الدرس في التعليق على رفع الملام عن الأئمة الأعلام 11، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ ابن بريك أسباب خلاف العلماء في فهم الحديث وتطبيق الأحكام مستندا إلى كتاب 'رفع الملام' لابن تيمية. يبين أن الخلاف قد يكون راجعا إلى حجج غير معروفة أو عدم إدراك وجه الاحتجاج.
يناقش أهمية اتباع الدليل الشرعي وعدم مخالفته لأقوال العلماء، ويشير إلى أن الإجماع لا يقوم إلا على نص وأن آراء العلماء تحتمل الخطأ. يجب اتباع الدليل حتى لو خالف قول عالم ما لم تظهر حجة أقوى.
يؤكد ابن تيمية أن المجتهد المخطئ لا يعاقب بل يؤجر شريطة بذل الوسع في طلب الحق. يبين أن مذهب أهل السنة هو القول بأن لكل مجتهد نصيب من الأجر وأن الصواب واحد.
يُناقش أهمية التمييز بين أهل الاجتهاد وغيرهم في إصدار الفتاوى ويشدد على ضرورة التثبت وطلب العلم من أهل الاختصاص مع الإشارة إلى أن حتى المجتهدين قد يخفى عليهم بعض العلم.
يتناول الفرق بين الاتفاق والإجماع ويعرف الاتفاق بقول الأكثرين والإجماع بما لا يوجد فيه مخالف. يطبق ذلك على روايتين مختلفتين في كيفية غسل الميت.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا في الدرس الماضي السبب العاشر من الأسباب التي ذكرها رحمه الله الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بكتابه «رفع الملام عن الأئمة الأعلام». فماذا كان هذا السبب؟ نعم، طيب، إحسان معارضته بما يدل على ضعفه ونسقه وتأويله مما يعتقد غيره أن جنسه معارض. وما الفرق بين الذي قبله؟ ما الفرق بين العاشر والتاسع والثامن؟ الفرق؟ ما هو الفرقة؟ عند من؟ طيب، والعاشر أرفع صوتك، يعني دليل أو قاعدة التعارض بين دليل أو قاعدة مع غيره مما يظن أن هذا المعارض ليس بمعارض. نعم، ومر معنا أمثلة لهذه القاعدة. من يمثل لنا بمثال مع قاعدته؟ نعم، مثال مع قاعدته. أحد من هنا؟ ها؟ من عنده جواب؟ مثال، مذاكرة العلم لتثبيته. ها؟ هذا مثال، وقاعدته ما هي؟ لا تعارض السنة الكتاب ولو بحكم زايد. نعم، فهذا اعتبروه معارضة العمل بي الشاهد واليمين. نعم، والصحيح خلاف ذلك. ويرد عليهم من عنده أوجه. ما هي؟ طيب، أربعة. طيب، فالشاهد أن هذا الاختلاف لا مانع، عن يضاف معه شاهد ويمين، لا يوجد إشكال، فلا يعارض القرآن. كذلك، نعم، كذلك، نعم، أنهم اختلفوا هم بما بينهم، وأن كذلك القاعدة هذه يلزم منهم الاضطراد، وهم لم يقولوا بهذا في كثير من المسائل التي فيها حكم زايد عن القرآن، ومع ذلك قالوا بها. فما كان جوابا هناك يكون جوابا هناك. نعم، نعم، هذه القاعدة ليس لها أصل صحيح، فكيف تعارض بها الأدلة؟ طيب، مثال آخر، مثال آخر. ها؟ عند من؟ مثال آخر. نعم، عمل أهل المدينة، عمل أهل مكة. طيب، مثل هذا لا يعارض به الأدلة، لا يعارض به الأدلة. طيب، قال رحمه الله تعالى: فهذه الأسباب العشرة ظاهرة، وبكثير من الأحاديث يجوز أن يكون للعالم حجة في ترك العمل بالحديث، لم نطلع نحن عليها، فإن مدارك العلم واسعة، ولم نطلع نحن على جميع ما في بواطن العلماء. والعالم قد يبدي حجته، وقد لا يبديها، وإذا أبداها فقد تبلغنا، وقد لا تبلغنا، وإذا بلغتنا فقد ندرك موضع احتجاجه، وقد لا ندركه، سواء كانت الحجة صوابا في نفس الأمر أم لا. وهذا له أمثلة كثيرة جدا، ذكرها العلماء في كتب الحديث والفقه