الدرس في تعليق - الرد على الأخنائي 23، الدرس الثالث والعشرون : من : (وإن كان الميت ولياً لله لا إثم عليه من فعل من أشرك به... وكل مأمور به ففعله محمود مشكور مأجور ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح موقف الأولياء والصالحين من الشرك وتحذير النبي لأمته من الشرك وبدع القبور. بيان موقف الصحابة والتابعين من هذه البدع.
شرح كيفية السلام على النبي صلى الله عليه وسلم عند قبره، والدعاء والثناء عليه في كل مكان. بيان الفرق بين السلام على النبي وغيره من الأموات.
يناقش حكم السلام على النبي عند دخول المسجد النبوي، واستدلال بفعل الصحابة، والتحذير من الغلو بسبب المبالغة في زيارة القبر.
يجوز ابتداء أهل الكتاب بالسلام إذا كان على من اتبع الهدى، ولا يبتدأ المسلم بالسلام على الكافر. جمع بين حديثي ابن عباس وأبي هريرة في هذا الشأن.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام رحمه الله في "رجع الأخنائي": قال: وإن كان الميت وليا لله لا إثم عليه من فعلي من أشرك به، كما لا إثم على المسيح من فعل من أشرك به، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿نُذِيقُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. فالمعبودون من دون الله، سواء كانوا أولياء كالملائكة والأنبياء والصالحين، أو كانوا أوثانا، قد تبرأوا ممن عبدهم، وبينوا أنه ليس لهم أن يوالوا من عبدهم، ولا أن يواليهم من عبدهم. فالمسيح وغيره كانوا قراء من المشرك بهم، ومن إثمه، لكن المقصود بيان ما فضل الله به محمدا وأمته، وأنعم به عليهم من إقامته التوحيد لله، والدعوة إلى عبادته وحده، وإعلاء كلمته ودينه، وإظهار ما بعثه الله به من الهدى ودين الحق، وما صانه الله به، وصان قبره من أن يتخذ مسجدا. فإن هذا من أقوى أسباب ضلال أهل الكتاب. ولهذا لعنهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، تحذيرا لأمته، وبين أن هؤلاء شرار الخلق عند الله يوم القيامة. ولما كان أصحابه أعلم الناس بدينه، وأطوعهم له، لم يظهر فيهم من البدع ما ظهر فيمن بعدهم، لا في أمر القبور ولا غيرها. فلا يعرف من الصحابة من كان يتعمد الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان فيهم من له ذنوب، لكن هذا الباب مما عصمهم الله فيه، مما عصمهم الله فيه من تعمد الكذب على نبيهم. وكذلك البدع الظاهرة المشهورة، مثل بدعة الخوارج والروافض والقدرية والمرجئة، لم يعرف عن أحد من الصحابة شيء من ذلك. بل النقول الثابتة عنهم تدل على موافقتهم للكتاب والسنة. وكذلك اجتماع رجال الغيب بهم، أو الخضر أو غيره، وكذلك مجيء الأنبياء إليهم في اليقظة، وحمل من يحمل منهم إلى عرفات، ونحو ذلك مما وقع فيه كثير من العباد، وظنوا أنه كرامة من الله، وكثير من إضلال الشياطين لهم، ما لم تطمع الشياطين أن توقع الصحابة في مثل هذا. فإنهم كانوا يعلمون أن هذا كله من الشيطان. ورجال الغيب: أم الجن، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾. وكذلك الشرك بأهل القبور، لم يطمع الشيطان أن يوقعهم فيه. فلم يكن على عهدهم في الإسلام قبر يسافر إليه، ولا يقصد للدعاء عنده، أو لطلب بركة شفاعته، وغير ذلك. بل أفضل القلق: محمد الخاتم الرسل صلى الله عليه وسلم، وقبره عندهم محجوب، لا يقصده أحد منهم بشيء من ذلك. وكذلك