تفسير سورة الحشر من تفسير الجلالين 2

تفسير سورة الحشر من تفسير الجلالين 2

الدرس في تفسير سورة الحشر من تفسير الجلالين 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تفسير سورة الحشر ومقدمات نزولها

سورة الحشر نزلت في بني النظير اليهود الذين نقضوا العهد مع النبي، وتتحدث عن إخراجهم من ديارهم. يُفسر المفسر الآيات ويشرح الأحداث التي أدت إلى نزول السورة.

تفسير الآيات الأولى ودلالتها

الآيات الأولى من سورة الحشر تعظم اسم الله تعالى وتشرح معنى التسبيح ودلالته على التنزيه. يُفسر المقطع قصة بني النظير وكيف أخرجهم الله من ديارهم.

دلالات آية الحشر ونبوءة النبي

تفسير قوله تعالى ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ يبين دلالات إجلاء اليهود من المدينة إلى الشام، وكان هذا نبوءة من النبي. الآيات تشرح كيف أن اليهود ظنوا أن حصونهم ستحميهم من الله.

الاعتبار والعظة من الأحداث المذكورة

الله أمهل أهل الكتاب والمنافقين والمشركين حتى وقع بهم حدث عظيم صار عظة وعبرة. هذا الحدث يعتبر موضعا للاعتبار والإبصار.

