الدرس في تفسير سورة الحشر من تفسير الجلالين 4، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول فضل المهاجرين والأنصار وتفضيل المهاجرين على الأنصار في الآيات القرآنية. يُظهر ذلك أهمية السابقة في الإسلام وتأثيرها في التفضيل بين المسلمين.
يشرح الآيات القرآنية التي تتحدث عن المهاجرين والأنصار، موضحا معانيها ودلالاتها على صدق إيمانهم وإيثارهم للآخرين على أنفسهم. يشير إلى تفسير قوله تعالى 'أولئك هم الصادقون'.
يشرح قصة الأنصاري الذي ضيف رسول الله وأثره في نزول آية الإيثار، ويوضح معنى الوقاية من الشح وعلاقته بالفلاح، ويختتم الدرس بالدعاء للنبي وآله وصحبه.
﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ قال المفسر رحمه الله: «للفقراء» متعلق بمحذوف، أي: أعجبوا «المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون في إيمانهم»، «والذين تبوأوا الدار» أي: المدينة «والإيمان» أي: ألفوه، وهم الأنصار «من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة» حسدا «مما أوتوا» أي: آتى النبي صلى الله عليه وسلم المهاجرين من أموال بني النظير المختصة بهم، «ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة» حاجة إلى ما يؤثرون به، «ومن يوق شح نفسه» حرصها على المال «فأولئك هم المفلحون». بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه الآيات في سورة الحشر، آيات عظيمات، بها من الأخبار الصادقة والأحكام العادلة ما فيه عظة وعبرة، بعد أن ذكر الله عز وجل الفيء وما يتعلق به، وما يقسم فيه، كذلك ذكر الله عز وجل أمر الفقراء من المهاجرين والأنصار، بهذا إشارة إلى فضلهم وسابقتهم، وما به قدمهم الله عز وجل على غيرهم من سائر المسلمين، وهذا له تعلق بالحكم الذي قبله، فإن النبي صلى الله عليه وسلم -كما تقدم في الآيات السابقات- أعطى بعض الأنصار وخص بعض أناس، وهذا الإعطاء والتخصيص هو بحسب المصلحة والحاجة، وبحسب الفضل والسابقة، فإن هذا موضع من مواضع التفضيل في الإسلام، حتى في الصلاة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل أنه إذا استوت الكفاءة، فيقدم أسبقهم هجرة، وإذا كذلك استوت أسبقهم إسلاما، وهكذا، فإن هذا الموضع من مواضع التفضيل، فالسابقة لها شأنها ولها منزلتها في الإسلام. وفيه إشارة إلى فضل المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم أرضاهم، فإن الله عز وجل جعل لهم فضلا في كتاب الله في مواضع كثيرة، وهكذا كذلك فيه فضل المهاجرين على الأنصار، فما ذكر الله عز وجل المهاجرين في موضع والأنصار إلا وقدم المهاجرين على الأنصار، كما في هذه الآية، قال الله سبحانه: «للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم الآية»، وأتبعها بقوله: «والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم الآية»، فالآية الأولى ها هنا في فضل المهاجرين، والآية التي بعدها في فضل من؟ الأنصار، فقدم المهاجرين على الأنصار، وهكذا في مواضع كثيرة بكتاب الله عز وجل. ففي سورة التوبة قال الله سبحانه وتعالى: «وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ»، فقدم المهاجرين على الأنصار، ويدل هذا على فضلهم رضي الله عنهم أولا على الناس، فإنه قدمهم على سائر الناس، ثم فضل المهاجرين على الأنصار، لما كان من هجرتهم وصبرهم وابتلائهم وصدقهم مع الله سبحانه وتعالى، ولهذا وصفهم الله عز وجل في هذه الآية بالصدق، فقال: «أولئك هم الصادقون»، ووصف الأنصار ها هنا بالفلاح والكرم، بقوله سبحانه: «فأولئك هم المفلحون». وقول المؤلف رحمه الله: «للفقراء متعلق بمحذوف، أي: أعجبوا»، أخذ هذا المتعلق من الكلام الذي قبله، لأنه قال الله عز وجل: «مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ»، فالفيء والغنائم يدخل فيها فقراء المهاجرين والأنصار، وكذلك هذا من خصائص الإمام في التقسيم والإعطاء، والأسبقية بحسب ما يراه أصلح وبما يظن أنه يقرب إلى الله سبحانه وتعالى وينفع الأمة المعطي والمجتمع، لأجل هذا أمر أهل