشياء أخرى، ثم يخرج، ثم يخرج. فالذي لا يدقق في الكلام يتيه، فلا يدري وين وصل. ثم بعد كم صفحة، أو بعد كم عبارة يرجع إلى موضوع الذي بدأ فيه. فيصير هذه جمل معترضة، كما يقال: فوائد بالمجان، خذها؛ لأجل أن تستفيد. فأراد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن يعرض ببعض المسائل الأخرى التي تشبه مسائل ما الدعية فيه الإجماع، وليس فيه إجماع، وإنما هو ماذا؟ عدم العلم بالمخالف. فيقول: مثل هذا، كذلك. ما يقع من خلاف بين أهل العلم؛ بسبب أن العالم لا يريد أن يبتدئ قولًا ليس له فيه إمام. وهذه مسألة أخرى اختلف أهل العلم فيها: إحداث قول ثالث، هل يجوز إذا كانت المسألة اشتهرت بأن على قولين؟ هل يجوز إحداث قول ثالث؟ أكثر أهل العلم يقولون: لا يجوز إحداث قول ثالث. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجوز إحداث قول ثالث مطلقًا. وفصل بعض أهل العلم. وهذا هو الصحيح: التفصيل. أن ما كانت الأدلة تقتضي إحداث القول الثالث، الذي ربما يكون جمعًا بين القولين، فإن ذلك جائز، بل الأدلة تقتضيه. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وجماعة من أهل العلم، قديمًا وحديثًا. وعليه عمل الصحابة. ولذلك مما رد على من زعم من الجمهور، أو من نقل عنهم: أنهم من الجمهور، أنه لا يجوز إحداث قول ثالث، احتج عليهم بقول أئمتهم، من الأئمة الأربعة: أن عندهم آلاف المسائل التي خالفوا فيها من قبلهم، أحدثوا فيها أقوالًا جديدة. وأحدثوا فيها أقوالًا جديدة ليست في أعلى الأقوال المنقولة قبلهم. لماذا؟ لأن الدليل يقتضي ذلك. لأن الدليل يقتضي ذلك. ثم، وهذا هو الذي لأجله أورد الشيخ الإسلام تيمية رحمه الله هذه الجملة. ثم: إن كثيرًا مما يدعى فيه أنه محصور في قولين، وليس به، قول ثالث، يكون الصواب: أنه يوجد قول ثالث. بل والصواب: أن القول الثالث هو القول الصواب. مثل ماذا؟ مثل: طلاق الثلاث، الدعية فيه الإجماع. الدعية فيه الإجماع، والصواب: أنه إيش؟ أنه يحسب طلقة واحدة، كما جاء في الصحيح: أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وصدرًا من عهد عمر: أن طلاق الثلاث يعدوا إيش؟ واحدة. إذن: الدليل دل على خلاف ما الدعية فيه من إجماع. الدعية فيه الإجماع، والصواب على خلافه. فكذلك ينقى الأقوال: أنه لم يروى فيه إلا قول، أو قولين. والصواب: أن فيه قولًا آخر على خلاف ذلك. مثل: قتل شارب الخمر بعد الثالثة، في الرابعة، فإنه الدعية فيه كذلك الإجماع. وأنه قول لا قول يخالفه. والصحيح: أنه ثبت ما يخالفه، ويوجد من قال به. وهذا باب كثير، وواسع. وممن يكثر في هذا الباب: الإمام الترمذي رحمه الله في سننه، يكثر من قوله: «والعمل ليس عليه عند أهل العلم». «والعمل على خلافه عند أهل العلم». وممن اعتنى بهذا: الحافظ ابن رجب رحمه الله في آخر كتابه: «شرح العلل»، جعل فصلًا خاصًا فيما ذكره الترمذي رحمه الله بقوله: «وليس عليه عمل أهل العلم». وأورد هذه الأحاديث، وزاد عليها أخرى، وعلق على الكثير منها بمباحث مفيدة، لا يستغني عنها العالم، فضلًا عن الطالب. قال رحمه الله تعالى: «مع علمه بأن الناس قد قالوا خلافه». قوله: «مع علمه أن الناس قالوا خلافه»: يعني يشير بهذا إلى بعض من صدر منه قول في هذا الباب، والدعى مثل هذا، والخلاف عليه. وهو يعلم أنه قد وقع فيه الخلاف. ولهذا ألف بعض العلماء يرد على من ادعى عدم الخلاف، بوجود ماذا؟ بوجود الخلاف. مثل: إمام ابن المنذر رحمه الله، ألف عددًا من الكتب في بيان الخلاف، مثل: «الأوسط». وكذلك: «كتاب الإشراف في معرفة ما وقع من الخلاف». وغير ذلك من الكتب. قال رحمه الله تعالى: «حتى إن منهم من يعلق القول فيقول: إن كان في المسألة إجماع، فهو أحق ما اتبع». وإلا فالقول عندي: كذا وكذا. يعني: بترجيح ما سبقت الإشارة إليه، الذي يقتضيه الدليل. قال رحمه الله: «وذلك مثل من يقول: لا أعلم أحدًا أجاز شهادة العبد، وقبولها». محفوظ عن علي، وأنس، وشريح، وغيرهم. يعني: هذه المسألة لم يسمها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله القائل. تأدبًا مع المقصود. وكذلك؛ لأن المقصود ليس معرفة الأشخاص، بقدر ما مقصود هو معرفة المسائل التي يضرب بها الأمثال، في وقوع ما مثل به من أسباب الخلاف. وما وقع بين الأئمة الأعلام. ويُعذرون، ولكن لا يُعذر من بعدهم، بعد تبين الصواب. فمثلًا هذه المسألة التي أشار إليها، قال بها الإمام مالك رحمه الله. قال بها الإمام مالك رحمه الله، فقال: «لا أعلم أحدًا أجاز شهادة العبد». بل روي عن الإمام مالك: أنه نقل الإجماع. والصواب: أن المسألة فيها خلاف. فقد نقل الخلاف كما ذكر رحمه الله: عن علي، وأنس، وشريح، وجماعة. وهذا الذي قال به الإمام مالك، قال به كذلك أحمد. وروي كذلك عن أنس: أنه لم يعلم خلاف. والصواب: أن أنس نفسه قال بخلاف هذا القول. وهذا كثير: تجد بعضهم ينقل مثلًا عن أحد الصحابة، أو التابعين: قولًا. ثم يثبت: أنه قد قال نفس الصحابي بقول يخالف القول المنقول عنه. فهنا يكون عندنا الجمع بين القولين: ما هو؟ أن يكون لهذا الصحابي قول متقدم، وقول متأخر. فإن علمنا المتقدم من المتأخر، فنعلم أحد القولين. وإن علمنا الدليل الذي يقتضي ترجيح أحد قولي هذا الصحابي، فضلًا عن من دونه، فيكون القول بما اقتضاه ماذا؟ الدليل. ومن باب أولى: أنه لا يدعى في مثل هذه المسألة الإجماع. قال رحمه الله: «ويقول: أجمعوا على أن المعتق بعضه لا يرث». وتوريثه محفوظ عن علي، وابن مسعود. وفيه حديث حسن عن النبي صلى الله عليه وسلم، يشير إلى حديث علي بن أبي طالب مرفوعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم: «المكاتب يعتق بقدر ما أدى، ويقام عليه الحد بقدر ما عتق، ويرث بقدر ما عتق». والحديث حسنه جماعة من أهل العلم، من المتقدمين، ومنهم كذلك من المتأخرين، ومن المتأخرين: الشيخ الألباني رحمه الله، وغيره. فهذا الحديث نص يخالف ما الدعية فيه الإجماع. بل هذا الحديث قال به جماعة من الصحابة، والتابعين، والأئمة. بل وهو الراجح الذي رجحه جماعة من أهل العلم، والمحققين في هذا الباب. ولهذا شد ابن حزم رحمه الله على من خالف في هذه المسألة؛ لأن المسألة فيها دليل، ثم يخالف بعض الناس، ويدعي فيه الإجماع. قال رحمه الله: «ويقول آخر: لا أعلم أحدًا أوجب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة». وهذا كذلك القول: سبحان الله، أو المرجوح. قال: «وإيجابها محفوظ عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن جعفر بن أبي طالب». وأورد في التعليق حديثًا ضعيفًا، لكن معناه صحيح. والخلاصة: أن المسألة ليس فيها إجماع. قال رحمه الله: «وذلك أن غاية كثير من العلماء: أن يعلم قول أهل العلم الذين أدركهم في بلاده». وهذا كثير جدًا. وأقوال جماعات غيرهم، كما تجد كثيرًا من المتقدمين: لا يعلم إلا قول المدنيين، والكوفيين. وكثيرًا من المتأخرين: لا يعلم إلا قول اثنين، أو ثلاثة من الأئمة المتبوعين. وما خرج عن ذلك، فإنه عنده يخاله الإجماع. بل بعضهم يرى: أن خلاف قول المذهب يعتبر نقضًا للإجماع. قال: لأنه لا يعلم به قائلًا. يعني: قال بالقول المخالف. قال: «وما زال يقرع سمعه خلافه». لماذا؟ لا يعتبر بهذا الخلاف؛ لأنه عنده حصر الصواب بمن يتبعه من إمامه، أو إمام واحد. قال: «فهذا لا يمكنه أن يصير إلى حديث يخالف هذا، بخوف أن يكون خلافًا للإجماع، أو لاعتقاده أنه مخالف للإجماع». والإجماع: أعظم الحجج. وهذا عذر كثير من الناس، بكثير مما يتركونه. يعني: من العلم. لماذا؟ يقول: كيف نخالف، ونأخذ بالحديث، والمسألة فيها إجماع؟ لزعمهم أن الإجماع يبطل العمل بالحديث الصحيح. وهذه مسألة فيها خلاف. والراجح فيها: أنها غير موجودة، لا يوجد إجماع صحيح معتبر يبطل حديث صحيح أبدًا. اللهم إلا أن يكون لهذا الحديث معارض، وصارف، مثل: أن يكون الحديث منسوخًا، أو آية منسوخة، فالمنسوخ علماء بدليل آخر. أما أننا لا نعمل بالحديث بحجة أن هناك إجماعًا، فهذا غير صحيح؛ لأن الإجماع الصحيح المعتبر لا يمكن أن يعارض الأدلة الصحيحة الصريحة. قال رحمه الله تعالى: «قال: وبعضهم معذور فيه؛ لأنه ليس عنده علم، أو لأنه نقل إليه علم خطأ». لكن أنت بعد أن يتبين لك: لا يجوز لك أن تتابع على الخطأ. وهذا هو المقصود من إيراد هذه المسائل؛ فإنها تفيد معنيين: المعنى الأول: رفع الملام عن هؤلاء الأئمة الأعلام؛ لأنهم ظنوا ذلك صوابًا، وهو خطأ. والثاني، وهو الأهم: لا يجوز متابعة هؤلاء الأئمة الأعلام في الخطأ، بعد تبين أن ما قالوا به ماذا؟ خطأ. ما دام أنه تبين الدليل؛ لأنهم هم أنفسهم كانوا يقولون: إذا عارض قول قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فارموا بقول عرض الحائط. قال رحمه الله: «وبعضهم معذور فيه، وليس بالحقيقة بمعذور». يعني: إذا كان بعضهم معذور، وبعضهم ليس بمعذور. والبعض الذي ليس بمعذور: الذي تبين له الدليل، فلا يجوز لمن تبين له الدليل أن يخالف الدليل الصحيح الصريح. قال: «وكذلك كثير من الأسباب قبله، وبعده». يعني: هناك أسباب تدخل بهذا المعنى: تعذر، تعذر من جهل، ومن خفي عليه ذاك العلم. ولكنها لا تعذر من قد بين له العلم في ذلك. وهناك أمثلة، وكذلك نظائر كثيرة. يقول: طرقها، وبسطها. ولكن فيما سبق من إشارات يغني عن الخوض في غيرها. والله تعالى أعلم. يقول: هل يجوز عقد النكاح عند مشرك قبوري؟ وهل عقده صحيح، أو باطل؟ لا يجوز الذهاب عند المشركين، والقبوريين في عقد الأنكاح، ولا في غيره؛ حتى لا تلمعهم في المجتمع، ولا تكفر سوادهم، وترفع من شأنهم؛ لأن هذا من التعاون على الإثم والعدوان. بقي: هل النكاح صحيح؟ النكاح لا يصح بوجود هذا، أو عدمه. إنما يصح بوجود أركان، وشروط النكاح. فإذا كانت حصلت هذه الأركان، وشروط النكاح، بغض النظر: كان العاقد هذا صوفيًا قبوريًا، أو غيره، النكاح صحيح. فإذا وجد الولي، وقال: «زوجتك ابنتي». وقال ذاك الزوج: «قبلت». ووجد الشهود. ثم النكاح وجد هذا القاضي، أو لم يوجد: لا يضر وجوده كعدمه. لكنه فقط هو يرتب، ويبين، ويحقق تحقق وجود الأركان والشروط. هذا هو السبب الذي لأجله يستعان بهؤلاء. مع تثبيت الحقوق، تثبت هذه الحقوق بعقود ترفع إلى الجهات المختصة. فلجهل الكثير من الناس، لم يترك الناس يزوج بعضهم بعضًا؛ لأنهم قد يفعلوا الخطأ فيزوجوا بغير ولي، أو مع وجود الولي الذي هو أولى منه، وغير ذلك. لكن وجود أهل العلم يرتبون هذه الحقوق، والأركان، والشروط، والواجبات. فإذا جاء مثل الولي، يقول: من أنت؟ يقول: أنا الأخ. أنت أخو من؟ أنا أخو الزوجة. أين الأب؟ يقول: موجود. يقول: لا، أتي بالأب. ما نجعلك وليًا، تزوج مع وجود الأب. يقول: لا، الأب مات. طيب، يوجد أكبر منك، يوجد جد. يبدأ يتحقق حتى يتم العقد على وجه صحيح. كذلك يتأكد: هل المرأة راضية، غير راضية؟ ثم صيغة يحقق الصيغة: كيف تنطق الصيغة؟ القبول، والإيجاب، وغير ذلك مما هو معلوم. فلا يضر وجود مثل هذا. لكن من باب آخر: من باب آخر، لا يجوز الذهاب إلى هؤلاء. طيب، نكتب بهذا القدر لانتهاء الوقت إلى هنا. والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله، وصحبه، وسلم. شكرًا.