التابعون لهم بإحسان، ومن بعدهم من أئمة المسلمين. وإنما تكلم العلماء والسلف في الدعاء للرسول عند قبره. منهم من نهى عن الوقوف للدعاء له دون السلام عليه، ومنهم من رخص في هذا وهذا. وأما دعاؤه هو، وطلب استغفاره وشفاعته بعد موته، فهذا لم ينقل عن أحد من أئمة المسلمين الأربعة، ولا غيرهم. بل الأدعية التي ذكروها خالية من ذلك. أما مالك رضي الله عنه، فقد قال القاضي عياض: "وقال مالك في المبسوط: لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم يدعو، لكن يسلم ويمضي". وعلى النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ثم يمضي. وقال مالك رضي الله عنه: "ذلك لأن هذا هو المنقول عن ابن عمر، أنه كان يقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتي - أو يا أبتاه - ثم ينصرف، ولا يقف يدعو". ورأى مالك ذلك من البدع. قال: "وقال مالك في رواية ابن وهب: إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم، ودعا، يقف وجهه إلى القبر لا إلى القبلة، ويدعو ويسلم، ولا يمس القبر بيده". وقول في هذه الرواية: "إذا سلم ودعا" قد يريد بالدعاء السلام، فإنه قال: "يدعو ويسلم، ولا يمس القبر بيده". ويؤيد ذلك أنه قال في رواية ابن وهب: "يقول: السلام عليك أيها النبي، ورحمة الله وبركاته". وقد يريد أنه يدعو له بلفظ الصلاة، كما ذكر في الموطأ من رواية عبد الله بن دينار عن ابن عمر، أنه كان يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أبي بكر وعمر. وفي رواية يحيى بن يحيى قال: "وقد غلطه من رواية عبد البر وغيره، وقالوا: إنما لفظ الرواية ما ذكره ابن القاسم والقعنبي وغيرهما: يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أبي بكر وعمر". قال أبو الوليد الباجي: "وعندي أنه يدعو للنبي صلى الله عليه وسلم بلفظ الصلاة، ولأبي بكر وعمر لما في حديث ابن عمر من الخلاف". قال القاضي عياض: "وقال في المجموع: لا بأس إذا قدم من سفر، أو خرج إلى سفر، أن يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي عليه، ويدعو له، ولأبي بكر وعمر". فإن كان أراد بالدعاء السلام أو الصلاة، فهو موافق لتلك الرواية. وإن كان أراد دعاء زائدا، فهي رواية أخرى. وبكل حال، فإنما أراد الدعاء اليسير. وأما المروذي، فقال: "ثم يقف بالقبر متواضعا موقرا، فيصلي عليه ويثني بما يحضر، ويسلم على أبي بكر وعمر". فلم يذكر إلا الثناء عليه مع الصلاة. والإمام أحمد ذكر مع الثناء عليه في "الرد الشهادة" له بذلك، مع الدعاء له بغير الصلاة، مع دعاء الداعي لنفسه أيضا. ولم يذكر أن يطلب منه شيئا، ولا يقرأ عند القبر قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾. ولم يذكر ذلك مالك، والمتقدمون من أصحابه، ولا جمهورهم. بل قال في "منسك المروذي": "ثم أتى الروضة، وهي بين القبر والمنبر، فصلى فيها، وادع بما شئت. ثم أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: السلام عليك يا رسول الله، ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا محمد بن عبد الله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله، وأشهد أنك بلغت رسالة ربك، ونصحت لأمتك، وجاهدت في سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وعبدت الله حتى أتاك اليقين. وجزاك الله أفضل ما جزى نبيا