الدرس في تفسير سورة الذاريات من تفسير الجلالين 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
سورة الذاريات مكية وعدد آياتها ستون، وقد ابتدأت السورة بأقسام متتابعة بالذاريات وهي الرياح التي تذرو التراب وغيره.
الآيات التي أقسم الله فيها بالرياح والسحب والسفن تدل على عظمة الله وقدرته وتشمل أشياء كثيرة مثل السحب والرياح والسفن التي تجري على وجه الأرض.
الآيات القرآنية تؤكد على صدق وعد الله بالبعث والجزاء وتستعرض دلائل من القرآن والكون لتعزيز الثقة بوعد الله سبحانه وتعالى.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، والذاريات ذروا، فالحاملات وقرا، فالجاريات يسرا، فالمقسمات أمرا، إنما توعدون لصادق، وإن الدين لواقع. قال: يفسر -رحمه الله- سورة الذاريات مكية، ستون آية. بسم الله الرحمن الرحيم، والذاريات: الرياح تذر التراب وغيره، ذروا: المصدر، ويقال: تذريه ذريا تهب به. فالحاملات: السحب تحمل الماء، وقرا: ثقلا، مفعول الحاملات. فالجاريات: السحب تجري على وجه الماء، يسرا: بسهولة، مصدر في موضع الحال، أي: مجرى. فالمقسمات أمرا: الملائكة تقسم الأرزاق والأمطار وغيرها بين البلاد والعباد. إنما توعدون: "ما" مصدرية، أي: إن وعدكم بالبعث وغيره لصادق، لوعد صادق. وإن الدين: الجزاء بعد الحساب، لواقع لا محالة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فهذه السورة سورة الذاريات، كما ذكر -رحمه الله- سورة مكية، ستون آية. وقد علمنا فيما تقدم الفرق، أو كيف يعلم أن هذه السورة مكية أو مدنية، وذلك بحسب نزولها، وكذلك الآيات الواردة فيها. وهذه السورة نزلت في العهد المكي، وآياتها تدل على ذلك. وابتدئت، استفتحت هذه السورة بهذه الأقسام المتتابعة، والله عز وجل يقسم بما يشاء، وإذا أقسم الله عز وجل بشيء أشار سبحانه وتعالى إلى عظمة ذلك الشيء، وكذلك عظيم إنعامه على خلقه به. وهنا أقسم بالذاريات، وكما ذكر: الذاريات الرياح التي تدر التراب وغيرها، وسميت الرياح ذاريات لأن لها أعمالا كثيرة. ومن أعمالها أنها تذرو، ومعنى تذرو: أي تنقل وترمي، فالذرو هو ما يكون من حركة المنقول بهبوب تلك الرياح، سواء كان المنقول ترابا أو سحابا أو كذلك بذورا يكون بها تلقيح الأشجار، كما أنه قد يكون كذلك خلق السحب الذي تلقح به تلك السحب، فتكون منه الأمطار. فللرياح أعمال كثيرة ومنافع، وكذلك مهام عظيمة. ولهذا منها ما يكون به المنافع للناس، ومنها ما يكون به العذاب الذي يعذب الله عز وجل به الناس. ففي هذا تذكير بما في هذه الرياح التي هي جند من جند الله، يسخرها الله عز وجل على من يشاء، ولمن يشاء. فإن كانت منافع فهي من نعمه وفضله ورحمته، أو كانت عقوبات فهي بعدله سبحانه وتعالى وعظيم قوته وقدرته. إلى آخر ما ذكر -رحمه الله-، ذروا: مصدر، ويقال: تذريه ذريا تهب به. وأريد به تأكيد هذا الذري، والمقصود أن الله عز وجل هو الذي أقدر هذه الرياح على حصول هذا الذري، فهي لا تفعل بذاتها، ولكن الله عز وجل أقدرها على ذلك. فالحاملات: قال: السحب تحمل الماء، والوصل أعم من ذلك، فهي السحب، ونفس الرياح، وما تحمله، فكل ما خلقه الله عز وجل مما يحمل أمرا حسيا أو معنويا، فيدخل في قوله سبحانه: فالحاملات، ومنها السحب، فالسحب تحمل فيها الماء، والرياح تحمل هذه السحب، وهكذا كذلك تحمل معها غيرها. وقوله: وقرا، قال: ثقلا، مفعول الحاملات، ومعناه: تحمل شيئا ثقيلا، فالسحب تحمل الماء والثلج والبرد، أشياء ثقيلة، وهي بطبيعتها خفيفة، ولكن الله عز وجل جعل فيها هذه الصفة تحمل هذا الثقيل مع مرورها وتحريك الرياح لها. وهذا من عظيم قدرة الله، ولهذا أقسم الله عز وجل بها. حتى يتفكر