تفسير سورة الذاريات من تفسير الجلالين 2

تفسير سورة الذاريات من تفسير الجلالين 2

الدرس في تفسير سورة الذاريات من تفسير الجلالين 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تفسير سورة الذاريات ومجادلة المشركين

يتناول تفسير الآيات الأولى من سورة الذاريات ويربط بينها وبين السورة السابقة في مجادلة المشركين في أمر البعث والنشور. يبين اختلاف الناس في أمر النبي والقرآن ومعنى يوم الدين.

مجادلة أهل مكة ومحاجتهم حول النبي والقرآن

يتناول دلالة خلق الكون على قدرة الله على البعث ومجادلة أهل مكة حول النبي والقرآن، ويبين اختلاف أقوالهم وآرائهم حول النبي والقرآن وعقوبة الله لهم بسبب عنادهم.

عقوبة المعاندين والمستهزئين يوم الدين

يشرح كيف عوقب المشركون بأنواع العقوبات ويبين معنى "ساهون" و"في غمرة" وكيف أن استهزاءهم بالنبي كان جزاؤه العذاب في النار، ويظهر أن أول يوم الدين هو وقت موت الإنسان.

تهديد المشركين وعاقبتهم

يتضمن تهديد ووعيد للمشركين الذين كذبوا برسالة النبي والقرآن والبعث والنشور، ويشير إلى عاقبة من يرفض الإيمان بالرسالة السماوية واليوم الآخر.

