الدرس في تعليق - الرد على الأخنائي 13، الدرس الثالث عشر : من : (وهؤلاء الذين يعتقدون أ، القبور تنفعهم وتدفع البلاء عنهم ... فكيف إذا لم يكن من داخل بل من خارج فهذا هذا والله أعلم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش النهي عن السفر لزيارة القبور ويبين عدم كونه تنقصا لأهلها، مستدلا بمقارنة مع النهي عن السفر إلى مساجد غير الثلاثة المعظمة. يشرح بداية الشرك بعبادة الأصنام والقبور مستدلا بآيات قرآنية وأحاديث نبوية.
يتناول تحذير النبي صلى الله عليه وسلم لأمته من اتخاذ القبور مساجد، ويشرح أن المشركون كانوا يحجون إلى الأوثان والقبور ويتقربون إليها بالعبادات. هذا الفعل يعتبر شركا بالله تعالى.
يتناول تحذيرًا من الشرك وعبادة القبور، ويشرح أن زيارتها على وجه التعبد ليست من شرع الرسول. يُبيّن أن تعظيمها يُعتبر ذريعة للشرك، ويستشهد بالأحاديث النبوية التي تنهى عن ذلك، ويؤكد أن محبة النبي تكون باتباع سنته.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام رحمه الله: في رجع الأخناء، قالوا: هؤلاء الذين يعتقدون أن القبور تنفعهم وتدفع البلاء عنهم قد اتخذوها أوثانا من دون الله، وصاروا يظنون فيها ما يظن أهل الأوثان في أوثانهم. فإنهم كانوا يرجونها ويخافونها ويظنون أنها تنفع وتضر. ولهذا قال لهود عليه السلام: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾، وقال لهود: «إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ» إلى قوله: «فَكِيدُونِي جَمِيعًا» إلى قوله: «إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ». وقد قال الله تعالى في قصة الخليل وحاجه قومه: «أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ» إلى قوله: «مُهْتَدُونَ». وقال الله تعالى لخاتم الرسل صلى الله عليه وسلم بعد أن خاطب المشركين: «إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ» إلى قوله: «فَلَا تُنْظِرُونِ». وقال: «لَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ» إلى قوله: «حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ». وأول ما ظهر الشرك بمكة من عمر بن لحي، سيد خزاعة. وكانت خزاعة ولاة البيت بعد جرهم، وقيل: قريش. فجاء إلى البلقاء، ورهاهم يعبدون الأصنام، وزعموا أنها تنفعهم، فجلب أصناما إلى مكة ونصبها حول الكعبة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ» -أي أمعاءه- وهو أول من غير دين إبراهيم عليه السلام. وإذا كان كذلك، فمعلوم أنه لو نهي عن زيارة القبور مطلقا كما نهي عن ذلك في أول الإسلام، وكما هو أحد قيولي العلماء، لم يكن في ذلك معادات لأهل القبور، ولا معاندة. فكيف إذا كان النهي إنما هو عن السفر لزيارة القبور، وهو نهي عام لا تختص به الأنبياء والصالحون؟ بل كما نهي عن السفر إلى مسجد غير الثلاثة. فهل يقول عاقل: إن هذا من باب الاستهانة بالمساجد والاستخفاف بها؟ كالذي يمنع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه. بل النهي عن السفر إليها مع إتيانها وعمارتها بالعبادات من أفضل الطاعات. فليس في ذلك نقص لقدرها. وكذلك إذا نهي عن السفر مع جواز زيارتها بلا سفر، واستحباب ذلك، فإنه لا يكون تنقصا بأهل القبور بطريق الأولى. إذا كان جنس النهي عن زيارتها ليس تنقصا بهم. بخلاف النهي عن عمارة المساجد وإتيانها للصلاة والذكر والدعاء. فإن من نهى عن ذلك كان من أظلم الناس. فإن من نهى عن ذلك كان كافرا، كما قال تعالى: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ». ولو نهي عن السفر إليها، ولعن من سافر إليها، كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم وأئمة المسلمين، وقال: «مَنْ نَذَرَ السَّفَرَ إِلَيْهَا لَا يَوْفِي بِنَذْرِهِ»، لم