السؤال: اللقاء المفتوح 13، وكانت بتاريخ 21 محرم 1433هـ . بدار الحديث بالشحر أجاب عنه الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يوصي الشيخ بضرورة تقوى الله وتصحيح النية والإخلاص في الأعمال للثبات في وجه الفتن والمحن. يحذر من سوء النية وقلة الصدق ويشدد على أهمية الاعتناء بالعلم والعلماء للنجاة من الفتن.
يُشدد على أهمية العلم والعلماء في النجاة من الفتن، ويبين ضرورة الرجوع إلى العلماء الراسخين. يحذر من علماء السوء والضلال ويوصي بالاعتناء بالعلماء والرجوع إليهم للاستنارة بهم في أوقات الفتن.
ينصح بالانشغال بالطاعة والعبادة في أوقات الفتن، ويشير إلى أن العبادة في الهرج كالهجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم. يؤكد على أهمية الدعاء والتضرع إلى الله للنجاة من الفتن.
يُناقش كيفية نصرة المسلمين وفق الفتاوى الشرعية، ويوضح أن النصرة تكون بالمال والدعاء والنفس. يشدد على ضرورة الثبات على العلم والتعليم وعدم الانصراف إلى الفتن والحروب التي يثيرها الأعداء.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنحمد الله عز وجل حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى. نحمده سبحانه وتعالى الذي أنعم علينا بنعم كثيرة لا تُعد ولا تُحصى. ونخصه سبحانه وتعالى بالحمد والثناء بما هو أهله، على ما خصنا من نعمة الإيمان والإسلام والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك من عظيم فضل الله عز وجل علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. إننا أيها الأحبة نحمد الله سبحانه على ما أنعم علينا في هذه البلاد الطيبة المباركة من عظيم نعمة التوفيق للسنة، ونعمة التوفيق للعلم النافع. فإن ذلك من أعظم نعم الله عز وجل على أهل الإسلام، إذ أن المسلم بهما يتمتع ويعان على تحقيق الإسلام الحق الذي يحبه الله عز وجل لعباده، والذي يكون به بإذن الله تعالى الفوز والنجاة في الدنيا والآخرة. ولا يخفى علينا أيها الأحبة ما ابتليت به المجتمعات عامة، ومجتمعنا هذا خاصة، من فتن متتابعة ومحن متتالية، شغلت الصغير والكبير والذكر والأنثى والقريب والبعيد، وربما كانت سببًا في صرف بعض الناس عما هم فيه من الخير. ولهذا يناسب في هذا اللقاء، وفي مثل هذا المقام، أن يذكر بعضنا بعضًا بما يعيننا على الثبات مع هذه الفتن والمحن التي ابتليت بها المجتمعات عامة، ومجتمعنا خاصة. وأول ما نتواصى به في هذا المقام ما أمر الله عز وجل بالوصية به، أمر بها الأولين والآخرين، أمر بها خواص عباده والناس أجمعين، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾. فوصية الله للأولين والآخرين تقوى الله، إذ تقوى الله سبحانه وتعالى أعظم ما يتواصى به، وأجمع ما يكون التذكير به فيما يكون به عون العبد على صلاح دينه ودنياه. فهي الكلمة الجامعة لأمر التمسك بدين الله عز وجل، إذ خواصها الحرص على صراط الله المستقيم، بفعل مراضي الله والابتعاد عن مساخطه. فإذا حقق العبد ذلك أعين بإذن الله تعالى على ما يبتلى به في مثل هذه الفتن والمحن. عباد الله، قد يوفق بعض الناس بتقواه لله عز وجل ما لا يوفق إليه الكثير ممن يقل تقواه، ولو كثر علمه. فإن قلة التقوى مع كثرة العلم لا تنفع صاحبها، إذ قلة التقوى سبب لحرمان حامل العلم من الانتفاع بالعلم الذي يحمل. فلذلك وغيره كان من أعظم ما يتواصى به تقوى الله جل وعلا، لأننا إذا اتقينا الله سبحانه وتعالى أعينا على أمورنا كلها. ومما نتواصى به تصحيح النية، أن نصحح نياتنا، فنجتهد