الدرس في تعليق - الرد على الأخنائي 2، الدرس الثاني : من : (والله سبحانه وتعالى قد أرسل جميع رسله ... بمعنى أنه يعلم الحق في نفس الأمر فقد صدق كما بسط هذا في مواضع ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش المقطع مسألة السفر لزيارة القبور ويبين عدم مشروعيته لغير المساجد الثلاثة. يشرح أن الإجماع قائم على خلاف استحباب السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين.
يناقش المقطع أهمية العلم في الدين ويحذر من الكلام بغير علم، مستشهدا بأحاديث نبوية. يشير إلى أهمية الاجتهاد والتحري في إصدار الأحكام والفتاوى.
يناقش المقطع مسألة الخطأ في الاجتهاد ويؤكد أن ليس كل مجتهد مصيب. يبين أن الكلام بغير علم يعتبر كذبا ويترتب عليه إثم.
أوضح شيخ الإسلام براءته من تهمة عدم حب النبي ورد على افتراءات الأخنائي. بين قاعدة النبي في الرد على المخطئين وهدفه من الرد على الأخنائي.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إلا الله وحده لا شريك له، لا يعبد معه لا ملك ولا نبي ولا صالح ولا تماثيلهم ولا قبورهم ولا شمس ولا قمر، ولا كوكب ولا ما صنع من التماثيل لأجلهم، ولا شيء من الأشياء. وبين أن كل ما يعبد من دونه فإنه لا يضر ولا ينفع، وإن كان ملكا أو نبيا، وأن عبادته كفر. فقال تعالى: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويله﴾ إلى قوله: ﴿محذورا﴾. بين سبحانه أن كل ما يدعى من دونه من الملائكة والجن والإنس لا يملكون كشف الضر ولا تحويله، وأن هؤلاء المدعوون من الملائكة والأنبياء يتقربون إلى الله ويرجونه ويخافونه. وكذلك كان قوم من الإنس يعبدون رجالا من الجن، فآمنت الجن المعبودون وبقي عابدوهم يعبدونهم، كما ذكر ذلك ابن مسعود. وقال تعالى: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة إلى قوله ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾. بين سبحانه أن كل ما يدعى من دونه من الملائكة والبشر وغيرهم ليس لهم مثقال ذرة في السماوات والأرض، ولا لهم نصيب فيهم، وليس لله نظير يعاونه من خلقه. وهذه الأقسام الثلاثة هي التي تحصل مع المخلوقين: إما أن يكون لغيره ملك دونه، أو يكون شريكا له، أو يكون معينا وظهيرا له. والرب تعالى ليس له من خلقه مالك ولا شريك ولا ظهير. لم يبق إلا الشفاعة، وهو دعاء الشافع وسؤاله لله في المشفوع له. فقال تعالى: ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾. ثم إنه قص بالذكر الملائكة والأنبياء في قوله: ﴿ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة إلى قوله بعد إذ أنتم مسلمون﴾. بيّن أن اتخاذهم أربابا كفر. وقال تعالى: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم﴾، وقال المسيح: ﴿إلى قوله والله هو السميع العليم﴾. وقد بيّن أن من دعا المسيح وغيره، وقد دعا ما لا يملك له ضرا ولا نفعا. وقال لخاتم الرسل: ﴿قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك﴾، وقال: ﴿قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون﴾. وقال: ﴿قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله﴾، وقال: ﴿قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا﴾. وقال: ﴿ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾. وقال: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾، وقال: ﴿إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل﴾. أثر ابن مسعود في الصحيحين موقوف، وأورده رحمه الله للتفسير به، لأنه في حكم المرفوع غالبا، وتفسير الصحابة من المرتبة الثانية التي يفسر بها، كما أشار إلى ذلك في مقدمة تفسير طيب. والباقي الكلام ظاهر. فصل: قد أرسل إلي بعض أصحابنا جزءا أخبر أنه صنفه بعض القضاة، قد تكلم في المسألة التي انتشر الكلام فيها، وهي السفر إلى غير المساجد الثلاثة، كالسفر إلى زيارة القبور، هل هو محرم أو مباح أو مستحب؟ وهي المسألة التي أجبت فيها من مدة بضع عشرة سنة في القاهرة. فأظهرها بعض الناس في هذا الوقت، ظنا أن الذي فيها خلاف الإجماع، وأن السفر لمجرد زيارة الأنبياء والصالحين هو مثل السفر المستحب، لا نزاع فيه، وهو السفر إلى مسجد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، المتضمن لما شرعه الله من السفر إلى مسجده والصلاة فيه والسلام عليه ومحبته وتعظيمه، وغير ذلك من حقوقه صلى الله عليه وسلم في مسجده المؤسس على التقوى، المجاور لقبره صلى الله عليه وسلم. وظنوا أن السفر إلى زيارة قبور جميع الأنبياء والصالحين مستحب، مجمع على استحبابه، مثل هذا السفر المشروع بالنص وإجماع المسلمين إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، سواء سافر مع حج البيت أو بدون حج البيت. فإن هذا السفر المشروع إلى مدينته بالنص والإجماع لا يختص بوقت الحج. فإن المسلمين على عهد خلفائه الراشدين كانوا يحجون ويرجعون إلى أوطانهم، ثم ينشئ السفر إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم من ينشئه، لأنه عبادة مستقلة بنفسها، كالسفر إلى بيت المقدس. والسفر إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من السفر إلى المسجد الأقصى بالنص والإجماع. فظن من ظن أن السفر المشروع هو لمجرد القبر لا لأجل المسجد، وأن المسجد يدخل ضمنا وتابعا في السفر، وأن قبور سائر الأنبياء كذلك، أو أن المسافرين لمجرد القبور سفرهم مشروع كالسفر إلى المساجد الثلاثة. ومن الناس من ظن أنه أفضل من السفر إلى المساجد الثلاثة، حتى صرحوا بأنه أفضل من الحج. وأن الدعاء عند قبور الأنبياء والصالحين أفضل من الدعاء في المسجد الحرام ومسجد الرسول وعرفة ومزدلفة ومنى، وغير ذلك من المساجد والمشاعر التي أمر الله ورسوله بالعبادة فيها والدعاء والذكر فيها. وظن من ظن أن هذا مجمع عليه، وأن من قال: السفر لغير المساجد الثلاثة، سواء كان لقبر نبي أو غير نبي، منهي عنه أو أنه مباح ليس بمستحب، فقد خالف الإجماع. وليس معهم بما ظنوه نقل عن أحد من أئمة الدين الذين لهم في الأمة لسان صدق، ولا حجة من كتاب الله ولا سنة رسوله، بل الكتاب والسنة وإجماع السلف على خلاف ما ظنوه. فإجماع أهل العلم الذين تحكى أقوالهم في مسائل الإجماع والنزاع على خلاف ما ظنه الغالطون إجماعا، وجرت في ذلك فصول. لكن المقصود هنا أنه أرسل إلي ما كتبه هذا القسم وأقسم بالله علي أن أكتب عليه شيئا، ليظهر للناس جهل مثل هؤلاء الذين يتكلمون في الدين بغير علم. وأقسم عليه، وأقسم بالله علي يعني الذي طلب، وأقسم في طلبه. هو ناس يعرفون شيخ الإسلام، قال: أقسم بالله علي أن أكتب عليه شيئا ليظهر للناس جهل مثل هؤلاء الذين يتكلمون في الدين بغير علم. وذلك أنهم رأوا في كلامه من الجهل والكذب والظلال ما لا يظن أو يظن أن يقع فيه أحد العلماء الذين يعرفون ويعرفون ما يقولون. فكيف بمن سمي قاضي القضاة؟ وكلامه ظاهر. ويشير بهذا إلى أن المسألة ليس فيها إجماع، بل الإجماع قام على معنى حديث أبي سعيد رضي الله عنه: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد»، وسيأتي إن شاء الله تفصيله. قال: ورأيت كلامه يدل على أن عنده نوعا من الدين، كما عند كثير من الناس نوع من الدين، لكن مع جهل وسوء فهم وقلة علم، حتى قد يجهل دين الرسول الذي هو يؤمن به ويكفر من قال بقول الرسول وصدق طاربه وأطاع أمره. وقد يجهل أحدهم مذهبه الذي انتسب إليه، كما قد يجهل مذهب مالك وغيره من أئمة المسلمين. مذهب مالك وغيره من أئمة المسلمين الأربعة وغيرهم. فإن هذه المسألة التي فيها النزاع، وهي التي أجبت فيها، وإن كانت في كتب أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما، قد ذكروا القولين. وأبو حنيفة مذهبه في ذلك أبين من مذهب الشافعي وأحمد، فهي في كلام مالك وأصحابه أكثر. وهي موجودة في كتبهم الصغار والكبار. ومالك النفس نص على قبر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بخصوصه، أنه داخل في هذا الحديث، بخلاف كثير من الفقهاء. فإن كلامهم عام، لكن احتجاجهم بالحديث وغيره يبين أنه قصد العموم. وكذلك بيانهم لمأخذ المسألة يقتضي العموم. فهذا المعترض وأمثاله لا عرفوا ما قاله أئمتهم وأصحاب أئمتهم، ولا ما قاله بقية علماء المسلمين. ولا عرفوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين، ولا ما كان يفعله الصحابة والتابعون لهم بإحسان. ونقل هذا المعترض عن الجواب ما ليس فيه، بل المعروف المتواتر عن المجيب في جميع كتبه وكلامه بخلافه. وليس في الجواب ما يدل عليه، بل على نقيض ما قاله. وهذا إما أن يكون عن تعمد للكذب، أو عن سوء فهم مقرون بسوء الظن، وما تهوى الأنفس. وهذا أشبه الأمرين به. فإن من الناس من يكون عنده نوع من الدين، لكن مع جهل عظيم. فهؤلاء يتكلم أحدهم بلا علم فيخطئ، ويخبر عن الأمور بخلاف ما هي عليه، خبرا غير مطابق. ومن تكلم في الدين بغير الاجتهاد المسوغ له الكلام، وأخطأ، فإنه كاذب آثم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي في السنن عن بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة. رجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل عرف الحق وقضى بخلافه فهو في النار، ورجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة». فهذا الذي يجهل وإن لم يتعمد خلاف الحق، فهو في النار، بخلاف المجتهد الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر». فهذا جعل له أجرا مع خطئه، لأنه اجتهد فاتق الله ما استطاع. بخلاف من قضى بما ليس له به علم، وتكلم بدون الاجتهاد المسوغ له الكلام، فإن هذا كما في الحديث عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار». وفي رواية: «بغير علم». وفي حديث جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ، ومن أخطأ فليتبوأ مقعده من النار». وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». وفي رواية للبخاري: «فأفتوا برأيهم». وهذا بخلاف المجتهد الذي اتقى الله ما استطاع، وابتغى طلب العلم بحسب الإمكان، وتكلم ابتغاء وجه الله، وعلم رجحان دليل على دليل، فقال بموجب راجح. فهذا مطيع لله مأجور: أجرين إن أصاب، وإن أخطأ أجرا واحدا. ومن قال: كل مجتهد مصيب، بمعنى أنه مطيع لله، فقد صدق. ومن قال: المصيب لا يكون إلا واحدا، وإن الحق لا يكون إلا واحدا، ومن لم يعلم فقد أخطأ، بمعنى أنه لم يعلم الحق في نفس الأمر، فقد صدق. كما بسط هذا في مواضع. أشار رحمه الله تعالى إلى أن المتكلم بالمسائل الخلافية لا بد أن يكون عنده