الإسلام بالرضاء والتسليم بأحكام الله عز وجل كلها، وأحكام رسوله، وبهذا الحكم خصوصا، كما قال في الآية التي قبل هذه الآية: «وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ»، وكذلك مأخوذ من الأحاديث، فإن بعض الأحاديث فيها تعجب الله سبحانه وتعالى من صنيع بعض المهاجرين والأنصار، وما كان من أفعال وأقوال ومواقف تدل على صدقهم، وكذلك حسن تدينهم وإيثارهم لما عند الله على ما عند الناس وما في أيديهم. وقوله رحمه الله: «الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون»، قال: في إيمانهم، لأن المهاجرين -كما تقدم- امتحنهم الله عز وجل وابتلاهم امتحانا وابتلاء عظيما، فصبروا وصدقوا، وكانت لهم لهذه السابقة رضي الله عنهم وأرضاهم. تعريف طرفي الجملة وفصلها بضمير الفصل فيه فوائد، من فوائده الحصر، يعني كأنه قال: أصدق الصادقين هم المهاجرون، «أولئك هم الصادقون» معناه اختصاصهم بهذا الوصف دون سائر الناس، فهم أصدق الصادقين، كأنهم أخذوا الصدق كاملا، ولم يبق بشدة ما عندهم من كمال هذه الصفة للناس شيء، ولأنها صفة معنوية تنتقل وتكون لغيرهم ولهم، لكن المقصود أنهم أخذوه على أوفر وأعلى حظ ونصيب. وهكذا كذلك من فوائده تأكيد وصف المبتدأ بالخبر، تأكيد وصف المبتدأ بالخبر، حين تقول: «أولئك الصادقون» ليس مثل «أولئك هم الصادقون»، فحصل بضمير الفصل الذي هو «هم» ها هنا تأكيد وصف هذه الجملة الأولى الخبر المبتدأ بهذه الجملة بهذا الخبر، وغير ذلك من الفوائد التي ذكرها العلماء في مثل هذا الموضع. وفي الآية التي بعدها، قوله سبحانه: «وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ» قال: أي المدينة، «تبوأوا الدار» أي: هيؤوها وأضافوا وأقروا المهاجرين وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد نصروه، فكانوا حقا من وصف بهذا الوصف، وكان منهم ما كان من حسن إيثارهم، حتى إن أحدهم قسم ماله وقسم بيته، بل وأراد بعضهم حتى أن يقسم زوجاته بينه وبين المهاجرين لما آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، إلا أن هذا لم يقع، وكان وضعه من شدة إيثارهم، ولأنهم حديث عهد بإسلام، وإلا هذا لا يجوز في الإسلام ولم يقع. وقوله رحمه الله في قوله: «وَالْإِيمَانَ» قال: أي ألفوه، وهم الأنصار، والمعنى أنهم دخلوا في الإيمان برغبة وحب وصدق، وهم الذين أتوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة ووعدوه بالنصرة، وهاجر إليهم عليه الصلاة والسلام، والقصة في السيرة في الأحاديث مشهورة. وقوله قال: «وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً» قال: حسدا، والصحيح أن الحاجة أوسع من الحسد، فمن الحاجة الحسد، والمعنى أنهم عندهم من الحب فيمن هاجر إليهم وفي إكرامهم ما يدل على أنه ليس في صدورهم غل ولا حسد، ولا كذلك غيره مما لا يسلم منه إنسان، وهذا من التزكية العظيمة للأنصار رضي الله عنهم أرضاهم، ولا أدل على ذلك ما وقع في تلك المؤاخاة التي لا يعرف في تاريخ البشرية مؤاخاة وقعت بين أناس بمثلها، أن يقسم الإنسان بيته وماله وكل ما يملك، وهذا يدل على هذا الصدق والإكرام والإيثار التي آثر فيها غيرهم على أنفسهم. وقوله سبحانه: «مِمَّا أُوتُوا» قال: أي آتى النبي صلى الله عليه وسلم المهاجرين من أموال بني النظير المختصة بهم، والآية في سياق هذه المسألة، صحيح، يعني المعنى أن ما آتاهم كذلك لم يؤثروه، بل كذلك كان منهم العطاء والإكرام والإحسان لغيرهم مما جاءهم من النبي صلى الله عليه وسلم في هذه القسمة، قسمة مال بني النظير، والآية عامة، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالصحيح «مما أوتوا» في هذه الحادثة وما كان قبل ذلك، والتاريخ يشهد والسيرة تشهد بما كان من عطائهم رضي الله عنهم أرضاهم. وقوله سبحانه: «وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ» قال: حاجة إلى ما يؤثرون به، والمعنى بالخصاصة الفقر والفاقة، وما هو أشد من مجرد الحاجة، ما هو أشد من مجرد الحاجة، فالخصاصة يعني شدة الحاجة، شدة