عن أمته، ورفع درجتك العليا، وتقبل شفاعتك الكبرى، وأعطاك سؤلك في الآخرة والأولى، كما تقبل من إبراهيم. اللهم احشرنا في زمرته، وتوفنا على سنته، وأوردنا حوضه، واسقنا بكأسه مشربا رويا لا نمأ بعدها أبدا". وما من دعاء أو شهادة وثناء يذكر عند القبر، إلا وقد وردت السنة بذلك، أو ما هو أحق منه في سائر البقاع. لا يمكن أحد أن يأتي بذكر يشرع عند القبر دون غيره. وهذا تحقيق لإيمانه صلى الله عليه وسلم أن يتخذ قبره أو بيته عيدا. فلا يفضل تخصيصه بشيء من الدعاء للرسول، فضلا عن الدعاء لغيره. بل يدعى بذلك للرسول حيث كان الداعي. فإن ذلك يصل إليه صلى الله عليه وسلم تسليما. وهذا بخلاف ما شرع عند قبر غيره، لقوله: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم، والمستأخرين". فإن هذا لا يشرع إلا عند القبور، لا يشرع عند غيرها. وهذا مما يظهر الفرق بينه وبين غيره. وأن ما شرعه وفعله أصحابه من المنع من زيارة قبره كما تزار القبور، هو من فضائله، وهو رحمة لأمته، ومن تمام نعمة الله عليها. فالسلف كلهم متفقون على أن الزائر لا يسأله شيئا، ولا يطلب منه ما يطلب منه في حياته، ويطلب منه يوم القيامة: لا شفاعة، ولا استغفارا، ولا غير ذلك. وإنما كان لزائره في الوقوف للدعاء له، والسلام عليه عند الحجرة. فبعضهم رأى هذا من السلام الداخل في قوله صلى الله عليه وسلم: "ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام". واستحبه لذلك. وبعضهم من لا يستحبه، إما لعدم دخوله، وإما لأن السلام المأمور به في القرآن مع الصلاة، وهو الصلاة والسلام الذي لا يجب الرد، أفضل من السلام الموجب للرد. فإن هذا مما دل عليه الكتاب والسنة، واتفق عليه السلف. فإن السلام المأمور به في القرآن، والصلاة المأمور بها في القرآن، كلاهما لا يوجب الرد. بل الله تعالى يصلي على من صلى عليه، ويسلم على من سلم عليه. ولأن السلام الذي يوجب الرد هو حق المسلم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. ولهذا يرد السلام على من سلم، وإن كان كافرا. فكان اليهود إذا سلموا عليه يقولون: "عليكم - أو عليكم". وأمر أمته بذلك. وإنما قال صلى الله عليه وسلم: "عليكم" لأنهم قد يقولون: "السام عليك" والسام: الموت. فيقال لهم: "عليكم". قال صلى الله عليه وسلم: "يستجاب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا". ولما قالت عائشة رضي الله عنها: "وعليكم السام واللعنة". قال لها: "مالا يا عائشة، فإن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله". أو: "أولم تسمعي ما قلت لهم؟" يعني: أرددت عليهم، فقلت: "عليكم". فإذا قالوا: "السام". قال: "عليكم". وأما إذا علم أنهم قالوا: "السلام". فلا يخصون بالرد، فيقال لهم: "عليكم". فيصير المعنى: "السلام عليكم لا علينا". بل يقال لهم: "عليكم". وإذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته لهم: "وعليكم". فإنما هو جزاء دعائهم، وهو دعاء بالسلام. والسلام: أمان. فقد يكون المستجاب هو سلامتهم منا، أي من ظلمنا وعدواننا. وكذلك كل من رد السلام على غيره، فإنما دعا له بسلام. وهذا مجمل. ومن المستبعد أن يكون كل من رد عليه النبي صلى الله عليه وسلم السلام، والخلق دعا له بالسلامة من عذاب الدنيا والآخرة. فقد كان المنافقون يسلمون عليه، ويرد عليهم. ويرد