يكن تنقصا بالقبور التي لو نهى عن زيارتها لم يكن متنقصا بها. فإذا نهى عن السفر إليها، لم يكن متنقصا بها بطريق الأولى والأخرى. وهذا بين لمن تدبر. وهذا من المؤلف رحمه الله تعالى كذلك رد آخر على المعترض فيما ادعاه: أن الشيخ رحمه الله يتنقص بالأنبياء، وأنه كذلك أتى بما لم يأت به من سبقه. فأراد أن يبين الشيخ ويبرهن رحمه الله: أن الرجل جاهل بأقوال أهل العلم، جاهل لمدلول الكلام، جاهل بمقاصد الشريعة. فتضمنت هذه الفقرة إشارة إلى ما سبق، وتأكيد وتجديد، وذلك بذكر ثلاثة مسائل. المسألة الأولى: بيان أن من أعظم مقاصد الشريعة النهي عن الشرك ودفع الذرائع المفضية إليه. فإذا كان كذلك، فنهي النبي عليه الصلاة والسلام في أول الإسلام عن زيارة القبور سدا لذريعة الشرك، علته موجودة، والحكم يدور مع علته وجودا وعدما. ولهذا نقل -كما سبق معنا في أوائل هذا الكتاب- عن عدد من أهل العلم من الأئمة المتقدمين، ومن بعض أتباع أتباع التابعين القول بمنع زيارة القبور مطلقا. وذلك لأن العلة موجودة. فإذا وجدت العلة، فإن الحكم يرجع كما كان في أول عهد النبي عليه الصلاة والسلام. فالحكم يدور مع علته وجودا وعدما. فكأنه يقول: لو قلت: أنا -يعني في فتوى- لو أنه قال بالمنع مطلقا، لكان له وجه لما دلت عليه روح هذه الشريعة ومقصدها، وعمومات الأدلة في هذا الباب، ووجود العلة، واقتداء بمن سبقه ممن قال بهذا القول من أهل العلم، وهو قول مشهور، كما قال: وكما هو أحد قولي العلماء. فكيف إذا كان النهي أخف من ذلك؟ نهي شيخ الإسلام ومنعه إنما كان في السفر لزيارة القبور، ليس الزيارة المطلقة، وإنما السفر شد الرحل. وهذا قد قال به جماعة من أهل العلم، كما سبق عن إمام مالك وغيره. وأنه من نذر لا يوفى بنذره. والأمر الثالث: أن مدلول الكلام لا يدل على الاستخفاف -يعني يريد أن يقول: أن الرجل جاهل بمدلول الكلام- كيف يزعم أنه وجد في كلام شيخ الإسلام ما يدل على الاستهانة والاستخفاف بقدر الأنبياء؟ فضرب مثلا بالمساجد. فإذا كان الإجماع وقع على عدم شد الرحل إلى مسجد إلا المساجد الثلاثة، والاتفاق كذلك وقع بالنسبة للقبور على الصحيح، كما مر وجهه فيما سبق. فكيف يقال: بأن شيخ الإسلام يستهين أو يستخف؟ وهذا يعني به يتبين جهل هذا الرجل. والحديث الذي أشار إليه هو في البخاري ومسلم، لكن بغير هذا اللفظ. جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وفي البخاري من حديث عائشة، وفي مسلم من حديث جابر، لكن بلفظ: «وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ». وما ذكره رحمه الله هو معنى رواية عند الحاكم، جاءت من حديث أبي هريرة: أنه غير عهد إبراهيم عليه السلام، أول من غير عهد إبراهيم. وجاء من حديث أبي بن كعب: أنه أول من حمل العرب على عبادة الأصنام. والحديثان: حديث أبي هريرة حسن لذاته، وحديث أبي حسن لغيره، لأنه في سنده عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو لين. لكنه الشواهد. قال: الوجه الثالث: أن يقال: لا ريب أن أهل البدع يحجون إلى قبور الأنبياء والصالحين، ويزورونها غير الزيارة الشرعية. لا يقصدون الدعاء لهم والصلاة على جنائزهم، بل الزيارة عندهم والسفر لذلك من باب تعظيمهم لعظم جاههم وقدرهم عند الله. ومقصودهم دعاؤهم أو الدعاء بهم أو عندهم، وطلب الحوائج منهم، وغير ذلك مما يقصد بعبادة الله تعالى. ولهذا يقولون: إن من نهى عن ذلك فقد تنقص بهم. فهذا القول مبني على ذلك الاعتقاد والقصد والظن. والنصارى يحجون إلى الكنائس لأجل ما فيها من التماثيل، ولأجل من بنيت لأجله. كما يحجون إلى موضع قبر المسيح عندهم -الكنيسة التي يقال: إنها بنيت على قبره- موضع الصلب بزعمهم. وهم يبنون الكنائس على من يعظمونه، مثل جرجس وغيرهم. فيتخذون المعابد على