في الإخلاص لله جل وعلا في أعمالنا، حتى لا تختلط علينا الأمور. فرب إنسان يبتلى بسوء نيته وقلة صدقه وعدم إخلاصه، ما يكون سببًا في انحرافه وانصرافه عن طريق الاستقامة والثبات. فمن الناس من تصرفهم مع الفتن والمحن الدنيا لدنيا قليل حقيرة، يقف في جهة من الجهات أو يصر على موقف من المواقف، ولو قال بملء صوته أنه يريد نصرة الحق وأهله، لكنه يعلم في قرارة نفسه أنه إنما اتخذ ذلك الموقف لدنيا زائلة. فالفتن تحتها أشياء كثيرة خفية لا يطلع عليها إلا أهل المعرفة، فربما بعض الفتن تكون محل استفادة وربحية عند بعض الناس، تنفتح لهم بها بزابيز من بزابيز الدنيا. فهو يريد الفتن تستمر لأنه متمصلح منها، له أغراض وأعراض يصل بها إلى بعض أعراضه وأغراضه الدنيوية المحضة، ولو على حساب دماء المسلمين، ولو على حساب أموال وأعراض بل ودين المسلمين، لأجل تلك الدنيا القليلة الحقيرة. صار في ذلك الموقف أو في تلك الجهة، بينما لو صدق مع ربه جل وعلا وأخلص وصحت نيته لصح موقفه، ولا عان نفسه وغيره على ما فيه السلامة لهذا المجتمع. وهكذا كذلك من الناس من يحرم البصيرة، ولو كانت له نية حسنة في بادي أمره، لكن لعدم الصدق والإخلاص وتمامه يحرم التوفيق للخير. فلهذا وغيره يوطن كل مسلم، فضلا عن من يحمل دعوة أو يتولى مسؤولية، يوطن كل واحد منا نفسه على تصحيح نيته والإخلاص لربه والصدق في قوله وعمله. يتذكر أنه يومًا من الأيام يقف بين يدي الله سبحانه وتعالى الذي يعلم السر وأخفى، لا يخفى عليه شيء من أمرك، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. فمهما قلت من شيء ولو صرخت به بملء فيك، وزعمت وزعمت، إن كنت تعلم في قرارة نفسك أنك لست في ذلك صادقًا ولست كذلك للحق ناصرًا، فإن حقيقة ما أنت عليه يعلمه الله سبحانه وتعالى. وأين المفر ونحن نقف بين يدي الله سبحانه وتعالى يوم القيامة؟ بل والله يخشى من شؤم ذلكم العمل بالفضيحة في الدنيا قبل الآخرة. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن العبد يعمل العمل فيما يبدو للناس، حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، أي فيفضحه الله لأنه لم يصدق في قرارة نفسه. وقد قال الله عز وجل عن المنافقين: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾. ويتبع هذا الحذر من هؤلاء الذين ربما يكونون رؤوس ضلالة في الفتن، يدعون الناس إلى الضلالة، ولو كانت تحتها شعارات تنادي بالحق، ولكن في حقيقتها هي دعوة إلى ضلالة. ومما نتواصى به في مثل هذا المقام من جامع الوصايا، الوصية بالاعتناء بالعلم والعلماء. فإن الاعتناء بالعلم والعلماء من أعظم الأسباب المنجية من الفتن، ومن أعظم ما يتحصن به المسلم من الفتن. لأنك بالعلم تضيء لنفسك ولغيرك، فتبصر ما لا يبصر غيرك. فمثل العلم وصاحبه كمثل الرجل يحمل المصباح في الظلمة الشديدة، والناس يبحثون عن الطريق، فلا شك أن صاحب المصباح يستعين بمصباحه في معرفة الطريق التي يكون بها النجاة. وأن من حرم هذا المصباح فإنه يتخبط في تلك الظلمة، يتخبط في تلك الظلمة، فيكون له من العواقب العاجلة فضلا عن الآجلة ما هو محل عبرة وعظة في أهمية مثل هذا المصباح. وكما أن المصباح الحسي ينفع في الظلمة الحسية، فكذلك المصباح المعنوي ينفع في الظلمة المعنوية. فالفتن موضع من مواضع الجهل والظلال، وهي الظلمة من الظلمات الكثيرة، ظلم من الظلمات. فلا ينجي منها إلا النور الذي هو العلم. وقد سمى الله عز وجل الكفر والظلال ظلمة وظلمات، وسمى العلم والإيمان بالنور والضياء في مواضع كثيرة في كتابه