الدرس في تعليق - الرد على الأخنائي 34، الدرس الرابع والثلاثون : من : (وأما قول المعترض إنه نقل الجواز عن الأئمة ... إن هؤلاء لا يعتد بخلاف من سواهم ولا يرجع في ذلك لمن عداهم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول الرد على المعترضين الذين ينتقدون نقل الجواز عن الأئمة المرجوع إليهم، ويبين ضلالهم وافتراءهم على العلماء. كما يشير إلى أن قولهم يستلزم تكفير العلماء الذين أطاعوا الرسول صلى الله عليه وسلم.
يتناول آراء العلماء حول حكم شد الرحال لزيارة القبور، حيث يذكر أن بعض العلماء يمنعون ذلك استنادًا إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم، بينما يرى آخرون جوازه. يُبين أن قول المانعين أقوى لرجحان دليلهم وعلو منزلتهم العلمية.
يتناول الرد على المعترضين الذين يزعمون أن بعض العلماء يعتد بقولهم دون غيرهم، ويبين أن الخلاف في مسائل الشرعية يجب أن يرد إلى الأدلة الشرعية وليس إلى الأشخاص. كما يشير إلى أن جميع العلماء يؤخذ من قولهم ويترك إلا الرسول.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال الشيخ الإسلام رحمه الله في رسالة على ثنائي فصل: وأما قول المعترض إنه نقل الجواز عن الأئمة المرجوع إليهم في علوم الدين والفتوى، المشتهرين بالزهادة والتقوى، الذين لا يعتد بخلاف من سواهم، ولا يرجع في ذلك لمن عداهم، ونقل عدم الجواز - إن صح نقله - عما لا يعتمد عليه، ولا يعتد بخلافه، ولا يعرج عليه، بل هو ملحق بصاحب هذه المقالة في القطع والطغيان والجرأة على مرتبة النبيين الموجبة للخسران، فيقال: أولًا، قائل هذا هو أحوج إلى التعزير والتهذيب والأمر بتعلم العلم، أن يقال له: تعلم، ثم تكلم، أحوج منه إلى أن يناظر ويرد عليه؛ فإنه لا يعرف قدر العلماء، ولا يعرف ما قاله مالك - وهو إمام الأمة في زمنه - ولا يعرف ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، وكلامه يقتضي أن مالكًا وأمثاله ممن لا يعتمد عليه، ولا يعتد بخلافه، وأنه من أهل القطع والطغيان، وأهل الجرأة على النبيين الموجبة للخسران. ومعلوم أن من قال هذا في علماء المسلمين، كمالك ونحوه، استحق العقوبة البليغة؛ فإن هذا قول يلزم منه أن مالكًا وأمثاله من لئمتهم، من الذين جاهروا بالعداوة للأنبياء، وأظهروا لهم العناد، وأن فيهم جرأة على مرتبة النبيين توجب القسران. ومعلوم أن هذا من أعظم الافتراء عليهم والاجتراء. ثم إنه قال ذلك فيما اتبعوا فيه الرسول صلى الله عليه وسلم، وأطاعوا فيه أمره ونهيه، ونهوا عما نهى، وأمروا بما أمر، وصار حقيقته أنه من أطاع الله ورسوله، ونهى عما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم، كالسفر إلى غير المساجد الثلاثة، هو كافر معاند للأنبياء. ومعلوم أن من قال مثل هذا فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل؛ فإن تاب وإلا قتل. وإذا لم يعرف أن قوله لم يعرف أن قوله يتضمن هذا ويستلزمه، عرف ذلك ويبين له، فإن أصر استحق العقوبة. ولو عرف أن هذا يلزم قوله لكان كافرًا مرتدًا، لكنه جاهل لم يعرف أن هذا يلزم قوله؛ فإنه لم يعرف مذهب مالك، ولا غيره من الأمة في مسألة النزاع، ولا عرف ما فيها من أدلة الشرعية، ولا تدبر ما ذكره المجيب، بل تكلم بظنه وهواه، وأعرض عن سبيل الهدى الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى﴾. ثم يقال ثانيًا: هب أن الذين نقل عنهم الجواز أفضل أهل الأرض. في المجيب ذكر القولين، وذكر حجة كل واحد، كل واحد من نصر الجواز سوغ له المجيب ذلك؛ فإنه قد قاله جماعة من العلماء، لكن هؤلاء المعارضون خرقوا إجماع الطائفتين، وقالوا: إنه يستحب السفر لمجرد زيارة القبور، فقالوا: إنه يستحب السفر إلى غير المساجد الثلاثة. وعلى ذلك فيجب بالنذر على قول الجمهور، الذين يجبون الوفاء بنذر الطاعة، كمن نذر السفر إلى المدينة وبيت المقدس، وهو قول مالك وأحمد والشافعي في أحد قوليه. فهؤلاء خرقوا إجماع الطائفتين، وما