معرفة بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة وأثار سلف الأمة، وإطلاع على كلام أهل العلم من الأمة. وأشار رحمه الله إلى أن المؤلف، وهو قاضي قضاة المالكية، كان على جهل بذلك كله، بل على جهل بمعرفة قول إمامه وإمة مذهبه. فإن الإمام مالكا رحمه الله من أشد الأمة شدة في هذه المسألة بعينها، كما ذكر عنه ذلك في المبسوط، ونقله الوليد الباجي وغيره. وذكر شيخ الإسلام وابن عبد الهادي، وجماعة من العلماء، كلام المالكية وكلام الإمام مالك رحمه الله في هذا الباب، وسيأتي معنا إن شاء الله. وأشار بحديث بريدة، والذي جاء معناه رواه الأربعة أهل السنن والحاكم، وجاء معناه عند الطبراني من حديث ابن عمر، وصححه شيخنا الوادعي والألباني رحمهم الله. إلى أن من تكلم في شيء من القضايا بغير علم، فهو آثم. ويريد بذلك أن يحذر كل مجادل بالمسائل الخلافية يتكلم بغير علم، أنه لا يسلم من الإثم. ثم أشار إلى حديث عبد الله بن عمر، أو حديث عمر بن العاص في الحاكم الذي هو بين الأجر والأجرين. وأن هذا فيمن تكلم بعلم، بخلاف الذي يتكلم بغير علم. ثم أشار إلى أن القرآن والسنة من أشد ما يشدد فيه، يعني في الكلام فيه، وأنه لا يجوز التكلم إلا بعلم في هذا الباب. ومن لم يتكلم بعلم، فإنه يتبوأ مقعده من النار. وأشار إلى الحديثين: حديث ابن عباس وحديث جندب. ومر معنا أن شيخ الإسلام يكثر من الاستدلال بهما. وكنت في وقت سابق أشرت إلى ضعف الحديثين لضعف إسنادهما. فالحديث الأول حديث ابن عباس مداره على عبد الأعلى الثعلبي، وهو ضعيف، ضعفه جماعة من الأئمة. وأشار الشيخ العلامة الألباني في الضعيفة حديث 1783 إلى ضعفه، وضعفه عدد من أهل العلم. وحديث جندب كذلك فيه ضعف، مداره على سهيل بن عبد الله أو سهيل بن عبد الله بن أبي حزم القطعي، وهو ضعيف. لكن قلت: إن الحديث الظاهر والله أعلم يصلح للشواهد، لأن ضعف القطعي ليس بالشديد، وهكذا ضعف الثعلبي ليس بالشديد. وقد أشار الحافظ ابن حجر إلى أن ضعف عبد الأعلى الثعلبي في الشواهد، بقوله: «صدوق يهم». وهكذا القطعي، قال فيه ابن حبان: «إنه ينفرد عن الأثبات بما لا يتابع عليه». وفي هذا لمحة إلى أن ما توبع عليه فهو مما يصحح. فكيف إذا ضيف أنه قد صحح عن ابن مسعود موقوفا عند ابن جرير الطبري هذا المعنى، وجاء بعدد من الآثار عن الصحابة، فذلك يؤيد ما استدل به شيخ الإسلام والله أعلم. ثم أخيرا أشار إلى مسألتين: المسألة الأولى مسألة أهمية بقاء العلم الموروث، وأن ذهاب العلم وفي شو الجهل، والجهلاء يكونوا بذهاب العلم الموروث، وذلك بما أشار إليه من حديث عبد الله بن عمر الذي في الصحيحين. وبعد ذلك أشار إلى مسألة الخطأ، وأنه ليس بالصحيح أن كل مجتهد مصيب، كما نبه على ذلك أصحاب كتب الأصول. فهي مسألة من المسائل الأصولية التي تذكر بباب الاجتهاد. فليس كل مجتهد مصيب، لا بل المصيب واحد. بل أعظم من ذلك، كما سبق: أنه لا يسوغ الاجتهاد لمن لا علم له. إنما الاجتهاد لمن عنده علم، فهو بين الأجر والأجرين. ومع ذلك فالصواب واحد. وأما إذا كان المعنى: كل مجتهد مصيب، بمعنى لا يخرج عن الأجر والأجرين، فالجواب: نعم، هو مطيع لله، وصادق في هذا القول، بشرط أن يكون عنده علم، بشرط أن يكون عنده علم، يعني لا يتكلم الإنسان بغير علم، ويخالف كلام أهل العلم. قال: والمقصود أن من تكلم بلا علم يسوغ، وقال غير الحق، فإنه يسمى كاذبا. فكيف بمن ينقل عن كلام موجود خلاف ما هو فيه، مما يعرف كل من تدبر الكلام أن هذا نقل باطل؟ فإن مثل هذا كذب ظاهر، والأول على صاحبه إثم الكذب، ويطلق عليه الكذب. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كذب أبو السنابل». وكما قال لما قيل له: «إنهم يقولون إن عامرا قتل عمله قتل نفسه». فقال: «كذب من قال ذلك». وكما قال عبادة: «كذب أبو محمد» لما قال: «الوتر واجب». وقال ابن عباس: «كذب نوف» لما قال: «إن موسى صاحب بني إسرائيل ليس هو موسى صاحب الخضر». ومثل هذا كثير. فإذا كان هذا الخبر الذي ليس بمطابق يسمى كذبا، فما هو كذب ظاهر أو لا؟ ومثل هذا إذا حكم بين الناس بالجهل، فهو أحد القضاة الثلاثة الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: «القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة. رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة، ورجل علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار». وإن قيل فيه: قد يكون مجتهدا مخطئا مغفورا له، فحكمه الذي أخطأ فيه وخالف فيه النص والإجماع باطل باتفاق العلماء. وكذلك حكم من شاركه في ذلك. وكلام هذا وأمثاله يدل على أنهم بعيدون عن معرفة الصواب في هذا الباب، كأنهم غرباء عن دين الإسلام في مثل هذه المسائل. لم يتدبروا القرآن، ولا عرفوا السنن، ولا آثار الصحابة ولا التابعين، ولا كلام أئمة المسلمين. وفي مثل هؤلاء قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ». فشرع الإسلام في هذا الباب غريب عند هؤلاء، لا يعرفونه. فإن هذا وأمثاله لو كان عندهم علم بنوع من أنواع الدلالة الشرعية في هذا الباب، لوزعهم ذلك عما وقعوا فيه من الضلال والابتداع، ومخالفة دين المرسلين، والخروج عما عليه جميع أمة الدين. مع ما فيه من الافتراء على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى علماء المسلمين، وعلى المجيب. والاستدلال على ما ذكروا بما لا يصلح أن يكون دليلا، إما حديث صحيح لا يدل على المطلوب، وإما خبر معتل مكذوب. والمستدل بالحديث عليه أن يبين صحته، ويبين دلالته على مطلوبه. وهذا المعترض لم يجمع في حديث واحد بين هذا وهذا. بل إن ذكر حديثا صحيحا لم يكن دالا على محل النزاع، وإن أشار إلى ما يدل لم يكن ثابتا عند أهل العلم بالحديث الذين يعتد بهم في الإجماع والنزاع. فأما ما فيه من الافتراء والكذب على المجيب، فليس المقصود الجواب عنه، وله أسوة أمثاله من أهل الإفك والزور. وقد قال الله تعالى: ﴿إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم﴾. بل المقصود الانتصار لله ولكتابه ولرسوله ولدينه، وبيان جهل الجاهل الذي يتكلم في الدين بالباطل وبغير علم. فأذكر ما يتعلق بالمسألة وبالجواب، وليس المقصود أيضا العدوان على أحد، لا المعترض ولا غيره، ولا بقص حقه، ولا تقصيص بما لا يختص به، مما يشركه فيه غيره. بل المقصود الكلام بموجب العلم والعدل والدين، كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كنوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾. وليس أيضا المقصود ذنب شخص معين، بل المقصود بيان ما يذنب وينهى عنه ويحذر عنه من القول والضلال في هذا الباب، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما بال رجال يقولون أو يفعلون كذا»، فيذم ذلك الفعل ويحذر عن ذلك النوع. وليس مقصوده إذاية شخص معين، ولكن لما كان هذا صنفا مصنفا وأظهره وشهره، لم يكن بد من حكاية ألفاظه والرد عليه وعلى من هو مثله، ممن ينتسب إلى علم ودين، ويتكلم في هذه المسألة بما يناقض دين