سبحانه وتعالى. قال الله عز وجل: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾. ولذلك عباد الله، المجتمع الذي يعتني أهله به بالعلم والعلماء، مجتمع معصوم بعصمة الله، معصوم بعصمة الله سبحانه وتعالى، يحفظ بحفظ الله، ويعان بعون الله. فتكون له من مواطن التوفيق والتزديد والسلامة ما لا يكون لغيرهم من المجتمعات التي يكثر فيها الجهل ويقل فيها العلماء. لأنهم يحرمون التوفيق والصواب والسداد بسبب قلة العلم والعلماء. وها هنا كذلك ملحظ مهم ينبغي أن ننتبه له في أمر العلم. فإن العلم من الأوصاف التي تلازم مواضع النجاة ومواضع السلام من الفتن. والجهل من الأسباب والأوصاف التي تلازم مواضع الفتن. كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين، حين ذكر الفتن في آخر الزمان، ذكر معها كثرة الجهل وقلة العلم. وذكر في بعض الأحداث رفع العلم وفشو الجهل. وكل هذا يذكرنا، وهكذا كذلك يدفعنا للاعتناء بالعلم عمومًا، وفي وقت الفتن خصوصًا. فالعلم من أعظم ما يجب أن يعتني به المسلم في حياته كلها، وفي وقت الفتن خاصة، لأنه به يبصر ما لا يبصر الناس، ويفقه ما لا يفقه الناس. فننتبه لهذا، وحبذا مع العلم الاعتناء بالعلماء، فإن الاعتناء بالعلم والعلماء من أعظم أسباب النجاة من الفتن. أنت تعتني بالعلم في نفسك، وهكذا تعتني بلزوم العلماء، وكذلك متابعة العلماء، لزوم غرزهم ومتابعة فتاويهم. فذلك ما أوصانا الله به بكتابه، ورسولنا عليه الصلاة والسلام بسنته. ولا يخفى على الكثير من طلبة العلم، صغارهم فضلاً عن كبارهم، ما ورد في هذا الباب من الأدلة الكثيرة. فمن ذلك الكثير قول الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. فأهل الاستنباط هم العلماء الراسخون، أهل الأمانة والديانة، أهل المعرفة بالعلم والخبر به، الذين هم صمام أمان للناس في الفتن، يعينونهم على سلامتهم وسلامة مجتمعاتهم. لأنهم يبصرون بنور الله، إن تكلموا تكلموا بعلم، وإن سكتوا سكتوا بعلم. فأمرهم ونهيهم وقولهم وإقدامهم وإحجامهم كل ذلك بعلم. فلذلك أمرنا الله عز وجل بالرجوع إليهم في الأفراح والأتراح، في الرخاء والشدة، كما قال في أول الآية: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ﴾. أي في وقت الرخاء أو في وقت الشدة، فلابد أن تكون المرجعية معروفة. مرجعيتنا هم علماؤنا، علماؤنا الذين عرفناهم برسوخ العلم وسلامة الدين. فهؤلاء هم المرجعية التي ينبغي أن يرجع إليها. وها هنا ثلاث تنبيهات. التنبيه الأول أن نفرق بين العلماء بحق الذين أمرنا الله عز وجل بالرجوع إليهم، وبين علماء السوء والضلال. فإن العلماء الراسخون المرجعية الصحيحة لهذه الأمة هم ورثة الأنبياء، الذين ورثوا عن الأنبياء العلم النافع والعمل الصالح. والذين يجمعهم وصف ربنا جل وعلا بأنهم الربانيون، الذين يدلون على الرب سبحانه وتعالى بعلمهم وبعملهم. فمن كان قد تحقق فيه هذين الوصفين فهم العلماء الراسخون الذين أمرنا بالرجوع إليهم. ومن تخلف فيه أحد هذين الوصفين فهو من علماء الضلال. فقد يكون عالمًا عنده علم، لكنه لا يعمل بعلمه، فليس مثل هذا مرجعية صحيحة، بل هذا من العلماء الضلال الذين هم مفاتيح شر لهذه الأمة. أو كذلك قد يكون عنده تقوى وعنده عمل صالح، لكنه صاحب جهل وعبادة مع قلة علم، وكذلك تنسك مع عدم فقه. فمثل هذا يضر من حيث يريد النفع، يضر من حيث يريد النفع. وليس أمثال هؤلاء مرجعية صحيحة. ولذلك كما قال بعض أهل العلم، ألمحت أو جاء الإلماح لهذين الوصفين في الآية