القبور. وهم ممن لعنهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك تحذيرا لأمته. وقال لأمته: «إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» رواه مسلم. والكنيسة التي بنيت موضع ولادته -المسمى ببيت لحم- وكنائس أخرى التي يسمونها القيامة. وكان صاحب الفيل قد بنى كنيسة باليمن، وأراد أن يصرف حج العرب عن الكعبة إليها. فدخلها بعض العرب، وأحدث فيها، فغضب وجمع الجنود وسار بالفيل ليهدم الكعبة حتى فعل الله به ما فعل. وكذلك كان بالطائف ألاة -يعني وثنا- وكانوا يحجون إليها. وفي حديث أبي سفيان عن أمية بن أبي الصلت لما أخبر عن العالم الراهب: أنه قد أضل زمان نبي يبعث من العرب، وطمع أمية بن أبي الصلت أن يكون إياه. فقال له ذلك العالم: «إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ يُحَجُّ إِلَيْهِ الْعَرَبُ». فقال: «إِنَّا مَعْشَرَ ثَقِيفٍ فِينَا بَيْتٌ يُحَجُّ إِلَيْهِ الْعَرَبُ». قال: «إِنَّهُ لَيْسَ مِنْكُمْ، إِنَّهُ مِنْ إِخْوَانِكُمْ مِنْ قُرَيْشٍ». وذلك البيت هو بيت اللات المذكور في قوله تعالى: «أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى». والطائف ومكة هما القريتان اللتان قالوا فيهما: «لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ». وآخر غزوات النبي صلى الله عليه وسلم من غزوات القتال غزوة الطائف، ولم يفتحها. ثم إن أهلها أسلموا، وطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يمتعهم باللات حولا، فامتنع من ذلك وهدمها، وأمر بمناء المسجد موضعها، واستعمل عليهم عثمان بن أبي العاص الثقفي. وهذا معروف عند أهل العلم. والمقصود: أنهم كانوا يسمون السفر إلى مثل ذلك حجا، ويقولون: إن بيت اللات يحج كما تحج الكعبة. وكانوا يحجون إلى العزة، وكانت عند عرفات، ويحجون إلى مناة الثالثة الأخرى، وإلى حذو قديد. فكان لكل مدينة من مدائن الحجاز وثن يحجون إليه. فلات بالطائف، والعزة عند مكة، ومناة لأهل المدينة. كانوا يهلون لها. وأولئك الذين يحجون إلى القبور يقصدون ما يقصده المشركون الذين يقصدون بعبادة المخلوق ما يقصد العابدون لله. منهم من قصده قضاء حاجته، وإجابة سؤاله. يقول: هؤلاء أقرب إلى الله مني، فأنا أتوسل بهم، وهم يتوسطون لي في قضاء حاجتي، كما يتوسط خواص الملك لمن يكون بعيدا عنهم. وقد ينذر لهم، أو يأتي بقربان بلا نذر، ويتقربون إليهم بما ينذرونه ويهدونه إلى قبورهم، كما يتقرب المسلمون بما يتقربون به إلى الله من الصدقات والضحايا. وكما يهدون إلى مكة أنواع الهدي. ومنهم من يجعل لصاحب القبر نصيبا من ماله، أو بعض ماله، أو يجعل ولده له، كما كان المشركون يفعلون بآلهتهم. ومنهم من يسيب لهم السوائب، فلا يذبح ولا يركب ما يسيب لهم من بقر وغيرها، كما كان المشركون يسيبون لطواغيتهم. فهذا صنف، وصنف ثاني يحجون إلى قبورهم لما عندهم من المحبة للميت والشوق إليه، أو التعظيم والقعود له. فيجعلون السفر إلى قبره أو إلى صورته الممثلة -تقوم مقام السفر إلى نفسه لو كان حيا- ويجدون بذلك أنسا في قلوبهم وطمأنينة وراحة. كما يحصل لكثير من المحبين إذا رأى قبر محبوبه، وكما يحصل للقريب والصديق إذا رأى قبر قريبه وصديقه. لكن ذلك حب وتعظيم ديني، فهو أعظم تأثيرا في النفوس. ولهذا يجد كل قوم عند قبر من يحبونه ويعظمونه ما لا يجدونه عند قبر غيره، وإن كان أفضل. وكثير من أتباع المشايخ والأئمة يجدون عند قبر شيخه وإمامه ما لا يجده عند قبور الأنبياء -لا نفينا ولا غيره- وذلك لأن الوجد الذي يجدونه ليس سببه نفس فضيلة المزور، بل سببه ما قام بنفوسهم من حبه وتعظيمه. وإن كان هو لا يستحق ذلك، بل قد يكون المزور كافرا مشركا أو كتابيا، والمحبون له المعظمون يجدون مثل ذلك. وهذا كما أن عباد الأوثان الذين جعلوهم