الدرس في تفسير سورة الحشر من تفسير الجلالين 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يفسر المقطع الآيات من سورة الحشر التي تتحدث عن يهود بني النضير وعقابهم من الله بسبب مخالفتهم. تم توضيح معنى الجلاء والعذاب في الدنيا والآخرة لهم.
تفسير الآيات التي تتحدث عن جلاء اليهود وعقوبتهم في الدنيا والآخرة بسبب مشاقتهم لله ورسوله. الآيات نزلت قبل أحد وتعتبر دليلا على صدق نبوته صلى الله عليه وسلم.
يفسر المقطع آيتين قرآنيتين تتعلقان بمخالفة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين، وبقطع النخل في غزوة بني النضير بإذن الله. يُفهم أن مخالفة الرسول تؤدي إلى العذاب.
يفسر المقطع الآية الكريمة ويبين أن الإذن الإلهي في قطع النخل هو خزي للفاسقين. يشرح معنى الفسق كخروج عن العدل والصراط المستقيم، ويذكر أن اليهود نقضوا العهد فاستحقوا العقوبة.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾، ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله، ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب، ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾. قال المفسر رحمه الله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ﴾، قضى عليهم الجلاء، الخروج من الوطن، لعذبهم في الدنيا بالقتل والسبي، كما فعل بقريظة من اليهود، ولهم في الآخرة عذاب النار، ذلك بأنهم شاقوا، خالفوا الله ورسوله، ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب، ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللهِ﴾، يا مسلمون، ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾، بالإذن في القطع، اليهود، في اعتراضهم أن قطع الشجر المثمن فساد. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه السورة العظيمة، سورة الحشر، وما ذكر الله عز وجل فيها من خبر يهود بني النظير، فإن أكثر وأول ما نزل في أول آياتها في يهود بني النظير، كما تقدم معنا. وقوله سبحانه: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللهُ﴾، قال: قضى الله، ولا شك أن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، كما تقدم وتقرر وتكرر، فكتب الله عز وجل فيه إثبات الكتابة والقضاء، وكلاهما قد وقع، فإنه قضى الله عز وجل ذلك في سابق قضائه وقدره سبحانه وتعالى، وأمر بكتابة ذلك، فهو مكتوب ومقضي، فالكتابة فيه قضاء وزيادة. والمقصود أن الله عز وجل يخبر أن ما وقع ليهود شيء قد قدره الله قبل أن يكون، بل أمر الله عز وجل بكتابته في سابق علمه سبحانه وتعالى. وقوله جل وعلا: ﴿عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ﴾، قال: الخروج من الوطن، وفي نسخة: المواطن، والمقصود البلد التي كانت فيها تلك الطوائف من اليهود، فقد كان بنو النظير في تلك المواضع من أطراف المدينة، كما تقدم معنا، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أجلاهم وأخرجهم، فكان منهم من أجلي، كما تقدم، إجلاء إلى الشام، ومنهم من خرج في الأطراف. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُنْيَا﴾، قال: بالقتل والسبي، كما فعل بقريظة من اليهود، وفي هذا إشارة إلى أن بعضهم سيقع عليه هذه العقوبة. والصحيح أن هذه الآيات نزلت قبل أحد، فيكون فيه دليل من دلائل صدق نبوته رسالة عليه الصلاة والسلام، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أوحى الله إليه بهذا، وهذا للمستقبل، فوقع ما أخبر الله عز وجل به وهددهم به. ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾، كذلك، هذا ما توعد الله عز وجل به اليهود فيما يأتون إليه بعد خروجهم من هذه الدنيا، وأول منازل الآخرة القبور، فإنهم يعذبون فيها إلى أن تقوم الساعة، كما قال الله عز وجل عن آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾. وقول سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا﴾، شاقوا الله ورسوله، قال: خالفوا، وكما تقدم وتكرر وتقرر أن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، ولفظ المخالفة دون لفظ المشاقة، فالمشاقة فيه المخالفة وزيادة، وهو المضادة والشقاق، أي الخصومة والخلاف الذي هو أشد من مجرد المخالفة. فتكون الآية فيه وصف اليهود بهذا الوصف، أي بسبب مشاقتهم، أي خروجهم عن الطريق السوي، وهذه المشاقة كانت من اليهود بعدة أمور، من أعظم هذه الأمور أنهم دخلوا في صلح مع النبي صلى الله عليه وسلم وأهل المدينة على أن يكونوا شيئا واحدا، ولا تكن منهم خيانة ولا مخالفة، ففعلهم للخيانة واتفاقهم مع كفار قريش كان هذا خروج عن ذاك الاجتماع، وهو شقاق. وهذا مثل قول الله عز وجل: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾، فيشاقق ليس يخالف فقط، بل يشد ويعارض. وقوله سبحانه: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾، قال المفسر رحمه الله: يا مسلمون، لأن الخطاب جاء بسبب سؤال المسلمين، كما جاء في حديث ابن عباس، وجاء معنا من حديث ابن عمر في الصحيحين، في أن المسلمين وقع في نفوسهم حين قطعوا بعض النخل وترك منهم البعض القطع، فقالت يهود: تزعمون أنكم أهل دين وأنتم تقطعون النخل وتحرقون، فتوقف بعض المسلمين من القطع، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك. فلما وقع الذي وقع، قال المسلمون: قد قطعنا بعضا وتركنا بعضا، فلنسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لنا فيما قطعنا من أجر وهل علينا فيما تركنا من وزر؟ فأنزل الله سبحانه وتعالى قوله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾. وصار حكما، وكذلك فقها من فقه أهل الإسلام، وهو إذا وقعت مثل هذه المخالفة والخيانة ممن كان منه عهد وميثاق، فإنه يفعل معهم الأصلح، فقد يقطع أشجارهم، وقد يترك بعضها، بحسب ما يكون به إنزالهم إلى الحكم. وقوله سبحانه: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾، قال: نخلة، والصحيح أن اللينة نوع من أفخر أنواع التمر والنخل، ليس بالعجوة، ولكن أنواع أخرى يشملها هذا الوصف. فاللين من التمر يسمى لينة، وهو التمر الفاخر. وكان اليهود مشتهرون بزراعة أفخر أنواع النخل من قديم الزمان وإلى يومنا هذا، وهم لا يزالون يعتنون بالنخل والفاخر من التمر. وقوله سبحانه: ﴿فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾، قال المفسر رحمه الله: بالإذن في القطع، فهذا فيه الخزي، وكذلك الجر للرضا والرضوخ بالحكم، وهذا الذي وقع ليهود، وسماهم الله فاسقين، لكونهم فسقوا، والفسق هو الخروج عن العدل والسراط المستقيم، وهذا الذي وقع من اليهود، فقد كان بينه وبين المسلمين عهد وميثاق، فنقضوه، فاستحقوا هذه العقوبة. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.