الحاجة، معناه عندهم حاجة شديدة، ولكن لكريم أخلاقهم ونزع الشح من قلوبهم ومواقفهم، فإنهم آثروا غيرهم على أنفسهم، ومن ذلك ما جاء في البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الحديث الذي أشار إليه في التعليق، في قصة ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم من يضيفه، حين لم يجد في بيته ولا بيت أزواجه ما يضيف هذا الضيف، فأخذه رجل من الأنصار إلى بيته، وقال لمرأته: هل عندنا من شيء نضيف به ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت المرأة: والله ما عندنا إلا طعام الصبية، يعني حتى طعام الأبوين ما في، ما عندهم إلا طعام الصبية فقط، فقال: نوميهم، يعني خليهم هذه الليلة ينامون بلا عشاء، إكراما لضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قبل نزول الحجاب، قال: فإذا وُعنا الطعام أطفأنا السراج، يعني كأنه حصل شيء للسراج، يفعلان ما يدل على أنهما يأكلان، ولكنهم لا يأكلان لأجل أن لا يجد الضيف نفسه أو يحلف عليهما إلا أن يأكلا معه، لأنهم يخشون أن لا يكفي الطعام الضيف، فيرون أن الطعام قليل، فهو طعام صبية وقليل، وهم في أمس الحاجة إليه، وصبيتهم في أمس الحاجة إليه، إذن هذه حاجة، أم أشد من حاجة؟ أشد من حاجة، فينطبق فيها قوله سبحانه: «وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً» وقوله إلى قوله: «وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ»، فبهم خصاصة، ومع ذلك يؤثرون غيرهم من كرمهم وعظيم خلقهم. فأوحى الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم بصنيع هذين الزوجين مع ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما جاء الصباح وغدى بالضيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل: «لقد عجب الله» وفي رواية: «ضحك من فلان وفلانة»، وأنزل الله عز وجل هذه الآية: «وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ»، والحديث في البخاري، ولا مانع أن تكون الآية نزلت في أكثر من موضع، فالآية نزلت في حق هذا الرجل، وهكذا كذلك وضعت في هذا الموضع في قصة مال بني النظير، لأجل أن يكون فيه شواهد كثيرة على عظيم خلق الصحابة رضي الله عنهم عموما، والأنصار رضي الله عنهم ورضاهم خصوصا. وقوله: «وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ» قال: حرصا على المال، «فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ»، والصحيح أن المقصود ها هنا من الآية «وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ» المراد بالشح كل الشح عموما، وهو ما يمنع من المواقف الكريمة، ما يمنع من المواقف الكريمة، وإن كان المقصود في سياق الآية المراد بالشح هنا الظلم، لأن الآية في سياق العدل، فيكون ضد العدل ماذا؟ الظلم، ولهذا فسر غير واحد من المفسرين من الصحابة والتابعين الشح في هذه الآية بالظلم، يعني في القسمة، أو بعدم الرضا في القسمة، فإذن هي من جانبين: الجانب الأول أن يبخل في القسمة، فيطلب شيئا أكثر مما يُعطاه، وهذا من الشح والظلم، أو كذلك يكون عنده في نفسه شيء في هذه القسمة، لأجل أنه أعطي فيها فلان دون فلان، وهذا كذلك من الشح، فيكون المقصود بالشح هنا كل ما ينافي ما يحبه الله في التعامل في الأموال، ويكون داخلا فيه من باب أولى ما كان ظلما في حادثة بني النظير، وفي غيرها من المواقف الأخرى. والشح أدوى الداء وأخس الصفات، كما جاء ذمه في أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم التعوذ من الشح، التعوذ من الشح. ونقول في هذه الجملة كما قلنا في الجملة التي قبلها: «فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ»، تعريف طرفي الجملة، ووضع ضمير الفصل له فوائد عظيمة، من أهم فوائده تأكيد وصف الخبر للمبتدأ، وكذلك اختصاص هذا المبتدأ بهذا الوصف المذكور في الخبر، يعني أنهم جمعوا صفات الفلاح كلها، بما كان من مواقفهم الكثيرة، وكذلك شواهد ما حصل لهم رضي الله عنهم أرضاهم. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه، السلام شكرا.