أندادا لله يحبونهم كحب الله، يجدون عند الأوثان مثل ذلك. وكذلك عباد العجل، قال الله تعالى: «وَاشْرَبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ» -أي حب العجل- وهذا قول الأكثرين. وموسى حرقه ثم نسفه، فإنه كان قد صار فحما. وقيل: بل أشرب برادته التي كانت في الماء. وإن موسى برده لكونه كان ذهبا. والأول عليه الجمهور، وهو أصح. وقد سئل سفيان بن عيينة عن أهل البدع والأهواء: أن عندهم حبا لذلك. فأجاب السائل بأن ذلك في قوله: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ». وقوله: «وَاشْرَبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ». والله تعالى قد ذكر حب المشركين آلهتهم في كتابه، وبين أن من الناس من يتخذ إلهه هواه -أي يجعل ما يأله ويعبده هو ما يهواه- فالذي يهواه ويحبه هو الذي يعبده. ولهذا ينتقل من إله إلى إله، كالذي ينتقل من محبوب إلى محبوب. إذ كان لم يحب علما وهدى ما يستحق أن يحب، ولا عبد من يستحق أن يعبد. بل عبد وأحب ما أحبه من غير علم ولا هدى ولا كتاب منزل. قال تعالى: «أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا». إلى قوله: «سَبِيلًا». وقال: «فَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ» -قال: من أبي طلحة عن ابن عباس-: «ذَاكَ الْكَافِرُ اتَّخَذَ دِينَهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ وَلَا بُرْهَانٍ». وقال سعيد بن جبير: «كَانَ أَحَدُهُمْ يَعْبُدُ الْحَجَرَ، فَإِذَا رَأَى مَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ رَمَاهُ وَعَبَدَ الْآخَرَ». وقال الحسن البصري: «ذَاكَ الْمُنَافِقُ نَصَبَ هَوَاهُ، فَمَا هَوِيَ مِنْ شَيْءٍ رَكِبَهُ». وقال قتادة: «أَيْ وَاللَّهِ كُلَّمَا هَوِيَ شَيْئًا رَكِبَهُ، وَكُلَّمَا اشْتَهَى شَيْئًا أَتَاهُ، لَا يَحْجُزُهُ عَنْ ذَلِكَ وَرَعٌ وَلَا تَقْوَى» رواهن من أبي حاتم وغيره. وقد قال تعالى: «وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ». وقال تعالى: «فَاتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ» إلى قوله: «بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ». وقال تعالى عن المشركين: «أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ» إلى قوله: «فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ». وقال تعالى: «لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا» إلى قوله: «يُسْأَلُ». فالذين يحجون إلى القبور هم من جنس الذين يحجون إلى الأوثان. والمشركون يدعون مع الله إلها آخر يدعونه كما يدعون الله. وأهل التوحيد لا يدعون إلا الله، لا يدعون مع الله إلها آخر، لا دعاء سؤال وطلب، ولا دعاء عبادة وتأله. والمشركون يقصدون هذا وهذا. وكذلك الحجاج إلى القبور يقصدون هذا وهذا. ومنهم من يصور مثال الميت، ويجعل دعاءه ومحبته والأنس به قائما مقام صاحب الصورة، سواء كان نبيا أو رجلا صالحا أو غير صالح. وقد يصور المثال له أيضا كما يفعل النصارى. وكثيرا ما يظنون في قبر أنه قبر نبي أو رجل صالح، ولا يكون ذلك قبره، بل قبر غيره، أو لا يكون قبرا. ربما كان قبر كافر. وقد يحسنون الظن بمن يظنونه رجلا صالحا وليا، ويكون كافرا أو فاجرا. كما يوجد عند المشركين وأهل الكتاب، وبعض الظلال من أهل القبلة. وهذا جنس من الزيارة ليس مما شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم، لا إباحة ولا ندبا، ولا استحبه أحد من أئمة الدين. بل هم متفقون على النهي عن هذا الجنس كله. وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأحاديث المستفيضة الصحيحة ما هو أقرب من هؤلاء، وهم الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. يحذر ما فعلوا، وأخبر أن من كان قبلنا كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد. وقال: «أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ». فإذا كان قد نهى ولعن من يتخذها مسجدا -يعبد الله فيه ويدعو- لأن ذلك ذريعة ومظنة إلى دعاء المخلوق صاحب القبر وعبادته. فكيف بنفس الشرك الذي سد ذريعته، ونهي عن اتخاذها مساجد لألا يفضي ذلك إليه؟ فمعلوم أن صاحبه أحق باللعنة والنهي. وهذا كما أنه نهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها. وقال: «فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ». ونهى عن تحري الصلاة في هذا الوقت. لما فيه من مشابهة الكفار في الصورة، وإن كان المصلي يقصد السجود لله لا للشمس. لكنها عن المشابهة في الصورة لألا يفضي إلى المشاركة في القصد. فإذا قصد الإنسان السجود للشمس وقت طلوع الشمس ووقت غروبها، كان أحق بالنهي والذن والعقاب. ولهذا يكون هذا كافرا. كذلك من دعا غير الله، وحج إلى غير الله هو أيضا مشرك. والذي فعله كفر، لكن قد يكون عالما بأن هذا شرك محرم، كما أن كثيرا من الناس دخلوا في الإسلام من التتار وغيرهم، وعندهم أصنام لهم صغار من لبد وغيره، وهم يتقربون إليها ويعظمونها، ولا يعلمون أن ذلك محرم في دين الإسلام. ويتقربون إلى النار أيضا، ولا يعلمون أن ذلك محرم. فكثير من أنواع الشرك قد يخفى على بعض من دخل في الإسلام، ولا يعلم أنه شرك. فهذا ضال، وعمله الذي أشرك فيه باطل، لكن لا يستحق العقوبة حتى تقوم عليه الحجة. قال تعالى: «فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ». وبصح من أبي حاتم وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الشِّرْكُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ». قال أبو بكر رضي الله عنه: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نَنْجُو مِنْهُ؟» قال: «قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ». وكذلك كثير من الداخلين في الإسلام يعتقدون أن الحج إلى قبر بعض الأئمة والشيوخ أفضل من الحج، أو مثله. ولا يعلمون أن ذلك محرم، ولا بلغهم أحد أن هذا شرك محرم لا يجوز. وقد بسطنا الكلام في هذا في مواضع. والمقصود هنا: أن هؤلاء المشركين الذين يجعلون أصحاب القبور والسادات يشركون بهم كما يشركون أصحاب الأوثان بأوثانهم. يدعونهم ويستشفعون بهم، ويرجونهم ويخافونهم. وقد جعلوهم أندادا يحبونهم كحب الله. هم الذين يقولون لمن نهى عن هذا الشرك وأمر بعبادة الله وحده: أنه تنقصهم، وعادهم وعاندهم. كما يزعم النصارى: أن من جعل المسيح عبدا لله، ولا يملك ذرا ولا نفعا: أنه قد تنقص المسيح، وعاداه وسبه وعانده. وأما من عرف أن الأنبياء عن هذا الشرك، فأطاعهم واتبع سبيلهم، وعبد الله وحده. فهذا يمتنع أن يقول: هذا تنقص ومعاداة. فهذا الفرقان هو الذي يفصل بين عباد الرحمن وعباد الشيطان. وهذا كذلك من المؤلف رحمه الله تأكيد لبيان جهل المعترض، وإضاح إلى أوجه أخرى تبين العلة التي لأجلها نهي عن شد الرحل لزيارة القبور أو غيرها على وجه التعبد. فبين رحمه الله تعالى أولا -وهو قوله: الوجه الثالث- أن من مقاصد المشركين التي نهى عنها الشرع هو عبادة غير الله جل وعلا بمعنيين: المعنى الأول: بدعائها وسؤالها. والمعنى الثاني: بتعظيمها والخضوع لها. وكلا المعنيين وقع مع القبور وأهل القبور عند المشركين. وضرب أمثلة: اليهود والنصارى، لأن اشتهر فيهم الشرك. وضرب أمثلة بعدد من الكنائس، وكذلك عن مشركي العرب. وضرب أمثلة بما وقع عندهم في اللات والعزة ومنات. وهكذا كذلك ما وقع في دين الإسلام -مثل ما ضرب من الأمثلة قبل ذلك- في السيدة زينب وغيرها من القبور التي صارت أوثانا. فمنهم من يعبدها من دون الله، فيدعوها كما يدعو الله، ويطلب منها النفع ودفع الضر. وهذا هو