تفطنوا لذلك حتى ادعوا أن هذا الخرق للإجماع إجماع، وحتى سعوا في عقوبة من قال بقول إحدى الطائفتين، إما الجواز وإما التحريم، بل استحلوا تكفيره والسعي في قتله. فهؤلاء من أعظم أهل البدع والضلال، كالخوارج والروافض وأمثالهم من الجهال الذين يخالفون السنة وإجماع السلف، ويعادون من قال بالسنة وإجماع السلف لشبه باطلة، حديث مفترى، وألفاظ مجملة لم يفهموها. ويقال ثالثًا: المجيب سمى من المجوزين ثلاثة: أبو حامد الغزالي من أصحاب الشافعي، وأبو الحسن من عبدوس، وأبو محمد المقدسي من أصحاب أحمد. وسمى من المانعين أبا عبد الله بن بطة، وأبا الوفاء بن عقيل. ولكن ليس هذا قولهم ما فقط، بل هو قول مالك، صرح بذلك في قبر النبي صلى الله عليه وسلم وغيره. وهؤلاء ذكروا ذلك على وجه التعميم. قال أبو الوفاء بن عقيل في كتابه المشهور المسمى بالفصول: فصل، فإن سافر إلى زيارة المقابر كهذه المشاهد المفتتة كمشهد الكوفة وسامراء وطوس والمدائن، وأعيان كقبر مصعب بن عمير وطلحة والزبير بالبصرة، بينه وبينها مسافة القصر، لم يستبيح رفقة السفر؛ لأن شد الرحال نحوها منهي عنه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجد هذا». والنهي يمنع أن يكون هذا سفرًا شرعيًا، والترخص بما نهي عنه لا يجوز. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد». والعبادة معتبرة بالشرع. قال: فإن سافر أحد إلى أحد هذه المواضع في تجارة أو زيارة نظرتان: فإن كان قصده التجارة والزيارة تابعًا جاز القصر، وإن كان أكثر قصده الزيارة، وكان قصده لهما متساويًا فلا يستبيح ذلك؛ لأنه سفر منهي عنه، أشبه سفر المعصية. فابن عقيل ذكر المنع من السفر إلى القبور عمومًا، لكن احتج بحجة مالك: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد». وكذلك أبو محمد الجويني وغيره من أصحاب الشافعي صرحوا بتحريم السفر إلى غير الثلاثة عمومًا؛ لأجل الحديث، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد». فقول مالك يوجب التحريم إلى ما سوى الثلاثة من زيارة القبور وغيرها. وأما ابن بطة فإنه ذكر ذلك في الإبانة الصغرى التي يذكر فيها جل أقوال أهل السنة وما خالفها من البدع، البناء على القبور وتجصيصها وشد الرحال إلى زيارتها، فذكر ذلك أيضًا عمومًا. وقوله: «وشد الرحال إلى زيارتها» يبين أن هذا الشد داخل عنده في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد»، كما أن تجصيصها داخل في نهيه صلى الله عليه وسلم عن تجصيص القبور. وليس هؤلاء القائلون بالتحريم بدون أولئك، بل هم أجل قدرًا وأحق بمنصب الاجتهاد من أولئك. فإن مالكًا إمام عظيم، ثم قوله هذا قد وافقه عليه أصحابه مع كثرتهم وكثرة علمائهم. وقوله الذي صرح فيه بالنهي عن الوفاء بالنذر لمن نذر إتيان قبر النبي صلى الله عليه وسلم ذكره القاضي إسماعيل من أصحابه مقررًا له، وهو أولى بمنصب الاجتهاد من أولئك، وهو أعلم بكتاب الله وسنة رسوله وأقوال الصحابة والتابعين ممن خالفه من أصحاب الشافعي وأحمد. فإن المخالفين فيها مثل أبي المعالي والغزالي ونحوهما، وهؤلاء ليس فيهم عند أصحاب الشافعي من له وجه بمذهب الشافعي، فضلًا عن أن يكونوا مجتهدًا، بخلاف أبي محمد الجويني والد أبي المعالي؛ فإنه صاحب وجه بمذهب الشافعي، وكان يقال: لو جاز أن يبعث الله نبيًا في زمنه لبعثه في علمه ودينه وحسن طريقته. وإنه أبو المعالي إنما تخرج به، وهو معظم لوالده غاية التعظيم. ولكن قول أبي المعالي مأثور عن الشيخ أبي حامد وأبي علي بن أبي هريرة، وهما من أصحاب الوجوه. ولهذا كان في المسألة وجهان، وقد وافق فيه ابن عبد البر وطائفة. ولكن مالكًا وجمهور أصحابه مع من وافقهم من السلف. ولا إمام أجل قدرًا من مالك وأصحابه، ينهون عن الوفاء بنذر ذلك، وأنه من نذر إتيان المدينة أو بيت المقدس لغير الصلاة في المسجد لم يجز له الوفاء بنذره؛ لأن السفر لغير المسجد منهي عنه، سواء سافر لزيارة ما هناك من قبور الصالحين