التفريغ النصي الكامل

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾. قال المفسر رحمه الله: سورة الحشر مدنية، أربع وعشرون آية. بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، أي: نزهه، فاللام مزيدة، وفي الإتيان بـ"ما" تغليب للأكثر، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ في ملكه وصنعه. ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، هم بنو النظير من اليهود، من ديارهم، مساكنهم بالمدينة، لأول الحشر، هو حشرهم إلى الشام، وآخره أن أجلاهم عمر في خلافته إلى خيبر. ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾، فأتاهم الله أي: أمره وعذابه، من حيث لم يحتسبوا، لم يخطر ببالهم من جهة المؤمنين. ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾، لسكون العين وضمها، الخوف بقتل سيدهم كعب بن الأشرف لأشرافهم. ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾، بالتشديد والتخفيف، لينقلوا ما استحسنوه منها من خشب وغيره، بأيديهم وأيدي المؤمنين. ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فهذه سورة الحشر، كما ذكر المفسر رحمه الله، سورة مدنية، أربع وعشرون آية، نزلت هذه السورة جميعًا في بني النظير، كما جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس مختصرًا، وجاء مطولًا في البخاري وغيره في قصة بني النظير وما أنزلت فيهم من آيات في هذه السورة. وسيأتي معنا إن شاء الله تفاصيل أحداث ما وقع من بني النظير، وكيف نقضوا العهد والميثاق، وخانوا المؤمنين، وأرادوا المكيدة برسول الله صلى الله عليه وسلم وقتله. وقد تتابعت أحداث بني النظير، وأولها ما كان بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، إذ أرسل المشركون إلى اليهود ومن بقي من المشركين والمنافقين في المدينة أن يمالؤوهم ويناصروهم في قتال النبي صلى الله عليه وسلم. ثم تتابعت الأحداث فيما وقع في بئر معونة، وما كان من بعض أحياء العرب من خيانة أولئك القراء السبعين، وما وقع لهم، كما جاء في الصحيحين في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم على أولئك الأحياء الذين دعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم: رعل وذكوان وعصية، وجماعة، ثم ما وقع بعد ذلك من قتل الرجلين بني عامر، وذهاب النبي صلى الله عليه وسلم للاستعانة بديتهما. وكان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبني عامر عهد وميثاق، وقد قتلهما «أمية بن خَلَف» الضمري خطأً، ما علم أنهما من بني عامر. ولما ذهب النبي صلى الله عليه وسلم يطلب ديانتهما، ذهب إلى بني النظير، فأظهروا الموافقة وأبطنوا الشرك، فأرادوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث أصله في الصحيح. فأرادوا أن يرسلوا رجلًا ويرمي بحجر من فوق البيت الذي تحته النبي صلى الله عليه وسلم يتحدث مع اليهود، فأرسل الله عز وجل جبريل، وأوحى إليه ما أراد اليهود من قتله، فانسل النبي صلى الله عليه وسلم مسرعًا إلى المدينة، وأخبر المسلمين بما أرادت يهود. وكان هذا أول نقض للعهد والميثاق من بني النظير، مع ما كان من لقيا كعب بن الأشرف ومعه أربعون من اليهود بعد أحد، واجتمع مع أبي سفيان ومعه أربعون من قريش، وتمالأوا على أن يجتمعوا على النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. وسيأتي معنا ذلك في الآيات الآتية إن شاء الله تعالى بشيء من التفصيل. ابتدأت هذه السورة كغيرها من السور بالبسملة، وقد تقدم معنا أن البسملة على الصحيح من أقوال أهل العلم، والمسألة فيها خلاف: أنها آية منفصلة من كل سورة، إلا ما جاء في سورة النمل، فإنها جزء من السورة في ضمن قصة سليمان عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وتقدم معنا الكلام على البسملة بما يغني عن الإعادة، ففيها تعظيم اسم الرب جل وعلا، والاستعانة باسمه العظيم، والتبرك به في افتتاح السورة، وهكذا هو في السنة: يستحب الاستفتاح باسمه سبحانه وتعالى عند ابتداء الأعمال. قوله سبحانه وتعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، قال المفسر رحمه الله: أي: نزهه، قال: فاللام مزيدة، وفي الإتيان بـ"ما" تغليب للأكثر، يعني: أن معنى التسبيح التنزيه. وعلى القاعدة التي تقدمت معنا: اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، فالتسبيح فيه معنى التنزيه وزيادة، فالتسبيح فيه التنزيه وزيادة معنى التعظيم، وكذلك الحمد والإجلال للرب العظيم سبحانه وتعالى لخلقه، ومن خلقه: بالتنزيه. فهو مثل قول الله عز وجل: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾، فكل من في السماوات السبع والأرض يسبح لله عز وجل تعظيمًا وتنزيهًا وذكرًا له سبحانه وتعالى. وهذا بما يكون بلسان الحال، ولسان المقال، بلسان الحال: من تسبيح الملائكة، بلسان المقال: بتسبيح الملائكة والصالحين من عباد الله عز وجل. وبلسان الحال: ما يكون من الخضوع والانقياد لله عز وجل في أمره الكوني، وكذلك على الصحيح: تسبيح لا نفقهه، ويعلمه ويفقهه من شاء من خلق الله، فيما يكون في باقي المخلوقات، حتى الحجر يسبح لله سبحانه وتعالى بالتسبيح لا نفقهه ولا نعلمه. وقوله: وفي الإتيان بـ"ما" تغليب للأكثر، أي: لأنه يدخل فيه العاقل وغير العاقل، فيكون شاملًا لكل ما في السماوات وما في الأرض من المخلوقات وغير المخلوقات، كالجمادات: أحجارًا وأشجارًا وسماء وأرض وغير ذلك مما في السماوات والأرضين السبع. وقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، قال: في ملكه وصنعه، وتقدم معنى أن العزيز اسم من أسمائه تتضمن صفة العزة على ما يليق بجلال الله وعظمته، وهكذا اسمه الحكيم: تتضمن صفة الحكمة بما يليق بجلاله وعظمته. فهو عزيز منيع الجناب، شديد سبحانه وتعالى العقاب لمن شاء أن يعاجله بالعقوبة في الدنيا والآخرة، حكيم في شرعه وقدره وأمره ونهيه سبحانه وتعالى، وما يكون في ملكه وصنعه سبحانه وتعالى. وقوله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، قال: هم بنو النظير من اليهود، وكما تقدم معنا في حديث ابن عباس في الصحيحين: أن هذه السورة نزلت في بني النظير، وفي بعض آياتها ذكر للمنافقين كما سيأتي معنا، وكذلك لبني قريظة، وستأتي معنا الآيات إن شاء الله. وقوله: ﴿مِنْ دِيَارِهِمْ﴾، قال: مساكنهم بالمدينة، يعني: أخرجهم الله بما شاء وكيف شاء، وما كان يظن المسلمون أن الله عز وجل سيخلفهم في مساكن هؤلاء اليهود، ولا ظن اليهود أن الله سيخرجهم في ذلة ومهانة من حصونهم ومساكنهم، ولكن الله سبحانه وتعالى شاء، وإذا شاء جعل أسباب ذلك كيف شاء متى شاء بما شاء سبحانه وتعالى. وفي هذا كذلك تناسب ذكر اسمه العزيز الحكيم مع ما سيأتي من قصة بني النظير: كيف أن الله عز وجل وهو الحليم الحكيم العزيز جعل صنيع اليهود استدراجًا منه سبحانه وتعالى لإهلاك أنفسهم لأنفسهم، وإضرار أنفسهم لأنفسهم، فإنهم فعلوا شيئًا في الحقيقة كان سببًا في تعجيل العقوبة على أنفسهم. وفي هذا إظهار لحكمة الله عز وجل فيما يقع من بلاء، فإن تمالؤ الكفار ومعهم اليهود في الحقيقة كان محل خوف للمسلمين، وقد كان كما مر معنا في سورة المجادلة، وكما نرى الآن تتابع السور، وكيف هذا الإحكام والإتقان ليس فقط في ألفاظ السور وآياتها، بل وفي ترتيبها، وكذلك تتابع أحداثها. ففي سورة المجادلة مر معنا كيف أن اليهود كانوا يبطنون العداوة والحقد على المسلمين، حتى أنهم يبخلون بالسلام الخالي من الأذية، فإذا سلموا قالوا: "السام عليك يا رسول الله" بصوت خفي. وكان الرجل من المسلمين يخاف أن يمشي بين أحياء اليهود لما يعلم من شديد حقدهم وعداوتهم، وما يبطنون من المكر، وكل هذا لا يخفى على الله سبحانه وتعالى، وأعلم الله رسوله عليه الصلاة والسلام، فأبدل الله عز وجل هذا الخوف بأمن، وهذا كذلك هذه الأذية براحة، وذلك ما كان من استدراج اليهود لفعلهم الذميم الذي كان سببًا لعقوبة الدنيا قبل عقوبة الآخرة، كما سيأتي معنا، وهذا من حكمته سبحانه وتعالى وعزته لتعجيل عقوبته في الدنيا قبل الآخرة. وقوله: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾، قال: حشرهم إلى الشام، والمعنى: أن الله عز وجل أجلاهم بأمر رسوله صلى الله عليه وسلم في موقع سيأتي معنا إن شاء الله: أن يخرجوا من المدينة إلى الشام، والشام هي أرض المحشر بنص القرآن والسنة. وهذا إشعار بما يكون من جمع اليهود في أرض المحشر، وما يكون من تمهيد لما أخبر الله عز وجل به من قتلهم في أرض المحشر، وكل هذا من دلائل نبوته، ومن علامات صدق رسالته عليه الصلاة والسلام، ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم حين أخبره ربه سبحانه وتعالى، وأخبر هو سبحانه بما أوحى الله إليه مما سيقع لليهود، وأنهم سيجمعون في مقتلتهم في أرض المحشر في أرض الشام. ولا ظن اليهود أنهم سينتقلون قريبًا إلى أرض الشام، ولكن هيأ الله أسباب ذلك حتى يرى المسلمون ذلك بأعينهم، بل واليهود أنفسهم كذلك، فكانت خيانة اليهود سببًا في إجلائهم من المدينة وإخراجهم إلى أرض المحشر. وقوله رحمه الله: وآخره أن أجلاهم عمر في خلافته إلى خيبر، الصحيح أن هذا كما قيل: سبق قلم من المؤلف رحمه الله، بل النبي صلى الله عليه وسلم أجلاهم إلى خيبر، وعمر رضي الله عنه أجلاهم من خيبر إلى أرض الشام وضواحيها كما سيأتي معنا إن شاء الله تعالى. وقوله سبحانه: ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾، قال: خبر أن، والمعنى: أن هذا الذي وقع ما كان في حسبان المؤمنين، ولا كان في حسبان اليهود، ولكن الله العزيز الحكيم جعل لذلك أسبابًا وهيأها بما يكون به قوة أهل الإسلام وإبعاد أهل الشر والنفاق والأذية من بينهم، لتبقى المدينة خالية نقية من كل كافر ومنافق. قال رحمه الله تعالى: ﴿حُصُونُهُمْ﴾ فاعل به تم، معناه: أن الله عز وجل جعل هؤلاء يخرجوا، وهم يظنون أنهم سيتحصنون في حصونهم، ولهم أماني في محاربة المؤمنين، ولذلك كانوا يتحصنون ويبنون. وما علموا أن ما يفعلونه من بناء وتحصن سيكون تركة، وكذلك غنيمة للمؤمنين. قال: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ من عذابه، ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ﴾ أي: أمره وعذابه، والمعنى: ما وقع لهم من الإجلاء هذا من عذاب الله العاجل، وكذلك ما أمر الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم من إجلائهم، هذا من العذاب العاجل. قال: ﴿مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾، قال: لم يخطر ببالهم من جهة المؤمنين، وكما تقدم معنا: أن الذي وقع ما كان في حسبان المؤمنين، ولم يكن في حسبان أهل الكتاب اليهود. وقذف: قال: ألقى في قلوبهم الرعب، والقدف: أعظم من الإلقاء، فهو إلقاء بشدة، هو الإلقاء بشدة، ومعناه: جاءهم ذلك شيئًا شديدًا عظيمًا مفاجئًا، وهذا هو القدف، مما أدخل عليهم الرعب والخوف. ولهذا عاجلوا بالخروج في غاية الذلة، وحكموا على أنفسهم، لم يحكم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، بل بعد أن حاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم، هم الذين حكموا على أنفسهم أن يخرجوا بأنفسهم وأموالهم وأولادهم ما حملت إبلهم فقط دون السلاح، فرضي النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحكم، فكانت أموالهم وأسلحتهم غنيمة للمسلمين. قال: بسكوين العين وضمها، يعني: الرعب، قال: الخوف بقتل سيدهم كعب بن الأشرف. وسيأتي معنا ما وقع من قتل كعب بن الأشرف إن شاء الله من قبل محمد بن مسلمة، والقصة مشهورة بالصحيح، وسيأتي شيء من الإشارة إليها في الآيات الآتية إن شاء الله. قال: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾، بالتجديد والتخفيف، يعني: قراءتان سبعيتان مشهورتان: يخربون ويخربون، من الخراب، أي: التهديم والتكسير، وزيادة المبنى يدل على زيادة المعنى، ومعنى أنهم منهم من يخرب شيئًا يسيرًا، ومنهم من يخرب شيئًا كثيرًا، حتى كانوا ينتزعون الأبواب والنوافذ. وهذا من بخلهم، ومن شدة كذلك عداوتهم، حتى وهم خارجون بعضهم يخرب بيته بيده لأجل أن لا ينتفع أهل الإسلام والإيمان ببيوتهم من بعدهم. قال: ﴿بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾، بأيديهم: بما يكون من نزعهم، وأيدي المؤمنين: ما يكون من امتناع بعضهم. ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾، أي: يا من أعطاه الله بصرًا وبصيرة، سواء كان من المؤمنين، في حكمة الله فيما كان من إمهاله يهود حتى كان بهم الذي ترونه، وكيف عاجلهم الله بالعقوبة، وأراحكم من أذيتهم. وهكذا كذلك لأهل الكتاب والمنافقين والمشركين: كيف أن الله العظيم العزيز الحكيم أمهلهم إلى أن أوقع بهم هذا الحدث العظيم الذي صار عظة وعبرة لجميع من سمع بخبرهم. وفي هذا أعظم موضع للاعتبار، وكذلك الإبصار، وهذا هو الذي ختمت به الآية. وإلى هنا ونكمل إن شاء الله في درس لاحق، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.