على المسلمين أصحاب الذنوب، وغيرهم. ولكن السلام فيه أمان. فلهذا لا يمتدح الكافر الحربي بالسلام. بل لما كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيصر، قال فيه: "من محمد رسول الله إلى قيصر عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى". كما قال موسى لفرعون. والحديث في الصحيحين من رواية ابن عباس، عن أبي سفيان بن حرب، في قصته المشهورة، لما قرأ قيصر كتاب النبي صلى الله عليه وسلم، وسأله عن أحواله. وقد نهي صلى الله عليه وسلم عن ابتداء اليهود بالسلام. ثم يروى: "ما من حمل ذلك على العموم". ومنهم من رخص إذا كانت للمسلم إليه حاجة، أن يبتدئه بالسلام. بخلاف اللقاء مع الكفار كاليهود والنصارى. يسلمون عليه وعلى أمته سلام التحية الموجب للرد. وأما السلام المطلق، فهو كالصلاة عليه. إنما يصلي عليه ويسلم عليه أمته. فاليهود والنصارى لا يصلون عليه، ولا يسلمون عليه. وكانوا إذا رأوه يسلمون عليه. فذاك الذي يقصده المؤمنون ابتداء وجوابا، أفضل من هذا الذي يفعله الكفار. ومع أمته ابتداء وجوابا. ولا يصح أن يقال: إن الكفار إذا سلموا عليه سلام التحية، فإن الله يسلم عليهم عشرة. فإنه يجيبهم على ذلك، فيوفيهم كما لو كان له دين، فقضاء. وأما ما يختص بالمؤمنين، فإذا صلوا عليه صلى الله عليه وسلم صلى الله على من صلى عليه عشرا. وإذا سلم عليه سلم الله عليه عشرا. وهذه الصلاة والسلام هو المشروع في كل مكان، بالكتاب والسنة والإجماع. بل هو مأمور به من الله سبحانه وتعالى. لا فرق في هذا بين الغرباء وأهل المدينة، عند القبر. وأما السلام عند القبر، فقد عرف أن الصحابة والتابعين المقيمين بالمدينة لم يكونوا يفعلونه إذا دخلوا المسجد وخرجوا منه. ولو كان هذا كالسلام عليه لو كان حيا، لكانوا يفعلونه كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه، كما لو دخلوا المسجد في حياته وهو فيه، فإنه مشروع لهم كلما رأوه أن يسلموا عليه. بل السنة لمن جاء إلى قوم أن يسلم عليهم إذا قدم، وإذا قام، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. وقال: "ليست الأولى بأحد من الآخرة". فهو حين كان حيا، كان أحدهم إذا أتى يسلم، وإذا قام يسلم. ومثل هذا لا يشرع عند القبر باتفاق المسلمين. وهو معلوم بالاضطرار من عادة الصحابة. ولو كان سلام التحية خارج الحجرة مستحبا، لكان مستحبا لكل أحد. وإذا كان أكثر السلف لا يفرقون بين الغرباء والمدينة، ولا بين حال السفر وغيره، فإن استحباب هذا لهؤلاء وتركه لهؤلاء حكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي. ولا يمكن أحدا أن ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه شرع لأهل المدينة التي كان عند الوداع للقبر، وشرع لهم لغيرهم ذلك عند القدوم من سفر. وشرع للغرباء تكرير ذلك كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه. ولم يشرع ذلك لأهل المدينة. فمثل هذه الشريعة ليس منقولا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن خلفائه، ولا هو معروف من عمل الصحابة. وإنما نقل عن ابن عمر السلام عند القدوم من السفر. وليس هذا من عمل خلفاء وأكابر الصحابة. كما كان ابن عمر يتحرى الصلاة والنزول والمرور حيث حل ونزل وعبر في السفر. وجمهرة الصحابة لم يكن يصنعون ذلك. بل أبوه عمر كان ينهى عن مثل ذلك. روى