وغير ذلك. ومن بطة العكبري من أعلم الناس بالسنة والآثار وأتباعهم لها، ومن أزهد الناس، ومعروف بأن دعاءه مستجاب، وأعبدهم. وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه الحسين بن علي الجوهري أخو أبي محمد الجوهري الحسن، فقال: «يا رسول الله قد اجتبأت علينا المذاهب»، فقال: «عليك بهذا الشيخ - يعني ابن بطة - فانحدر إلى عكبراء». فلما رآها أبو عبد الله تبسم وقال: «صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم». وعلمه بالسنة وزهده ودينه غاية. وأبو الوفاء بن عقيل مبرز في زمانه، تعظمه الطوائف كلها لبراعته وفتوته وفهمه، وهو أعلم بالفقه والكلام والحديث ومعاني القرآن من أبي حامد، وهو في الدين من أحسن الناس دينًا. ولكن أبا حامد دخل في أشياء من الفلسفة هي عند ابن عقيل زندقة، وقد رد عليه بعض ما دخل فيه من تأويلات الفلاسفة. وابن عقيل يزن كلام الصوفية بالأدلة الشرعية أكثر مما يزن أبو حامد. ففي الجملة من عرف أقدار العلماء تبين له أن القائلين بالتحريم للسفر إلى غير المساجد الثلاثة، القبور وغيرها، هم أجل قدرًا عند الأمة من القائلين بالجواز. والذين سماهم المجيب سما من حضره قوله وقت الجواز من هؤلاء وهؤلاء، ولم يتعرض لتفضيل أحد الصنفين، بل ذكر حجة هؤلاء وهؤلاء على عادة العلماء؛ فإن الأحكام الشرعية تقوم عليها أدلة شرعية، فيمكن معرفة الحق فيها بالعلم والعدل. وأما تفضيل الأشخاص بعضهم على بعض ففي كثير من المواضع لا يسلم صاحبه عن قول بلا علم واتباع لهواه، فللشيطان فيه مجال رحب. والمجيب لم يتعرض لذلك. ولو قدر أن المنازع واحد، فالاعتبار في موارد النزاع بالحجة، كما قال تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾. وقول هذا المعترض: إنه نقل الجواز عن الأئمة المرجوع إليهم في علوم الدين والفتوى، المشتهرين بالزهادة والتقوى، الذين لا يعتد بخلاف من سواهم، ولا يرجع في ذلك لمن عداهم، كلام باطل صدر عن متكلم بلا علم، توغل في الجهل؛ فليس في الأمة من هو بهذه الصفة، بل هذا من خصائص الرسول، فهو الذي لا يعتد بخلاف من سواه. وكل من سوى الرسول يؤخذ من قوله ويترك، كما نقل ذلك عن مالك، قال: «كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر». ولو قيل مثل هذا في الأئمة المجتهدين كالأربعة كان منكرًا من القول وزورًا. فلو قال قائل: إن الأئمة الأربعة لا يعتد بخلاف من سواهم، فإذا خالفهم الثوري والأوزاعي والليث بن سعد وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وأبو عبيد ونحوهم، أو خالفهم سعيد بن المسيب والحسن البصري وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح، أو خالفهم عمر أو ابن عباس أو أبو هريرة وعائشة ونحوهم، لم يعتد بخلافهم، كان هذا منكرًا من القول وزورًا. فكيف يقال لبعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد، وهم قد خالفوا شيوخهم: إن هؤلاء لا يعتد بخلاف من سواهم، ولا يرجع في ذلك لمن عداهم؟! وهذا كلام من المؤلف رحمه الله تعالى ظاهر، ومجمله أنه رد مجازفة المعترض بزعمه أن قول الشيخ خرج عن كلام الأئمة، ومجازفته كذلك بأنه لا يجوز الخروج عن القول - يعني الذي ينتصر له - من أنه يستحب شد الرحال إلى القبور عمومًا، فأبان الشيخ رحمه الله تعالى أن المعترض أولى بهذه التهمة. فحقيقة الأمر أنه لم ينقل عن علماء المسلمين إلا القول بالمنع أو القول بالجواز، ولا قائل بالاستحباب. فكيف بعد ذلك يدعي ما يدعي؟! ثم أبان رحمه الله تعالى بالأوجه الأخرى أنه عند التحقيق لو نظر إلى المسألة بعيني الإنصاف لعلم كل أحد أن القول بالمانعين، أن قول من قال بالمنع وقول المانعين أقرب إلى الصواب؛ لقوة حجة الدليل والبرهان في ذلك، ولعلو منزلة هؤلاء القائلين علمًا وإمامة وديانة. فالقول إذا اشتبه معرفته صوابه لاشتباه الدليل ورجحانه، فإنه يعرف بإمامة القائل، فلا هو أخذ بالأول، ولا أخذ بالثاني. فكان المجازف بحق هو هذا المعترض.