المسلمين، حيث يجعل ما بعث الله فيه رسوله كفرا. وهذا رأس هؤلاء المبدلين، فالرد عليه رد عليهم. فضمن كلامه رحمه الله تعالى أمورا يشار إليها إشارة. أولها: أن كل متكلم بغير علم ومخالف للواقع فهو كاذب. لأجل لا يقال: إن شيخ الإسلام التيمية رحمه الله افترى على أحد وكذب ما لا يليق أن يكذب. وبيّن الأدلة التي تدل أن مخالف الصواب والمتكلم بغير علم يسمى كاذبا. منها: كذب أبو السنابل، وهو في الصحيحين في قصة سبيعة الأسلمية، حين قال أبو السنابل: أنه لابد أن تكمل العدة، وليس عدتها بوضع حملها. وليس في لفظ البخاري ومسلم: «كذب أبو السنابل»، لكن معناه صحيح. وهكذا أشار للحديث الثاني، وهو سؤال سلم بن الأكوع حين قتل أو قتل عمه عامر نفسه خطأ، حين ارتد عليه سيفه فقتل نفسه خطأ، فقال من قال تلك المقولة: «إن عامرا بطل عمله». فسأل النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «من قال ذلك؟». قال: «بعض أصحابك يا رسول الله». قال: «كذب من قال ذلك». والحديث كذلك في الصحيح. وكذب أبو محمد في قصة عبادة، وهي صحيحة كذلك. وحديث ابن عباس: «كذب نوف» يعني البكالي، حين قال ما قال. والحديث في الصحيحين. ومر معنا أنه كذلك فيه إشارة إلى أن من أعظم أسباب الوقوع في البدع: الكلام في الدين بغير علم. فنوف البكالي من رد عليه ابن عمر وابن عباس وجماعة من الصحابة في قوله في القدر الباطل المبتدع. ويدلك هذا الحديث حديث ابن عباس أن من أسباب وقوعه في ذلك: أنه كان جريئا على التكلم بالأحكام الشرعية بغير علم. وأوقعه ذلك في البدعة. وهكذا كذلك إشارته إلى أن المردود عليه جاهل بالقرآن والسنة والآثار، وأقوال التابعين، الصحابة والتابعين والأئمة. وهذا هو الذي أوقعه في ما وقع فيه. وأشار إلى حديث عبد الله بن مسعود، وجاء من حديث ابن عمر في صحيح مسلم، عن جماعة من الصحابة: «بدأ الإسلام غريبا» يعني أن صاحب الحق غريب بين أهل الجهل وأهل الباطل. ثم أشار رحمه الله إلى أن المردود عليه والمجيب، أي المردود عليه الأخنائي افترى على المجيب، وهو شيخ الإسلام، أشياء، وحسبه الله في ذلك. وحال شيخ الإسلام يتأسى ويتسلى بغيره ممن سبقه ممن افتري عليهم. ويريد بذلك ويلمح إلى مفتري على شيخ الإسلام من عدم حب النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه يضعف الناس عن حب النبي وغير ذلك. وقد أشار غير واحد أن شيخ الإسلام من أبرأ الناس عن ذلك. والذكر في اثنين من كتبه في المناسك، في المنسك منسك الحج، أمر زيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام، يعني تبعا بعد زيارة المدينة. فكيف يزعم أنه لا يحب النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يريد السلام عليه؟ فهذا من الافتراء والكذب. ثم بيّن رحمه الله تعالى أن قاعدة النبي عليه الصلاة والسلام والأصل في الرد: «ما بال أقوام»، كما جاء معنا في حديث عائشة من «اشترط شرطا» في الصحيحين، وحديث أنس في الصحيحين كذلك، فيمن كان يمشي حافيا. «ما بالو هذا؟» وهكذا كذلك قصة الثلاثة الذين سألوا عن عبادة النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيحين. «ما بالو أقوام تنزهون؟» وجاء معنا من حديث أنس الشاهد. أراد أن يبين أن هذا له أصل في الشرع، وأنه رد عليه، وليس المقصود شخص هذا الإنسان، ولكن المقصود العلم الذي بثه، وهو خطأ وجهل فاحتيج إلى التنصيص على شخصه وعلى كلامه، لأن كتابه صنف واشتهر وأظهر، فاحتيج إلى الرد عليه بعينه. طيب الله من شاء الله.