سعيد بن منصور في سننه قال: "حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن المعرور المسعودي عن عمر قال: "سرنا معه في حجة حجها، فقرأ بنا في صلاة الفجر: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾، والإيلاف في قريش في الثانية. فلما رجع من حجه، رأى الناس ابتدروا المسجد، فقال: "ما هذا؟" قالوا: "مسجد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم". فقال: "هذا ملة أهل الكتاب قبلكم، اتخذوا آثار أنبيائهم بيوتا. من عرضت له منكم فيه صلاة، فليصل، ومن لم تعرض له، فليمض". ومن تفق عليه الصحابة: ابن عمر وغيره، من أنه لا يستحب لأهل المدينة الوقوف عند القبر للسلام إذا دخلوا المسجد وخرجوا. بل يقرأ ذلك. فتبين ضعف حجة من احتج بقوله: "ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام". فإن هذا لو دل على استحباب السلام عليهم من المسجد، لما اتفق الصحابة على ترك ذلك. ولم يفرقوا في ذلك بين القادم من السفر وغيره. فلما اتفقوا على ترك ذلك مع تيسره، علم أنه غير مستحب. بل لو كان جائزا لفعله بعضهم. فدل على أنه كان عندهم من المنهي عنه، كما دلت عليه سائر الأحاديث. وعلى هذا، فالجواب عن الحديث: إما بتضعيفه على قول من يضعفه. وإما بأن ذلك يفيد فضيلة الرسول بالرد عليه، لا فضيلة المسلم بالرد عليه. إذ كان هذا من باب المكافأة والجزاء، حتى أنه يشرع للبر والفاجر. وأما بأن يقال: هذا إنما هو فيمن سلم عليه من قريب. والقريب: أن يكون في بيته. فإما إن لم يحج بذلك، لم يبق له حكم محدود من جهة الشرع، كما تقدم ذكر هذا. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وأما الوجه الثاني، فتوجيهه أن الحديث ليس فيه ثناء على المسلم، ولا مدح له، ولا ترغيب له في ذلك، ولا ذكر أجر له، كما جاء في الصلاة والسلام المأمور بهما. فإنه قد وعد أن من صلى عليه مرة صلى الله عليه عشرا، وكذلك من سلم عليه. وأيضا، فهما مأمور بهما. وكل مأمور به، ففعله محمود مشكور مأجور. وأما قوله: "ما من رجل يمر بطرف الرجل فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام". فهذا عندكم: ما في فصل، عد بعيد الفصل، لا إلا هنا. أراد شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن يبين أنه لو تنزل ونظر إلى كلام أهل العلم، فأوسع ما نقل هو من السلام هو السلام على النبي عليه الصلاة والسلام، لا الدعاء ولا الوقوف. وكيف إذا انضاف إلى ذلك أن الراجح كما سبق وذكر، كذلك وأكد أنه لم يثبت أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يسلمون عليه بكل دخول إلى المسجد. فالرواية عن ابن عمر أنه كان يفعل ذلك إذا قدم من السفر. ومع ذلك، كما سبق أنكر عليه أهل العلم، وأن هذا إنما فعله ابن عمر، وليس من سنة الخلفاء الراشدين، ولا نقل عن أحد من الصحابة. فوقع النهي عن ذلك، والدعاء وتكرار الوقوف عند القبر، أو ترك استقبال القبلة والتوجه إلى القبر بالدعاء، وغير ذلك مما هو منافي أولا لفعل السلف، وهو من معاني البدعة. وفيه كذلك فتح ذريعة للشرك والغلو في قبره عليه الصلاة والسلام. ثم ذكر معاني السلام لأجل أن يبين أن المقصود هو السلام المجرد، ليس المقصود الوقوف للدعاء، أو ما هو أوسع من السلام. وذكر تفاصيل فيما يتعلق بالسلام، لأجل أن يؤكد هذا المعنى. فأبان رحمه الله تعالى أن