التفريغ النصي الكامل

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ * إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ * قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ * يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ * ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾. قال المفسّر رحمه الله: «والسماء ذات الحبك»، جمع حبيكة، أي طريق وطرق، إنكم -يا أهل مكة- في شأن النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن لفي قول مختلف، من شاعر، ساحر، كاهن، شعر، سحر، كهانة. «يؤفك عنه» يصرف عنه «من أفك»، صرف عن النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن، أي عن الإيمان به، «من أفك»، صرف عن هداية في علم الله تعالى. «قتل الخراصون»، نعني الكذابون، أصحاب القول المختلف، «الذين هم في غمرة» جهل يغمرهم، «ساهون»، غافلون عن أمر الآخرة. «يسألون» النبي استهزاء «أيان يوم الدين»، أي متى يجيء؟ وجوابهم: «يومهم على النار يفتنون»، أن يعذبون فيها، ويقال لهم في التعذيب: «ذوقوا فتنتكم» تعذيبكم، هذا التعذيب الذي كنتم به تستعجلون في الدنيا الساعة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ما زلنا في هذه السورة العظيمة من سور هذا الجزء، والتي كما مر معنا تبعت في معناها وسياقها ونظامها السورة التي قبلها، في مجادلة المشركين في أمر البعث والنشور والقرآن وما بعث به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومر معنا كيف أن هذه السورة استفتحت بذكر آيات عظيمة من مخلوقات الله عز وجل المحكمة التي خلقها الله عز وجل في غاية من الإحكام، على عظمها، وذلك لأجل أن يبين به من خلق هذه المخلوقات العظيمة فلا يعجزه أن يعيد هذا الإنسان الضعيف بعد موته في وقت البعث والنشور. وهكذا كذلك هذه الآية «والسماء ذات الحبك»، قال: جمع حبيكة، أي طريقة وطرق. وكما مر معنا وتكرر القاعدة: إذا اختلف المبنى اختلف المعنى، فالحبك هي الطرق المحكمة المتقنة التي فيها غاية من الانتظام وكذلك الجمال. فتقول مثلًا: وتقارب المباني يدل على تقارب المعاني، فتقول: ثوب ماذا؟ محبك، أي خيطة خياطة متقنة منتظمة، فيها من الخيوط التي فيها من الانتظام والإحكام والجمال ما استحق معه أن يوصف بهذا الوصف محبكة. وكذلك هذه السماء أحبكت، أي جملت بانتظام، وكذلك نظام، فيها من الطرق الواسعة والأفلاك العظيمة السيارة والثابتة ما يدلك على عظم هذا الفلك العظيم وهذا السماء، وهذا السماء الواسع وما فيه من انتظام ونظام، وكذلك أفلاك وطرق في هذا الفلك الواسع. والمراد الاستدلال بهذا: أن الذي خلق هذا الكون العظيم بهذا الانتظام والجمال، مع ما فيه من أفلاك عظيمة ثابتة وسيارة، كيف لا يعجزه أن يخلق هذا الإنسان الضعيف وأن يعيده بعد أن خلقه من العدم؟ لا شك أن المنصف يعلم أن الذي خلق هذا الكون العظيم على ما فيه من جمال وانتظام لا يعجزه أن يعيد هذا الإنسان الضعيف بعد أن أهلكه، والله على كل شيء قدير. ثم شرع سبحانه وتعالى في ذكر مجادلة ومحاجة أهل مكة أهل الشرك، وهذا هو قوله: «إنكم» أي أهل مكة «في شأن النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن» أي المجادلة والمحاجة، وكذلك اللجاج الذي صدر منهم في أمر البعث والنشور والرسالة والقرآن «لفي قول مختلف»، أي مما يدل على باطلكم اختلافكم في الأقوال، فتارة تقولون: شاعر، وتارة تقولون: ساحر، وتارة تقولون: كاهن، وتارة تقولون عن القرآن أنه شعر أو سحر أو كهانة، وغير ذلك مما يدل أنكم مضطربون ومؤتفكون. وهذا هو قول «يؤفك عنه من أفك»، ويؤفك قال: يصرف عنه من صرف. وكما تقدم معنا هذه التفسيرات تقرب المعاني، وإلا في الأصل اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، فاختلاف «يؤفك عنه من أفك»، أي يصرف عن النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن، وكذلك ما جاء به من الإسلام والإيمان والإحسان، من صرف عن هذا الخير، ولكن هو ليس صرف مجرد الصرف بسبب ما كان منهم من إفك، وكذلك افتراء كذب. وكأنه قال: بفجوركم ومخاصمتكم ومعاندتكم حرمتم هذا الخير الذي معه به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن تمام عقوبة الله عز وجل في الدنيا قبل الآخرة أن عذبهم بأنواع العذاب، ومنه قوله سبحانه: «قتل الخراصون»، «قتل» قال: لعن، أي طردوا من رحمة الله عز وجل. وقال «الخراصون»: الكذابون، أي أصحاب القول المختلف. وكما مر معنا وتقدم وتكرر أن اختلاف المباني تدل على اختلاف المعاني، فالخراص ليس الكذاب العادي، ولكن الكذاب الشاك، الكذاب الشاك الذي قصده المجادلة، ولكن ليس عنده حتى طريق واحد يثبت عليها، وهو متخرص أن يرمي الكلمات مع عدم يقين، بل في شك. ولذلك ليس قول الفرد الواحد قولًا واحدًا، بل الواحد منهم له أكثر من قول، قد يقول اليوم: ساحر، وغدًا يقول: كاهن، وبعد غد يقول: شاعر، وهكذا. وهذا يدل على أنه متخرص، أي يرمي بالكلام من غير حجة ولا برهان، ولكن عناد ومجادلة ومكابرة عن الحق. فلأنه كذلك استحق عقوبة الله في الدنيا قبل الآخرة، ومن عقوبة الله أن طرد من رحمة الله، فحرم الهداية والإيمان والإسلام والإحسان الذي بعث به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن ذلك كذلك أنهم كذلك عوقبوا بأنواع العقوبات، فمنهم من قتل حقًا وصدقًا كما وقع في يوم بدر لكبار المشركين، ومنهم من حرم الهداية والتوفيق. قال: «ساهون» الذين هم «في غمرة» قال: جهل يغمرهم، والغمرة غاية الجهل، يعني جهل زائد عن الجهل، وهو ما يكون معه من العناد واللجاج بسبب هذه المعارضة وهذه المكابرة، فيغطي عليهم هذا الجهل حتى يكون جدالهم ومعارضتهم في الأمور التي لا يجادل في مثلها. وهذا هو الواقع، تجد أن كفار قريش عقلاء في جوانب كثيرة، حكماء في جوانب كثيرة، حتى أن العرب ترجع إليهم في كثير من الأمور والخصومات، لكنهم في أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما بعث به كانوا في غاية الغباء والجهل، لا يتصور أن مثل هذه المقولات تصدر من هؤلاء، وهذا من أثر غمرة الجهل. وقال: «ساهون»، أي غافلون عن أمر الآخرة. وساهون فيه معنى زائد عن الغفلة، فهم ليسوا غافلون حقيقة، ولكنهم تغافلوا فأورثهم ذلك بعدًا وحرمانًا، فسمي أو وصف هذا البعد والحرمان بأسهو، أي جزاء وفاقًا. فلما زاغ وزاغ الله قلوبهم، والله لا يهدي القوم الفاسقين. وقال: «يسألون» أي النبي صلى الله عليه وسلم استفهام استهزاء «أيان يوم الدين»، وهو ليس فقط استفهام استهزاء، بل استهزاء وتحدي، لأنهم يقولون: «أيان يوم الدين»، يعني متى نأتي به؟ ائتوا به إن كنتم صادقين، أي متى مجيئه؟ فلهذا كان الجواب: «يومهم على النار يفتنون»، أي هذا الذي تتحدون وتجادلون وتستهزئون وتخاصمون فيه حق وصدق سيقع وستعرفونه حين تعذبون به. ولهذا قال بعض أهل العلم: أن أول يوم الدين هو وقت موت الإنسان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة في الصحيح، لما جاء بضعة نفر يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة، فقال: «ماذا أعددتم لها؟» أو ما قال، ثم قال: «إن يمت هذا -وقد نظر إلى أصحابه- فقد قامت قيامتكم، فقد قامت قيامتكم». فالقيامة والساعة تقوم على الإنسان من موته، وعند وعند ذلك يصله ما كان يكذب به، فيكون عين يقين، يكون عين يقين، كما قال الله عز وجل عن آل فرعون: «النار يعرضون عليها غدوًا وعشيًا»، وهذه ليست نار يوم القيامة، ولكن نار القبور وعذاب أهلها، أجارنا الله وإياكم منها. وهذا هو قوله: «يومهم على النار يفتنون»، أي يعذبون فيها، ويقال لهم حين التعذيب: «ذوقوا فتنتكم»، قال: تعذيبكم، أي ما كنتم تكذبون به سيأتيكم وسترونه رؤية عين. قال: «هذا التعذيب الذي كنتم به تستعجلون»، قال: أي في الدنيا استهزاء، أي كما كنتم تستعجلونه فسيأتيكم ويكون حقًا وصدقًا. وفي هذا تهديد ووعيد لهؤلاء المشركين الذين كذبوا برسالة النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن، وهكذا كذلك البعث والنشور. إلى هنا والله تعالى أعلى.