هذا الإنسان في عظمة هذا الرب العظيم، وأنه لا يمكن أن يكون في الكون مثل هذا الإتقان والإحكام إلا من رب عظيم قدير، عنده من صفات الكمال ونعوت الجلال ما يقتضي أن تصرف له الألوهية والربوبية وحده سبحانه وتعالى، ولا يشرك معه غيره، ويصدق بكل ما أرسل به. وقوله: فالجاريات، قال: السفن تجري على وجه الأرض، كما تقدم اللفظ أعم، فهذه صفة يدخل فيها أشياء كثيرة، ومنها السفن، فالرياح جاريات، والسحب جاريات، والسفن كذلك جاريات، فكل ما أجراه الله في السماء، أو كذلك على صفح الأرض، أو حتى تحت الأرض، فهو مما أجراه الله سبحانه وتعالى بعظيم قدرته، وهو على كل شيء قدير. فشيء عظيم أن تجري هذه السفن الكبيرة العظيمة بهذه الرياح، مع ما في الرياح من لطف وخفة، ولكن الله عز وجل على كل شيء قدير. وهكذا كذلك جريان هذه السحب المحملة بالأثقال من المياه والبرد والثلج وغير ذلك، وهكذا كذلك غيرها مما يجريها الله عز وجل في هذه المخلوقات الواسعة العظيمة التي خلقها الله عز وجل. فإذا تأمل الإنسان، تأمل متدبر منصف، علم أن ذلك كله يدل على عظمة الرب العظيم الذي له، كما تقدم، وحدانيته في نعوت الجلال وصفات الكمال والربوبية، فيقتضي أن تصرف له الألوهية وحده سبحانه وتعالى، ويصدق بكل ما جاء به جل وعلا. وقال: يسرا، أي: بسهولة، مصدر في موضع الحال، أي: ميسرة. وهذا كذلك تأكيد لما سبق، فهذه الجاريات، أي: السفن، أو كذلك السحب والرياح، تجري في يسر، تجري في يسر وسهولة، وتنتقل. وهذا من لطف الله، هذا من لطف الله سبحانه وتعالى وعظيم قدرته. فهو كذلك يورث إيمانا لمن كان منصفا، أن هذا الرب العظيم وحده يستحق الألوهية وحده. فالمقسمات أمرا، قال: الملائكة تقسم الأرزاق والأمطار وغيرها بين البلاد والعباد. بعد أن ذكر الأمور الحسية، ذكر الأمور المعنوية. فكما خلق الله عز وجل هذه المخلوقات العظيمة، وسيرها ودبرها، وجعلها تحمل الخير وتحمل غيره من عقوبة الله عز وجل، فكذلك الملائكة، الله عز وجل خلقها وأمرها، وجعلها تقسم بين عباده ما يشاء من خير أو من عقوبات. فالمقسمات عام، ما يقسم بين الناس، والملائكة مما عندها هذه الصفة، جعلها الله عز وجل المقسمات بحسب ما أمرها وخلقها له. فمنهم من هو موكل بالأرزاق والأمطار وغيرها، ومنهم من هو موكل بالأرواح، ومنهم من هو موكل بالشرع والرسالة إلى الرسل، ومنهم من هو موكل بالعقوبات ونقمة الله عز وجل وغضبه على من يشاء من خلقه. والآية عامة تعم هذا كله. وقوله: بين البلاد والعباد، يعني ما تقدم مما أراد الله قسمته في خلقه سبحانه وتعالى من خير أو غيره من العقوبات. وقوله: إنما توعدون، قال: "ما" مصدرية، أي: وعدكم بالبعث وغيره. والآية بهذا السياق بعد هذه الأقسام المتتابعة، فيه ما تقدم من تناسق السور وترابط المعاني مع هذا القسم العظيم الذي تضمن تهديدا ووعيدا من رب عظيم لقوم جحدوا وأنكروا ما لا يجوز إنكاره ولا جحوده. فأمر البعث والنشور الذي أنكره المشركون من أعظم ما كان سببا في كفرهم ونقمة الله وغضبه عليهم. وهذا هو قوله: إنما توعدون، أي: ما وعدهم الله من أمر البعث والنشور، وعقوبة هؤلاء المشركين، لصادق، أي: حق، أي: وعد حق وصادق. وقوله: إن الدين، قال: الجزاء والحساب، الجزاء بعد الحساب، الدين يطلق على مسميات كثيرة، ومنها الجزاء، ومنها الحساب، أي: يوم الحساب ويوم الجزاء، وقع، أي: لا محالة، كما قال: سيقع. وذلك لأن الذي أخبر به من خبره صدق وحق، كما جاءت بذلك أو دلت على ذلك الأدلة الشرعية والأدلة الكونية القدرية. وسيأتي معنا -إن شاء الله- في الآيات التاليات تأكيد هذا بأدلة الشرع وأدلة كذلك الكون الذي تدل على صدق خبر الله سبحانه وتعالى وعظيم وعده.