ما قد يستدل به مستدل بعمومات في هذا الباب، ليس له وجه. فكلام الأئمة يفسر الصواب الذي يفعل عند قبره عليه الصلاة والسلام. وأما من توسع في ذلك، فلا دليل على توسعه. والأدلة ترد قوله. وما ذكر من تفاصيل مسألة السلام هو لأجل تقرير هذا المعنى. وقوله واستدلاله بحديث النبي عليه الصلاة والسلام: "ليست الأولى بحق من الآخرة". ليؤكد أن أحكام السلام بالنسبة للنبي عليه الصلاة والسلام ولعموم المسلمين في الحياة، ليست مثلها مثل الوفاة ومع القبر. فلم ينقل عن أحد من أهل العلم أنه يعامل قبر النبي عليه الصلاة والسلام كما يعامل عليه الصلاة والسلام في حياته. ومعناه أنه يسلم عند الدخول وعند الخروج، كما يسلم عند اللقاء وعند المفارقة. هذا مما لم يقله أحد. فعلم بذلك أن المسألة لا يصح فيها في هذا المعنى الاستدلال بالعموم. بل لابد من الرجوع إلى فهم السلف، وإلى خاصة معاملة السلف لقبر النبي عليه الصلاة والسلام. أولا لكونهم أعلم، وثانيا لأن في ذلك وفتحه فتح ذريعة الغلو فيه عليه الصلاة والسلام كما سبق. ثم بان رحمه الله أن ابن عمر مع فعله أنه في السفر خاصة، وليس دائما، أن يأتي ويسلم على قبر النبي عليه الصلاة والسلام. ومع ذلك فهو خلاف فعل الخلفاء الراشدين. فعله على خلاف فعل الخلفاء. وأبان من أثر عمر في نهي عن الوقوف وتتبع آثار الأنبياء، وأن هذا من سنة من ضل ممن سبق من أهل الكتاب. أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كفوا عن علم، كفوا وأمسكوا في هذا الباب عن علم. لم يكفوا عن جهل أو نسيان أو غفلة أو انشغال. ولكن هم كما قيل: إن تكلموا تكلموا بعلم، وإن أمسكوا أمسكوا كذلك عن علم. وأرادوا بذلك عدم الغلو في قبره عليه الصلاة والسلام. وهذا هو الواقع: أنه لو فتح باب السلام في كل دخول وخروج، فضلا عن الدعاء، فضلا عن ما هو أعظم مما يريده المعترض، فصار بهذا سببا لفتح ذريعة الشرك. وأكثر الأحاديث التي ذكرها رحمه الله أثبتها، وبعضها في الصحيح، كما أشار. كأحاديث ابتداء اليهود بالسلام، وأحاديث رد المسلم على اليهود أو الكفار بالسلام، فهي في صحيح مسلم من حديث عائشة وابن عمر وأنس: أنه يقال لهم: "وعليكم". وأما مسألة النهي عن ابتداء اليهود بالسلام، فلحديث أبي هريرة في مسلم: "لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام". الحديث. وأما قوله: "فمن العلماء من حمل ذلك على العموم، ومنهم من رخص إذا كانت للمسلم إليه حاجة". يعني: يجوز أن يبتدئ أهل الكتاب بالسلام. لكن ليس السلام الذي نهي عنه في حديث أبي هريرة. وإنما السلام الذي يروى عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عباس. فإذن يجمع بين حديث ابن عباس وحديث أبي هريرة: بأن السلام المنهي عنه هو السلام الذي يسلم به أهل الكتاب على المسلمين، إذا لم يكن فيه سب. ويسلم المسلم على المسلم، فهذا لا يبتدأ به أهل الكتاب. لا يسلم عليهم كسلام المسلم للمسلم، وكسلام الكافر الذي لم يسئ بلفظه على المسلم. لا. وإنما يبتدأ أهل الكتاب بالسلام الذي ورد في حديث ابن عباس في قصة أبي سفيان. فإن النبي عليه الصلاة والسلام سلم على عظيم الروم، فقال: "السلام على من اتبع الهدى". فإن كان بهذا اللفظ، أو ما كان بمعناه، فهو جائز أن يبتدأ أهل الكتاب بالسلام. ليس السلام الذي عند أهل الإسلام. والله تعالى أعلم.