الدرس في تفسير سورة الذاريات من تفسير الجلالين 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل وصف أهل الجنة وصفاتهم كما جاء في سورة الذاريات، مشيرًا إلى أن التقوى هي أهم سبب لدخول الجنة. يُفصّل في معنى التقوى وأهميتها، ويعدد أسباب تحقيقها.
يصف هذا الفصل نعيم الجنة وأهلها، حيث يتحدث عن تعدد الجنات والعيون فيها وتفاوت نعيم أهلها بحسب أعمالهم. كما يُوضح أن أهل التقوى كانوا محسنين في الدنيا، ويستمرون في الإحسان في الآخرة.
يتناول هذا الفصل صفات عباد الرحمن في التعامل مع المال وتوحيد الله تعالى، حيث يذكر أن في أموالهم حقًا معلومًا للسائل والمحروم، ويشرح معنى ذلك وأنه يتجاوز الزكاة الواجبة إلى الإحسان. كما يُعبّر عن توحيد الله تعالى وإفراده بالألوهية.
أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ، كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ. قَالَ مُفَسِّرٌ: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ، أَيْ بَسَاتِينَ وَعُيُونٍ تَجْرِي فِيهَا. آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ، أَيْ أَعْطَاهُمْ ضِدَّهُمْ مِنْ الثَّوَابِ. إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ، أَيْ دُخُولِهِمْ الْجَنَّةَ، مُحْسِنِينَ فِي الدُّنْيَا. كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، أَيْ يَنَامُونَ. وَمَا زَائِدَةٌ، وَيَهْجَعُونَ خَبَرُ كَانَ. وَقَلِيلًا مِنْهُ أَنْ يَنَامُوا فِي زَمَنٍ يَسِيرٍ مِنَ اللَّيْلِ وَيُصَلُّونَ أَكْثَرَ. وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، أَيْ يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا. وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ، الَّذِي لَا يَسْأَلُ لِتَعَفُّفِهِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. أَمَّا بَعْدُ، هَذِهِ الْآيَاتُ مِنْ سُورَةِ الذَّارِيَاتِ جَاءَتْ فِي ذِكْرِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَصِفَاتِهِمْ وَحَالِهِمْ، بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْآيَاتِ الَّتِي قَبْلَهَا أَهْلَ النَّارِ وَحَالِهِمْ وَوَصْفَهُمْ وَفِتْنَتَهُمْ فِيهَا. وَهَذَا مِنْ الْمُثَانِي الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ، فَالْقُرْآنُ مُثَانٍ، إِذَا ذَكَرَ أَهْلَ النَّارِ ذَكَرَ أَهْلَ الْجَنَّةِ، وَإِذَا ذَكَرَ أَهْلَ الْجَنَّةِ ذَكَرَ أَهْلَ النَّارِ. وَذِكْرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فِي تَسْلِيَةٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ مَعَهُ، وَمَا وَعَدَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَهْلَ الْإِيمَانِ بِصَبْرِهِمْ وَجِهَادِهِمْ وَمُحَاجَجَتِهِمْ لِأَهْلِ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ وَالْبَاطِلِ مِنْ الْوُعُودِ الْحَسَنَةِ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَقَوْلُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ، قَالَ: بَسَاتِينَ. فَالْبَسَاتِينُ لَيْسَتْ هِيَ الْجَنَّاتِ، بَلِ الْجَنَّاتُ بَسَاتِينُ فِيهَا وَصْفٌ زَائِدٌ، فَهِيَ الْبَسَاتِينُ الْمُكْتَظَّةُ بِالْأَشْجَارِ وَالظِّلِّ وَالْمَاءِ وَأَنْوَاعِ النَّعِيمِ. وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ، فِي هَذَا إشَارَةٌ إِلَى أَهَمِّ أَوْ أَعْظَمِ أَوْ أَفْضَلِ صِفَةٍ تُدْخِلُ جَنَّةَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهُوَ تَقْوَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. فَمَنْ تَحَلَّى بِهَذَا الْوَصْفِ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّاتِ وَأَهْلِ التَّقْوَى. وَالْتَقْوَى ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَمْرَهَا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، تَارَةً يَذْكُرُ حَالَ أَهْلِهَا أَهْلِ التَّقْوَى، وَتَارَةً بِذِكْرِ فِعْلِ التَّقْوَى، وَتَارَةً بِذِكْرِ جَزَاءِ التَّقْوَى، وَتَارَةً بِذِكْرِ حَالِ مَنْ حُرِمَ التَّقْوَى. وَكَمَا نَرَى هُنَا ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ التَّقْوَى بِأَنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ الَّتِي تُدْخِلُ بِهَا هَذِهِ الْجَنَّاتِ. وَتَقْوَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ غَضَبِ اللَّهِ وَقَايَةً، وَذَلِكَ بِفِعْلِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ. وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا بِأُمُورٍ كَمَا ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ، أَهَمُّهَا خَمْسَةٌ: الْعِلْمُ الْمُنَافِي لِلْجَهْلِ، لِأَنَّكَ بِالْعِلْمِ تَتَتَبَّعُ مَوَاضِعَ الطَّاعَاتِ وَتَجْتَنِبُ مَوَاضِعَ السَّيِّئَاتِ. وَكَذَلِكَ الثَّانِي: الصَّبْرُ، لَا يَتَّقِي اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَنْ لَا يَصْبِرُ. الَّذِي عِنْدَهُ صِفَةُ التَّقْوَى الْحَقِيقِيَّةُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ صَبْرٌ، فَيَصْبِرُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَيَصْبِرُ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَيَصْبِرُ عَلَى أَقْدَارِ اللَّهِ. وَالْأَمْرُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ جَمَعَ مَعَ الْعِلْمِ وَالصَّبْرِ الْخَوْفَ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَالْقُلُوبُ الْوَجِلَةُ هِيَ الْمُتَّقِيَةُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَلِهَذَا وَصَفَ عُلَمَاءَ الْعُلَمَاءِ أَوْ خَوْفَ الْعُلَمَاءِ بِالْخَشْيَةِ، وَهُوَ الْخَوْفُ الْمُقْتَرِنُ بِالْعِلْمِ. فَالَّذِي يَخْشَى اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الَّذِي جَمَعَ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالْعِلْمِ. وَخَشْيَةُ اللَّهِ مِنْ أَسْبَابِ تَحَقُّقِ التَّقْوَى. فَإِذَا خَشِيَ الْعَبْدُ رَبَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى تَحَقَّقَتْ لَهُ التَّقْوَى، فَفَعَلَ الْمَأْمُورَ، وَتَرَكَ الْمَحْظُورَ، وَصَبَرَ عَلَى قَدَرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَالْأَمْرُ الرَّابِعُ مِنْ أَعْظَمِ صِفَاتِ أَهْلِ التَّقْوَى: أَنَّهُمْ كَذَلِكَ اجْتَهَدُوا فِي فِعْلِ الْمُسْتَحَبَّاتِ بَعْدَ الْوَاجِبَاتِ، وَتَرْكِ الْمَكْرُوهَاتِ بَعْدَ تَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ. وَلِهَذَا تَجِدُ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَصِفُهُمْ بِالصِّفَاتِ الزَّائِدَةِ عَنْ الْوَاجِبِ، كَمَا هَا هُنَا: كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ. هَلْ هَذِهِ وَاجِبَاتٌ؟ لَيْسَتْ وَاجِبَاتٍ. وَهَذَا مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ اتَّقَى اللَّهَ جَعَلَ الْمُسْتَحَبَّاتِ وَقَايَةً مِنْ التَّفْرِيطِ فِي الْوَاجِبَاتِ، وَالْمَكْرُوهَاتِ وَقَايَةً مِنْ الْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمَاتِ. وَهَذَا تَأْكِيدٌ أَنَّ التَّقْوَى عَمَلٌ وَلَيْسَتْ قَوْلًا بِاللِّسَانِ. وَمِنْ الصِّفَاتِ -وَالصِّفَاتُ كَثِيرَةٌ- وَلَكِنَّ أَهَمَّهَا الصِّدْقُ. كَمَا وَصَفَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَهْلَ التَّقْوَى بِالصِّدْقِ. مَاذَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ؟ ﴿كُنْتُ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. وَكَذَلِكَ الْآيَةُ الْأُخْرَى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾. فَهَذَا مَعْنَاهُ أَنَّ الَّذِي أَتَى بِالصِّدْقِ وَصَدَقَ بِهِ هُوَ الَّذِي حَقَّقَ التَّقْوَى. صَدَقَ بِالْأَقْوَالِ، صَدَقَ بِالْأَعْمَالِ، صَدَقَ بِالظَّاهِرِ، وَصَدَقَ كَذَلِكَ بِالْبَاطِنِ. وَقَوْلُهُ جَلَّ وَعَلَا: جَنَّاتٍ، جَمْعُ جَنَّةٍ. وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ تَارَةً يَذْكُرُ الْجَنَّاتِ مُفْرَدَةً، وَتَارَةً جَمْعًا، بَلْ وَتَارَةً مُثَنَّى. وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَهَا: وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ. فَهَذَا مَعْنَاهُ أَنَّ هُنَاكَ جِنَانًا وَلَيْسَتِ الْجَنَّةُ وَاحِدَةً. فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ: لِمَاذَا يُجَاءُ بِذِكْرِ الْجَنَّةِ مُفْرَدًا وَمُثَنًى وَجَمْعًا؟ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّهُ بِحَسَبِ حَالِ أَهْلِهَا. فَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ حَالُهُ وَوَصْفُهُ يَسْتَحِقُّ جَنَّةً وَاحِدَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْ جَنَّةٍ، جَنَّتَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْ جَنَّتَيْنِ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّمَا أَرَادَ بِالْإِفْرَادِ الْجِنْسَ، وَأَرَادَ بِالتَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ التَّعَدُّدَ. وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مُتَفَاضِلِينَ فِي جِنَانِهِمْ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَظْهَرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ. فَإِذَا ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَصْلَ الْجَنَّةِ ذَكَرَهَا مُفْرَدَةً، أَرَادَ بِذَلِكَ الْجِنْسَ. وَإِذَا ذَكَرَ صِفَاتِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ذَكَرَهَا مُعَدَّدَةً، وَلِتَأْكِيدِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ جَنَّةٌ وَاحِدَةٌ، بَلْ لَهُمْ جَنَّاتٌ. كَمَا صَحَّتْ لِذَلِكَ السُّنَّةُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ. وَهَلْ بِتَفَاضُلِ الصِّفَاتِ تَتَفَاضَلُ الْجِنَانُ؟ نَعَمْ، لَا شَكَّ تَتَفَاضَلُ صِفَاتُ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَتَتَفَاضَلُ كَذَلِكَ جِنَانُهُمْ وَنَعِيمُهُمْ فِيهَا. وَلَا أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ هَذِهِ الْآيَةُ وَآيَاتٌ أُخْرَى كَثِيرَةٌ مَرَّتْ وَسَيَمُرُّ مَعَنَا بَعْضُهَا. وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بَعْدَهَا: وَعُيُونٍ، كَذَلِكَ الْمُرَادُ بِهِ عَدَدٌ مِنْ الْعُيُونِ الْجَارِيَةِ. وَهَذِهِ الْعُيُونُ ذَكَرَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَوْ ذَكَرَ بَعْضَهَا فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ. فَمِنْ هَذِهِ الْعُيُونِ الْمَاءُ غَيْرُ الْآسِنِ، وَمِنْ هَذِهِ الْعُيُونِ مَاذَا؟ لَبَنٌ الَّذِي لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ، وَمِنْ هَذِهِ الْعُيُونِ خَمْرٌ لَذَّةٌ لِلشَّارِبِينَ، وَهَكَذَا غَيْرُهَا مِنْ الْعُيُونِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. فَهُوَ مِنْ نَعِيمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ. وَهُوَ كَذَلِكَ يُذْكَرُ مُفْرَدًا وَيُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ، أَوْ جَمْعًا وَيُرَادُ بِهِ أَنْوَاعُ مَا فِي الْجَنَّةِ مِنْ عُيُونٍ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ فِي الْجَنَّةِ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ الْبَشَرِ. نَسْأَلُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يَجْعَلَنَا وَإِيَّاكُمْ وَالسَّامِعِينَ مِنْ أَهْلِهَا، اللَّهُمَّ آمِينَ. ثُمَّ قَوْلُهُ: آخِذِينَ، قَالَ: حَالٌ مِنْ الضَّمِيرِ. يَعْنِي أَنَّ فِي هَذَا وَصْفًا لِأَهْلِ التَّقْوَى الَّذِينَ اسْتَحَقُّوا هَذِهِ الْجِنَانَ وَالْعُيُونِ. فَمِنْ وَصْفِهِمْ أَنَّهُمْ يَأْخُ، مَا أَعْطَاهُمْهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، أَيْ مِنْ الثَّوَابِ وَالرِّضْوَانِ وَالنَّعِيمِ. وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ، أَيْ قَالَ: دُخُولِهِمْ الْجَنَّةَ. وَفِي هَذَا إشَارَةٌ إِلَى بَعْضِ صِفَاتِ أَهْلِ التَّقْوَى، أَيْ بِمَا كَانَ مِنْ سَابِقِ عَمَلِهِمْ كَانَ لَهُمْ هَذَا الْجَزَاءُ وَهَذَا النَّعِيمُ الْمُقِيمُ. مُحْسِنِينَ، أَيْ كَمَا قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا، أَيْ بِأَنْوَاعِ الْإِحْسَانِ. فَمُحْسِنٌ وَصْفٌ يَدُلُّ عَلَى مُلَامَسَةِ صَاحِبِهِ لِهَذَا الْمَعْنَى. وَهَذَا اللَّفْظُ فَهُمْ مُحْسِنُونَ مُسْتَمِرُّونَ فِي الْإِحْسَانِ وَأَنْوَاعِ الْإِحْسَانِ. وَمِنْ ذَلِكَ الْإِحْسَانُ فِي عِبَادَتِهِمْ لِلَّهِ، وَالْإِحْسَانُ مَعَ أَنْفُسِهِمْ، وَالْإِحْسَانُ مَعَ خَلْقِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَمِنْ هَذَا الْإِحْسَانِ: كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، قَالَ: أَيْ يَنَامُونَ. وَيَهْجَعُونَ لَيْسَ يَنَامُونَ، وَلَكِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ كَثِيرُو الْعِبَادَةِ وَالذِّكْرِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي اللَّيْلِ حَتَّى فِي حَالِ اطِجَاعِهِمْ. فَالْهَجْعُ هُوَ وَالْإِطْجَاعُ فِي اللَّيْلِ. وَمَعْنَاهُ أَنَّ هَجْعَهُمْ قَلِيلٌ وَهُمْ مَنْشَغِلُونَ بِأَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ. وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ لِهَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الْانْشِغَالَ بِطَاعَةِ اللَّهِ يَدْخُلُ فِيهِ إِحْيَاءُ اللَّيْلِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْقِيَامِ وَلَوْ كَانَ طَلَبَ الْعِلْمِ، لِأَنَّهُ مَا ذُكِرَتِ الصَّلَاةُ. قَالَ: كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ. طَالِبُ الْعِلْمِ الَّذِي يَبْحَثُ فِي الْعِلْمِ وَلَا يَعْنِي أَنَّهُ يَتْرُكُ مَا يَحْتَاجُهُ مِنْ الْعِبَادَةِ وَالطَّاعَةِ، هُوَ كَذَلِكَ كَانَ قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُ. مَاذَا يُرِيدُ بِهَذَا؟ طَاعَةَ اللَّهِ وَمَرْضَاةَ اللَّهِ وَنَصْرَ الدِّينِ. اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَهَذَا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْعُمُومِ. وَقَوْلُهُ: مَا زَائِدَةٌ، هَكَذَا ذَكَرَ عَدَدٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي الْقُرْآنِ شَيْءٌ زَائِدٌ كَمَا قَالَ جَمْعٌ مِنْ أَهْلِ التَّحْقِيقِ مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ وَاللُّغَةِ. وَانْتَصَرَ لَهُ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ، شَيْخُ الْإِسْلَامِ مِنْ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِهِ. بَلْ هُوَ تَأْكِيدٌ. وَصِلَةٌ: كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، أَيْ هَجْعُهُمْ قَلِيلٌ، إشَارَةً إِلَى كَثْرَةِ جِدِّهِمْ وَاجْتِهَادِهِمْ بِطَاعَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي اللَّيْلِ. وَمِنْ ذَلِكَ صَلَاةُ اللَّيْلِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ النَّبِيَّ. وَكَانَ وَاجِبًا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، ثُمَّ نُسِخَ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، ﴿أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾، ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾، ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾. وَهَذَا مَعْنَاهُ أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ الْمَطْلُوبَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُحْرَصَ عَلَيْهِ أَهْلُ التَّقْوَى هُوَ الَّذِي وَصَفَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَوْ دَعَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُومَ بِهِ نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا. بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: لَمَّا كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ وَلَا يَنَامُ، دَعَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُومَ وَيُصَلِّيَ بِصَلَاةِ دَاوُدَ. وَكَانَ أَعْبَدَ النَّاسِ. مَاذَا قَالَ لَهُ؟ قَالَ: كَانَ يَقُومُ نِصْفَهُ وَيَنَامُ ثُلُثَهُ، فَيُصَلِّي فِي اللَّيْلِ الثُّلُثَ، يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ الثُّلُثَ. فَثُلُثُ اللَّيْلِ هَذَا هُوَ الْوَصْفُ الَّذِي يُكَمِّلُ بِهِ قِيَامُ صَاحِبِهِ، فَيُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ، وَيُؤَدِّي حَقَّ جَسَدِهِ، وَيُؤَدِّي حَقَّ أَهْلِهِ. فَلَا تَضْغَى الْحُقُوقُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ. وَهَذَا هُوَ الْعَدْلُ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، قَالَ: يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا. وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُ صُوَرٌ كَثِيرَةٌ، وَبَيَّنَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ. فَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ كَانَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ». وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: كَانَ مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ»، أَوْ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ». فَالِاسْتِغْفَارُ الْمَقْصُودُ لَيْسَ اسْتِغْفَارًا مُجَرَّدًا، فَقَدْ يَكُونُ مُخْتَلِطًا بِغَيْرِهِ مِنْ الْأَلْفَاظِ، مِثْلَ أَنْ يُخْلَطَ بِالتَّوْبَةِ، أَوْ كَذَلِكَ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ. وَمَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ هُوَ تَفْسِيرٌ لِهَذَا الِاسْتِغْفَارِ. يَفْعَلُهُ الْإِنْسَانُ هَذَا تَارَةً، وَهَذَا تَارَةً، وَذَاكَ تَارَةً، كَمَا صَحَّتْ بِهِ الْأَدِلَّةُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ. وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ. وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ. فِي هَذِهِ الْآيَةِ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ. وَفِي آيَةِ الْمَعَارِجِ حَقٌّ مَعْلُومٌ. فَفِي قَوْلِهِ: وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ، مَعْنَاهُ الْحَقُّ الزَّائِدُ عَنِ الْوَاجِبِ، لَيْسَتِ الزَّكَاةُ الْوَاجِبَةُ. وَمَعْنَاهُ أَنَّهُمْ فَرَضُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ طَلَبًا لِمَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَأْدِيَةً لِحَقِّ عِبَادِ اللَّهِ شَيْئًا زَائِدًا عَلَى مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَهُوَ أَنْ لَا يَرُدَّ سَائِلًا وَلَا يَمْنَعَ مَحْرُومًا. وَالسَّائِلُ هُوَ الَّذِي يَسْأَلُ، وَالْمَحْرُومُ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ السُّؤَالَ وَلَكِنَّهُ لِتَعَفُّفِهِ لَا يَسْأَلُ. وَمَعْنَاهُ أَنَّ فِي أَمْوَالِهِمْ تَفَقُّدَ أَحْوَالِ الْمُعْوِزِينَ وَالْمُحْتَاجِينَ. وَهَذَا مِنْ صِفَاتِ أَهْلِ التَّقْوَى. وَهَذِهِ هِيَ مِنْ صِفَاتِ أَهْلِ التَّقْوَى، فَلَا يَقِفُ عِنْدَ الْوَاجِبِ، بَلْ يَتَعَدَّى إِلَى الْمُسْتَحَبِّ. وَذِكْرُ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ ذِكْرٌ لِمَا هُوَ فَوْقَهُ مِنْ بَابِ أَوْلَى. فَإِذَا ذُكِرَ السَّائِلُ الْمَحْرُومُ، فَالْأَيْتَامُ مِنْ بَابِ مَاذَا؟ مِنْ بَابِ أَوْلَى. أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ النَّفَقَةُ عَلَى الْيَتِيمِ أَوْ عَلَى السَّائِلِ الْمَحْرُومِ؟ عَلَى الْيَتِيمِ. وَهَذَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ ذَكَرَ الْأَدْنَى لِيَدْخُلَ الْأَعْلَى مِنْ بَابِ أَوْلَى. وَمَعْنَاهُ: فِي أَمْوَالِهِمْ حُقُوقٌ جَعَلُوهَا لِلْمُحْتَاجِينَ بِحَسَبِ حَاجَتِهِمْ وَقُرْبِهِمْ وَبُعْدِهِمْ. وَإِذَا كَانَ قَرِيبًا فَحَقُّهُ أَوْلَى، فَيَبْدَأُ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ، وَالْأَحْوَجِ فَالْأَحْوَجِ. نَسْأَلُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يَجْعَلَنَا وَإِيَّاكُمْ مِنْ أَهْلِ تَقْوَى مَرْضَاتِهِ وَمَرْضَاتِهِ وَجَنَّتِهِ، اللَّهُمَّ آمِينَ. وَإِلَهُنَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.