الشرك الأكبر بعينه. ومنهم من يعظمها كما ضرب مثال بما يقع لبعض النصارى وبعض المشركين وعبدة النار من الحب والتعظيم الذي هو على وجه العبادة. حب وتعظيم على وجه العبادة يكون معه خضوع وذل ومسكنة وإخبات. ولو كان لا يدعوها. ليس شرط أن يدعو يرفع يديه يدعو أو يدعو حتى في قلبه. يكفي أن يكون عنده خضوع وتعظيم وذل وإخبات ومسكنة. لا تكون إلا لله عز وجل وحده. والآن، الأنبياء تجب محبتهم وموالاتهم وتعزيرهم وتوقيرهم، لا سيما خاتم الرسل صلوات الله عليهم أجمعين. وقد ثبت في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ». وفي البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ». وفي البخاري عن عبد الله بن هشام رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال له عمر: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ». فقال له عمر: «فَإِنَّهُ الْآنَ وَاللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الْآنَ يَا عُمَرُ». وبصحيحين عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: مِنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ كَانَ يُحِبُّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَمَنْ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ». وفي بعض طرق البخاري: «لَا يَجِدُ أَحَدٌ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ». وتصديق هذه الأحاديث لكتاب الله تعالى، قال تعالى: «قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ». ومحبة الرسول هي من محبة الله، فهي حب لله وفي الله. ليست محبة محبوب مع الله كالذين قال الله فيهم: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ». والحب في الله والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان، كما جاء في الحديث. وحب ند مع الله شرك لا يغفره الله. فأين هذا من هذا؟ والمحبة التي أوجبها الله لرسوله وللمؤمنين لا تختص ببقعة، ولا تختص بقبورهم ولا غيرها. وكذلك سائر حقوقهم من الإيمان بهم وما يدخل في ذلك، فإن ذلك واجب في كل موضع. وكذلك الصلاة والسلام على الرسول وغير ذلك. فمن يجد قلبه عند قبر الرسول أكثر محبة له وتعظيما، ولسانه أكثر صلاة عليه وتسليما مما يجده في سائر المواضع، كان ذلك دليلا على أنه ناقص الحظ منحوس النصيب من كمال المحبة والتعظيم. وكان فيه من نقص الإيمان وانخفاض الدرجة بحسب هذا التفاوت. بل المأمور به أن تكون محبته وتعظيمه وصلاته وتسليمه عند غير القبر أعظم. فإن القبر قد حيل بين الناس وبينه. وقد نهى أن يتخذ عيدا، ودعى الله أن لا يجعل قبره وثنا. فإن لم يجد إيمانه به ومحبته له وتعظيمه له وصلاته عليه وتسليمه عليه إذا كان في بلده أعظم مما يكون لو كان في نفس الحجرة من داخل، لكان ناقص الحظ من الدين وكمال الإيمان واليقين. فكيف إذا لم يكن من داخل بل من خارج؟ فهذا والله أعلم. وهذا كذلك تأكيد لما سبق، وفيه تنبيه لمسألتين: المسألة الأولى: أن عند هؤلاء الذين وقعوا في الشرك تعظيم لما يذهبون إليها من القبور أعظم من تعظيم النبي عليه الصلاة والسلام التعظيم الشرعي. وأشار إلى الأحاديث حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ». والأمر الثاني: هو أن تعظيم النبي عليه الصلاة والسلام وحبه لا يعني عبادته. وإنما الحب والتعظيم بالاتباع بما دل عليه الدليل. فليس من تعظيمه شد الرحل إلى قبره واستحباب ذلك أو إيجابه. بل هذا مما يدخل في نهي النبي صلى الله عليه وسلم: «أَنْ يَتَّخِذَ قَبْرَهُ عِيدًا وَوثْنًا» كما مرت الأحاديث. وأما حديث أوثق عرى الإيمان الذي أشار إليه: الحب في الله والبغض في الله. فهو حديث ابن عباس، وذكره الشيخ الألباني رحمه الله في الصحيحة في المجلد الثاني 998.