وشروحها. والمقصود يريد يشير شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن بعض ما وقع من خلاف بين أهل العلم بلغنا، فعلمنا القول الراجح من المرجوح في هذه الأقوال بمقتضاء الأدلة. وهذا بحسب نظر المجتهد. وبعض العلماء علمنا أقوالهم، ولم نقف على حججهم في هذه الأقوال. وبعضهم ربما سمعنا الحجة، ولكن لم ندري وجه الاحتجاج. وغير ذلك، وغير ذلك، مما نقل عن أهل العلم. وهو يشير بهذا رحمه الله أن الخلاف كثير وواسع الذي وقع بين أهل العلم، ومن هذا الخلاف ما هو راجح، ومنه ما هو مرجوح. والمقصود من هذا الإشارة أن الواجب على الإنسان أن يتبع الدليل والحجة والبرهان، ولا ينبغي أن يقلد أحدا لأجل أي معنى من المعاني. فتقديم الحجة والبرهان والدليل هو الأولى. مع أننا لا نقول أن كل من ترك قوله يعني أن قوله خطأ، فإنه قد يكون له حجة لم تبلغنا، فيتبين بعد ذلك فيرجع الإنسان يرجع الإنسان عن رأيه. وكم هي المسائل التي كان كثير من العلماء يقولون بفتاوى، فتغيرت الفتوى لظهور حجة لم تظهر لهم فيها. ولهذا تجدون أمثلة كثيرة لهذا، مثل الإمام الشافعي رحمه الله، عنده المذهب القديم، وعنده المذهب الجديد. والسبب في هذا أنه لما انتقل وسافر رحمه الله، وغير مكانه حصل له اطلاع ومجالسة لأهل علم آخرين، ووقوف على أدلة لم يقف عليها من قبل، فغير الكثير من الأقوال، غير الكثير من الأقوال، فتغيرت أقواله في كثير من المسائل. ولهذا قيل في القديم وفي الجديد، صارت له فتاوى جديدة تخالف تلك الفتاوى القديمة. ما هو السبب؟ السبب أنه وقف على أدلة لم يقف عليها من قبل، لم يقف عليها من قبل. وهكذا كثير من أهل العلم يكون عند أحد المشايخ، فإذا انتقل من هذا الشيخ إلى شيخ آخر، اطلع على رأي الشيخ الآخر في كثير من المسائل، فاستحسن الحجج فعند ذلك يتغير قوله ومذهبه. بل ربما بعض الطلاب يؤثرون على بعض المشايخ، فيكون عند الطالب من العلم ما ليس عند الشيخ، ينقله عن غيره ممن سمع من أهل العلم، فيتغير قول الإمام بسبب فائدة سمعها من بعض طلابه، نقلها له بعض أهل العلم. وهذا حصل في عهد الصحابة، كما ستأتي معنا بعض الأمثلة، والتابعين، واتباع التابعين، وعدد كبير من أئمة الدين، تغيرت عندهم الفتاوى، وكذلك الأقوال في عدد من المسائل، بسبب أنه ورد عندهم من العلم ما ليس عند الآخر. وقوله رحمه الله: قد يكون للعالم حجة في ترك العمل بالحديث، يعني لا نلوم هذا العالم بسبب عدم عمله بالحديث، لأننا نحسن الظن به، ونعلم أنه يقينا ما دام من أهل السنة، من أهل العلم، أنه لم يترك العمل بالحديث إلا وعنده ما يعارض هذا الحديث. على سبيل المثال حديث أبي هريرة في الأخذ من القدح مع الأذان، هذا الحديث قال به جماعة من أهل العلم، ولم يقل به بعض أهل العلم. فمن لم يقل بهذا الحديث فينقل عنه أنه لم يعمل بهذا الحديث، ولكن لم ينقل ما هو السبب. فهل نقول: قد رد سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ونطعن في العالم الذي لم يعمل بهذا الحديث؟ الجواب: لا، لأنه قد يكون له حجة لم نطلع عليها. فمثلا هذا الحديث بعض أهل العلم يرى ضعف هذا الحديث، وأنه معلل، كما ذكر ابن أبي حاتم عن أبيه في «العلل» إعلال هذا الحديث. فلأجل إعلاله لهذا الحديث لم يعمل به. فهل ترك العمل بالحديث استهانة بالسنة؟ الجواب: لا، بل لأنه عنده أن الحديث لم يصح. وقد يكون كذلك الحديث ضعيفا، لكن معناه صحيح، فيثبته. فيأتي إنسان فيقول: كيف هذا الإنسان يعمل بالحديث الضعيف وهو على إمامته؟ والجواب: أنه لم يعمل بالحديث الضعيف، ولكن عمل بمقتضى شيء آخر يؤيد المعنى الموجود في الحديث. الصحيح نفس هذا الحديث، على سبيل المثال بعض من يقول بضعفه يثبت الحكم الذي فيه. كيف الجواب؟ أنه أثبته بسبب الموقوفات التي رويت في هذا الباب، وأن مثل هذا لا يقال بالرأي، وغير ذلك مما كان سببا في القول به. مثل ما تقدم معنا. مثال آخر في حديث تغير الماء بالنجاسة، فإن هذه الزيادة ضعيفة، فيها رجلين بن سعد، ومع ذلك الإجماع عليها قام. الإجماع على ذلك. من أين أخذ دليل الإجماع؟ أخذوه من أدلة كثيرة، قد نحن ما نعلم هذه الأدلة، أو لم نقف على معناها، لكنها موجودة. لأن الإجماع في الصحيح لا يقوم إلا على نص. وقد يكون هذا النص خفيا، لأنه قد يكون نصا صريحا، أو نصا خفيا، أو معنى الأدلة الشرعية. ولهذا الإمام البخاري بصحيحه، بماذا استدل على هذه المسألة؟ لم يستدل بالحديث الضعيف، لم يستدل بالحديث الضعيف، وإنما استدل بحديث صحيح، استدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اللون لون الدم والريح ريح المسك» يعني أن الأمر على وصفه، فإذا كان وصفه لم يتغير بقي الإسم. بقي الإسم. وهكذا كذلك يقال. ومسائل كثيرة. ومن أكثر من ينقل مثل هذا الإمام البخاري رحمه الله في تبويباته. الإمام البخاري فيه بتبويباته رحمه الله، فيها علم كثير، وفقه غزير، فإنه تجد يشير إلى المسائل الخلافية بما يبوّب به، وما يذكره مع التبويبات، إما معلقات، أو فتاوى صحابة، أو تفسير، أو غير ذلك. ثم يورد الأحاديث، فتارة يشير إلى القول الراجح في المسألة، وتضعيف ما روي في ذلك. وتارة يشير إلى معنى حديث ضعيف، ولكن معنى صحيح، ولكن معنى صحيح. ويستدل بهذا المعنى الصحيح بأحاديث أخرى، قد لا يتصور الإنسان وجه الدلالة فيها، ولكن عند النظر يعرف وجه الاستدلال في هذه الأحاديث، كما نبه الشراح. فمراده رحمه الله أننا نعذر لأئمة الأعلام فيما قالوا من أقوال، لأن قد يكون لهم عذرا لم نطلع عليه. وذكر بعض الأوجه في ذلك رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: سواء كانت الحجة صوابا في نفس الأمر أم لا. لأننا المقصود أن نعلم أن هؤلاء الأئمة لهم عذر لهم عذر فيما قالوا. قد يكون كما تقدم من الأسباب العشرة. وقد يكون كذلك عندهم حجة ما بلغتنا، أو غير ذلك. قال: لكن نحن وإن جوزنا هذا، فلا يجوز لنا أن نعدل عن قول ظهرت حجته بحديث صحيح، وافقه طائفة من أهل العلم، إلى قول آخر قاله عالم، يجوز أن يكون معه ما يدفع به هذه الحجة، وإن كان أعلم. إذ تطرق الخطأ إلى آراء العلماء، إذ تطرق الخطأ إلى آراء العلماء أكثر من تطرقه إلى الأدلة الشرعية. والمعنى أن لنا ما ظهر، فما دام الظاهر أن الحجة والبرهان في غير قول هذا العالم، فلا يجوز أن نتابع العالم، ونترك العمل بما ظهر من الحجة والبرهان والدليل. قال: فإن الأدلة الشرعية حجة الله على جميع عباده، بخلاف رأي العالم. والمراد بهذا الرد على بعض المقلدة الذين يقولون: وهل أنت مثل فلان؟ يريدون أن يردوا الحق بالمقارنة بين من ينقل هذا الحق، وبين من نقل عنه خلافه. وربما استدلوا كذلك بنفس الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هنا، فيقولون: لعل عند إمامنا، وكذلك شيخنا، من الحجة في رد هذا الدليل ما لم نعلم. وإلا هو لن يخالف الدليل. فيقال: ما دمنا الآن لا نعلم، الواجب اتباع الدليل. ومتى ما علمنا بحجة هذا العالم، وظهر أن حجته أقوى، فعند ذلك نرجع إلى قول العالم. لأننا ندور مع الدليل حيث دار. وأما ما دام أن الدليل لم يظهر خلافه، فالأصل العمل بالدليل. وأكد ذلك بقوله: أن الخطأ المتطرد في رأي العالم أكثر من الخطأ المتطرد على الدليل. ألا عندنا دليل صحيح صريح، وعندنا قول عالم خالف هذا الدليل؟ فماذا نأخذ؟ نأخذ بالدليل، أو نأخذ بقول العالم؟ نأخذ بالدليل. بل ربما ناقل هذا العلم قد يخالفه. وهنا أتت القاعدة المشهورة التي وقع فيها خلاف. الصحيح: عمل أكثر أهل العلم بها. هل العبرة بما روى الراوي أو بما رأى؟ والصحيح: ماذا؟ العبرة بما روى، لا بما رأى. العبرة بما روى، لا بما رأى. لأن رأيه يحتمل الصواب وخطأ. أما الدليل الذي رواه فهو صواب، لا يحتمل الخطأ. وإذا كان هناك ما ينافيه، فإنه ينبغي أن يوقف عليه، حتى لا نترك هذا اليقين الذي علم بهذا الحديث الصحيح لشيء مجهول، أو مضنون. وهو ماذا؟ كون هذا العالم لن يترك العمل بالحديث إلا لحجة. نقول: أين الحجة؟ إذا كانت هناك حجة أخذنا بالحجة، إذا لم تكن هناك حجة، فنبقى على الأصل، نبقى على الأصل، وهو العمل بهذا الدليل. وقد ضرب العلماء أمثلة في مسائل كثيرة، خالف فيها بعض الرواة من الصحابة، ومن بعدهم، بعض ما رووه. فكان الراجح العمل بما رواه الراوي، لا بما رآه. لا بما رآه الراوي. قال رحمه الله: والدليل الشرعي يمتنع أن يكون خطأ إذا لم يعارضه دليل آخر. ورأي العالم ليس كذلك. ولو كان العمل بهذا التجويز جائزا، لم يبق في أيدينا شيء من الأدلة التي يجوز فيها مثل هذا. لماذا؟ لأنه ما من دليل إلا ووجد من خالفه. وهل معنى ذلك أن نترك العمل بالأدلة لأجل أقوال من خالفها من أهل العلم؟ الجواب: لا، بل واجب العمل بالأدلة. قال رحمه الله: لكن الغرض أنه في نفسه قد يكون معذورا في تركه له. ونحن معذورون في تركنا لهذا الترك. وقد قال سبحانه: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقال صلى الله عليه وسلم: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. وليس لأحد أن يعارض الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول أحد من الناس. كما قال ابن عباس رضي الله عنهما لرجل سأله عن مسألة، فأجابه فيها بحديث. فقال له: قال أبو بكر، عمر، وقال، وقال، وقال، وقال، وقال، يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء. أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر، وعمر. والمعنى أن هذا مع هذين الخليفتين الراشدين، أبو بكر، وعمر، خير الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم. ومع ذلك يعلم ابن عباس من كان عنده أنه لا يترك العمل بالدليل لقول كائن من كان، ولو كان أبو بكر، وعمر رضي الله عنهما، أرضاهما. وقد يكون لهم عذر، ووجه اجتهاد، هذا بينهم وبين الله سبحانه وتعالى. لكن أنت يا من بلغك الدليل، ما هو عذرك عند الله في ترك العمل بالدليل لأجل قول من خالف هذا الدليل، ولو كان أبو بكر، وعمر رضي الله عنهما، وأرضاهما؟ وهذه المسألة كما أشار في التعليق، يعني فيما يتعلق بالتمتع، وجاء كذلك في أمر العمرة. وكلاهما قد روي عن أبي بكر، وعمر، الخلاف فيه. والصواب العمل بسنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال رحمه الله تعالى: وإذا كان الترك يكون لبعض هذه الأسباب، فإذا جاء حديث صحيح فيه تحليل أو تحريم أو حكم، فلا يجوز أن يعتقد أن التارك له من العلماء الذين وصفنا أسباب تركهم يعاقب لكونه حلل الحرام، أو حرم الحلال، أو حكم بغير ما أنزل الله. وكذلك إن كان في الحديث وعيد على فعل من لعنة، أو غضب، أو عذاب، أو نحو ذلك، فلا يجوز أن يقال: إن ذلك العالم الذي فعل ذلك، أو أباحه، داخل في هذا الوعيد. وهذا مما لا نعلم بين الأمة فيه خلافا، إلا شيئا يحكى عن بعض معتزلة بغداد، مثل المريسي، وضربائه، يعني نظرائه، أنهم زعموا أن المخطئ من المجتهدين يعاقب على خطئه. وهذا لأن لحوق الوعيد لمن فعل المحرم مشروط بعلمه بالتحريم، أو بتمكنه من العلم بالتحريم. فإن من نشأ ببادية، أو كان حديث عهد بإسلام، وفعل شيئا من المحرمات، غير عالم بتحريمها، لم يؤتم، ولم يحد. وإن لم يستند في استحلاله إلى دليل شرعي، فمن لم يبلغه الحديث المحرم، واستند في الإباحة إلى دليل شرعي، أولى، أولى أن يكون معذورا. ولهذا كان هذا مأجورا محمودا، لأجل اجتهاده. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾. فاختص سليمان بالفهم، وأثنى عليهما بالعلم والحكم. وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر». فبين أن المجتهد مع خطئه له أجر. وذلك لأجل اجتهاده، وخطؤه مغفور له. وذلك لأنه أدرك الصواب في جميع عيان الأحكام، إما متعذر، لأنه درك الصواب إدراكا، عندك، عندي، خطأ هنا. سبحان الله. قال: لأن إدراك الصواب في جميع عيان الأحكام، إما متعذر، أو متعسر. وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. أورد رحمه الله تعالى هذه الجمل ليؤكد ما تقدم من أن العالم مهما بلغ من الفضل، فلن يسلم من الخطأ. ومع ذلك إذا وقع الخطأ، وهو من أهل الاجتهاد، وبذل الوسع في الاجتهاد، فلا يقال: أنه آثم لأجل خطئه. والناس في هذا المعنى ثلاثة مذاهب. فهناك من يقول: أن من لم يقل بالصواب فهو آثم. وهذا قول المعتزلة، ومن سار بطريقهم. وهناك من يقول: أن كل مجتهد مصيب. وهذا قول الأشاعرة، ومن وافقهم. وهناك من يقول: لكل مجتهد نصيب. وهذا قول أهل السنة والجماعة. فقول أهل السنة والجماعة وسط بين هذه الأقوال. فكل مجتهد له أجر، ونصيب، بقدر اجتهاده. لكن ليس كل مجتهد مصيب، وإنما لكل مجتهد ماذا؟ نصيب، نصيب من الأجر. أما الصواب فهو واحد فقط. وهذا خلافا لمن خالف من الفقهاء، والأشاعرة، بزعمهم أن الصواب هو قول كل مجتهد. وهذا خطأ. بل الصواب واحد. أو قول المعتزلة في تأثيم من خالف الصواب. وهذا خطأ. وأورد رحمه الله الأدلة من القرآن والسنة التي تدل على هذا. فهذه الأدلة عند تأملها، وتدبرها، والتدقيق في معانيها، وألفاظها، سنجد أنها تدل على هذا المعنى. أولا: أن من اجتهد، وبذل الوسع، فهو مأجور، غير مأزور. ثانيا: أن من أخطأ، فإنه يؤجر. وقوله: خطأ، ولا يعني ذلك أنه يأثم، ما دام بذل الوسع. والحق واحد، وهو من أوفق للصواب، ولذلك من أوفق للصواب يكون له أجر أكثر. والإدلاء على هذا ظاهرة فيما ذكره رحمه الله تعالى في الآيات والأحاديث. ثم قال مبينا أن الوصول إلى الصواب لا يمكن أن يكون نصيب شخص واحد. فلا يوجد إنسان لا يقع منه خطأ أبدا. مهما بلغ الإنسان من العلم، فإنه يخطئ في بعض المسائل. فهذا حق حصل للصحابة، فكيف بمن دونهم؟ رضي الله عنهم، أرضاهم. ولهذا قال: أن إدراك الصواب في جميع عيان الأحكام متعذر، أو متعسر. يعني لا يمكن أن يكون. لماذا؟ لأن هذا فوق طاقة الإنسان. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. وغير ذلك. قال: وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحاب يوم الخندق: «لا يصلي أحد العصر إلا في بني قريضة». فأدركتهم صلاة العصر في الطريق. فقال بعضهم: لا نصلي إلا في بني قريضة. وقال بعضهم: لم يرد منا هذا، فصلوا في الطريق. فلم يعب واحدة من الطائفتين. فالأولون تمسكوا بعموم الخطاب، فجعلوا صورة الفوات داخلة في العموم. والآخرون كان معهم من الدليل ما يوجب خروج هذه الصورة عن العموم. وأن المقصود المبادرة إلى القوم. وهي مسألة اختلف فيها الفقهاء اختلافا مشهورا. هل يخص هل يخص العموم بالقياس؟ ومع هذا فالذين صلوا في الطريق كانوا أصوب. لماذا؟ لأن عندنا عمومات تدل على أن المحافظة على الصلاة أمر مهم. أن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا. فلابد أن تحافظ على الصلاة، حتى أنك تصليها وأنت تقاتل رجالا. وركبانا، راكب وماش. وراكب. فانك لا تضيع الصلاة ووقتها. فمع ذلك لم يعب على من صلى بعد الوقت وخروجه. لأنهم اجتهدوا. ولكل مجتهد ماذا؟ نصيب من الأجر. ولكن الصواب واحد. قال رحمه الله: وكذلك بلال رضي الله عنه لما باع الصاعين بالصاع، أمره النبي صلى الله عليه وسلم برده. ولم يرتب على ذلك حكم آكل الربا، من التفسيق، واللعن، والتغليظ، لعدم علمه بالتحريم. وكذلك عدي بن حاتم، وجماعة من الصحابة، لما اعتقدوا أن قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾. معناه الحبال البيض والسود. فكان أحدهم يجعل عند وسادته عقالين أبيض وأسود، ويأكل حتى يتبين أحدهم من الآخر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعدي: «إن وسادتك إذن لعريض، إنما هو بياض النهار، وسواد الليل». فأشار إلى عدم فهم لمعنى الكلام. ولم يرتب على هذا الفعل ذم من أفطر في رمضان. وإن كان من أعظم الكبائر. لماذا؟ لأن معناه أنهم أكلوا بعد دخول الوقت، اجتهادا، أخطأوا في هذا الاجتهاد. ومع ذلك لم يؤثمهم عليه الصلاة والسلام. قال: بخلاف الذين أفتوا المشجوج في البرد بوجوب الغسل، فاغتسل، فمات. فإنه قال: «قتلوه، قتلهم الله، هل لا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال». فإن هؤلاء أخطأوا بغير اجتهاد، إذ لم يكونوا من أهل العلم. وفيه دليل على أنه لا يجوز الاجتهاد لمن ليس هو أهل للاجتهاد. فهو وإن أصاب، يأثم. حتى ولو وافق الصواب، كما جاء بالحديث في الحاكم: «أنهم ثلاثة». منهم: «من علم بالحق، وقضى به». فله أجران. «ومن لم يعلم بالحق، وقضى به». فوافق الصواب، فهو آثم. «ومن علم بالحق، وقال بخلافه». فهو يزداد ماذا؟ إثما. وفي هذا إشارة كذلك أن من ليس عنده علم، فالواجب يقف، ولا يتكلم فيما ليس عنده علم. هذا إذا كان قاض، وهو من أهل الاجتهاد. إذا كان من أهل الاجتهاد، فكيف بمن ليس هو من أهل الاجتهاد؟ وهذا يلفت انتباهنا إلى مسألتين عظيمتين مهمتين. الأولى: أننا نفرق بين من هو أهل الاجتهاد، وبين من هو ليس أهل الاجتهاد. فمن كان أهلا للاجتهاد، وهو يفتي. ولذلك كان العلماء لا يتجرؤون على الفتوى، حتى يأذن لهم مشائخهم بالفتوى. حتى يأذن لهم مشائخهم بالفتوى. فيقول له شيخه: أنت أهل للفتوى، افتي الآن. وإلا مهما بلغ من العلم، فإنهم كانوا لا يتجرؤون على الفتوى. الأمر الثاني: أن المجتهد الذي هو أهل للفتوى، قد يخفى عليه بعض العلم. فعند ذلك يجب عليه التوقف. يجب عليه التوقف. مثلا إنسان قوي في الفقه، لكنه ليس قوي في الحديث. فجاءت مسألة تنبني على صحة الحديث. هل يجوز له أن يتخرص ويقول: الحديث صحيح، هكذا من رأسه؟ أبدا ما يجوز. بل يجب أن يسأل. كما فعل الشافعي مع أحمد رحمه الله. الشافعي شيخ أحمد، ومع ذلك اعترف أن أحمد أعلم منه. وهو تلميذه في ماذا؟ في الحديث. فكان يسأل الشيخ الطالب في بعض الأحاديث، حتى يصل إلى الحق. إذن إذا جاءتك مسألة ليست من تخصصك، فخوضك فيها يعتبر من الخوض بجهل، أو بعلم بجهل. حتى ولو كنت من أهل العلم. فلابد أن تسأل أهل العلم من أهل الاختصاص في هذه المسألة. وهكذا قل في أبواب كثيرة من أبواب العلم. ينبغي أن ترجع فيها إلى أهل الاختصاص. قد تكون المسألة ترجع إلى اللغة، فيحتاج أن تسأل أهل اللغة. قد تكون المسألة ترجع إلى مبحث من مباحث أصول الفقه، فترجع إلى المختص بهذا الباب. إلا إن كنت كما قيل: علامة تحيط بكل العلوم. فعند ذلك أنت أهل أن تبحث في الحديث، وتبحث في الفقه، وتبحث في اللغة، وتبحث في كل علم. لأنك درست هذه العلوم، وأتقنتها، وتعرف كيف تخرج الصواب منها. لكن من لم يدرس هذه العلوم، كيف يستطيع أن يخرج الصواب؟ ما يستطيع أن يخرج الصواب منها. بل هناك حد واجب، وهناك حد مستحب. الحد الواجب: أن من درس هذه العلوم، فهو عنده الأهلية. لكن إذا وجد من هو أعلم منه، فكما قيل: لا يفتى ومالك في المدينة. إذا وجد الماء بطل التيمم. أنت عندك أهلية في هذه العلوم، لكن علمت بشيء أعلم منك. وكذلك أعمق، يعني دراية في هذه المسألة بعينها، أو هذا العلم بعينه. فإنه تنتقل إلى الحد المستحب. ليش؟ المستحب: أنك يستحب في حقك أن تتثبت من المعلومة التي وصلت إليها. أنت وصلت إلى أن هذا الحديث صحيح، أو ضعيف. وأنت عندك أهلية لمعرفة الصحيح من الضعيف، والتصحيح والتضعيف. لكن وجدت من هو أعلم منك، ووفقك الله للقاء به. فعند ذلك يستحب في حقك أن تتثبت، وأن تسأل عن هذه المسألة الحديثية، أو تلك المسألة الأصولية، أو تلك المسألة اللغوية. ولهذا كان العلماء لهم مجالس مذاكرة. لهذا كان العلماء يرحلون لأجل العلم. لماذا؟ لأن عندهم مسائل كبيرة عظيمة، يحبون أن يتثبتوا فيها. يحبون أن يتثبتوا فيها. فيذهبون إلى من هو أعلم منهم، ويتثبتون في هذه المسائل. سواء كانت لغوية، أو أصولية، أو حديثية، أو غير ذلك من أبواب العلم. وأمر آخر أدق منه، ينبغي أن ينتبه له، وأن يحرص عليه من وفقه الله لطريق العلم. وهو أنه قد يكون عندك شيء من العلم، وقدر على الاجتهاد. لكن قد تنقصك بعض المراجع. فعند ذلك كذلك لا تعتمد على حفظك. بل ينبغي أن تتأكد، أن تتأكد من المراجع، ومواضع هذه المسألة. مثلا نقلت لك فائدة: أن هذا الحديث ضعفه فلان. ارجع لكتب فلان. لا يكفي أن يقال: قال كذا، كذا. لماذا؟ لأنه ربما فلان هذا تراجع. مثلا الشيخ الألباني رحمه الله، عنده «الصحيحة» و«الضعيفة». في كثير من الكتب، ولكن عنده شيء مهم يغفل عنه الكثير من العلماء، فضلا عن طلبة العلم. ألفه في آخر حياته، وهي تلك الأحاديث التي تراجع عنها، تضعيفا وتصحيحا. سواء كتبها، أو نقلها بعد خواص طلابه. هذا العلم مهم، ولا ليس بمهم، مهم جدا. فأنت تنقل عن الألباني أنه صحح هذا الحديث. فتأتي فتفتح «التراجعات»، فتجده تراجع عن تصحيح هذا الحديث، وقد ضعفه. فأنت تستدل بهذا الحديث أنه صحيح. وقد قال الشيخ الألباني في كتاب كذا: صحيح. فيأتيك طالب يقول: انظر الشيخ الألباني في «المرجع الألباني» تراجع عن تصحيح هذا الحديث. إذن مثل هذا الكتاب مهم أن يغتنيه طالب العلم. فكيف بغيره من المسائل والمباحث العلمية الكثيرة؟ والمراد بهذا الإشارة إلى هذا المعنى. إلى هنا والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. يقول السائل: لما اجتهد من المضعفون وشرب، فسر الآية، وشرب الخمر. وحده عمر رضي الله عنه، وجلده. الحج، رغم أنه مجتهد. العلماء لهم توجيهات في هذا. يكفي أن تعلم أن تحريم الخمر كان بالكتاب، وماذا؟ والسنة، وإجماع الصحابة. كتاب، وسنة، وإجماع الصحابة. فإذن الذي يقول: أنا ما أعلم، يكون له عذر. أنت ما نمت على فراشك في بادية بعيدة. أنت حديث عهد بإسلام. أما أنك لست من من يسأل، ولا ينظر، فتفعل مثل هذا. هذا تستحق به العقوبة. هذا وجه. الوجه الثاني: أن هذه المسألة مسألة يترتب عليها فتح باب شر. فإذا لم يعالج عمر رضي الله عنه وأرضاه هذا، وقد انتشر في الشام حين دخل الكثير في الإسلام، وهم حدثاء عهد بإسلام. شرب الخمر. ما كان هذا في المدينة، ولا في الحجاز، ولا في مكة. لكن لما توسعت رقعة الإسلام، فوصلت إلى بلاد كثر فيها حدثاء العهد بإسلام. وكثير منهم ما تدرج بهم حكم الخمر كما تدرج في المسلمين. المسلمون ما جاء تحريم الخمر في مكة. جاء في المدينة. وحصل تدرج في تحريم الخمر. حتى صار الصحابة جميعا من طواعية أنفسهم يرمون الخمر في الطرقات. قوة إيمان، وتدرج في التشريع. لكن الذين دخلوا هم حدثاء عهد بإسلام. ليس كذلك. لذلك كثر شرب الخمر في عهد عمر رضي الله عنه وأرضاه. لأن عهد عمر أكبر من عهد أبي بكر رضي الله عنهما في فتح بلاد الإسلام. صار للإسلام فتحا عظيما. وهذه حسنة يقابلها سيئة. ما هي السيئة؟ دخول كثير مما ليس فيه. وهذا غير، يعني مستغرب. النبي عليه الصلاة والسلام. بل الله عز وجل لما جعل الرجل بمقابل الألف في أول الإسلام. نزل هذا العدد متى؟ لما دخل في الإسلام من هو حدثاء عهد، ومن هو كذلك ربما يكون فيه شيء من النفاق، وغير ذلك. إذن قوة أهل الإيمان تنقص، وكفاءتهم طبعا. فكذلك حصل. فلذلك كانت الأحكام الرادعة. ومن ذلك كان هذا من عمر رضي الله عنه وأرضاه. وقد أجاب شيخ الإسلام بعدة أجوبة. وهذا بعض ما أجاب به رحمه الله تعالى. يقول: هل هناك فرق بين الاتفاق والإجماع؟ تقدم معنا أن الاتفاق قول الأكثرين، والإجماع المعتبر هو كما قال الإمام الشافعي: ما إذا قلت: أجمعوا، لم تجد أحدا يخالفك. يقول: كيف الجمع بين «اغسلوه سبعا بالتراب»، وقوله: «اغسلوه سبعا، وعفروه الثامنة بالتراب»؟ بعضهم يرى شذوذ هذه الرواية. وبعضهم من