السابقة. قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. ففي ذكر الاستنباط إشارة إلى العلم والرسوخ فيه، وفي ذكر الرسول وأولي الأمر ذكر معنى القدوة الحسنة، الذي فيه الإشارة إلى العمل الصالح وأهله. وهذا هو الوصف الحق للعلماء. ولهذا كان العلماء الصادقون هم أكثر الناس خشية لله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. والتنبيه الثاني أن ننتبه ها هنا إلى أننا في الفتن أمرنا بالرجوع إلى العلماء للاستنارة بهم والاستفادة من علمهم وأخذ الفتوى منهم. ليس المقصود أن تذهب إلى العالم لتطلب منه الفتوى على ما تهوى وتشتهي. فإن من الناس من يذهب إلى العلماء ليفتيهم لا ليستفتيهم. فإذا وافق فتوى العالم ما يريد فهو العالم الممدوح، وإذا لم يوافق فتواه ما يريد فهو العالم المذموم. فعند ذلك يقول: قد ذهبت إلى العلماء، ولكن في الحقيقة ذهب ليستفتي أم ليفتي؟ ذهب ليفتي. ولذلك تجد أمثال هؤلاء الخائضون بالجهل والعواطف والحماسات الفارغة، إذا ذهبوا إلى العلماء ذهبوا يريدون جلب العلماء إلى مذاهبهم وأقوالهم وأراءهم. فهم يستكثرون بهم ما هم فيه. وهذا هو الواقع عند الفتن، تجدهم يأخذون من فتاوى العلماء ما يوافق أهواءهم ومذاهبهم. وهذا من أبواب الضلال. ولكن الإنصاف في هذا الباب أن تذهب مستفتيًا، باحثًا عن الحق، مستعينًا بعد عون الله بهؤلاء العلماء الذين أمر الله بالرجوع إليهم، للاستفادة من علمهم وديانتهم، ما يعينك على نفسك وعلى ما ابتليت به ومجتمعك من شرور كثيرة. قد يكون أحيانًا الحائل في معرفة الحق ضعف بصيرة الإنسان بسبب ذنوب نفسه. فالذنوب تضعف البصيرة وتضعف التوفيق للحق. فإذا رجعت إلى العلماء بنور العلم والإيمان وضحوا لك طريق السلامة وطريق النجاة. والتنبيه الثالث في هذا المقام أن ننتبه أن العلماء علماء الحق، علماء الكتاب والسنة، أتباع السلف الصالح. فهم أهل دلالة إلى الحق، فهم يدعون بالحق إلى الحق. فدعوتهم من كتاب الله إلى كتاب الله، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولذلك فهم بإذن الله سبب عون لك في الخير. فإذا كان كذلك، فاعلم أنه إذا وقع ما ظاهره الخلاف بينهم، فليس من الصواب في الفتن أن تضرب هذه الأقوال بعضها ببعض. ولكن الصواب في ذلك أن تستفصل منهم، فيتبين لك بذلك الحق الذي تطلبه. فضرب الأقوال بعضها ببعض بأن تأخذ قولًا وتعرض عن قول، هذا مما لا ينجيك أخي في الفتن. فلعل بعضهم أجمل وآخر فصل، فلعل بعضهم أطلق وآخر قيد. والقاعدة عند أهل العلم والمعرفة أنه إذا تعارضت موارد الأدلة لا يضرب بعضها ببعض، بل الجمع بين الدليلين كما يقول العلماء أولى من إهمال أحدهما. فإنه ربما يكون هناك وجه للجمع أنت ما تفهمه ولا تعرفه. قد يكون أحدهم يريد بذلك معنى بشروط وضوابط، والآخر أراد معنى آخر. وهو في الحقيقة قوله لا يخالف ذاك القول. فهذا الذي مثلًا أباح أو هذا الذي كان قوله بالجواز أو الإذن، ربما كان بضوابط وشروط. وذاك الذي منع ربما منع لعدم توفر الضوابط والشروط. فنهاية القولين هو قول واحد، نهاية القولين هو قول واحد. من منع ومن أذن قولهم واحد، إذ الذي أذن أذن بشروط، والذي منع منع لعدم توفر الشروط. فكان كلا القولين في النهاية شيء واحد. لكن من لا معرفة له بالعلم ربما يظن أن هذا فيه شيء من التعارض، فيضرب الأقوال بعضها ببعض، ويدفعه ذلك ربما لتنقص بعض أهل العلم. وهذا خطأ وليس بصواب، بل ربما يكون سببًا أو سببا من الأسباب التي يكون بها حرمان السلامة من الفتن. فننتبه لهذا بارك الله فيكم. ومن الأمور التي نتواصى بها في هذا المقام أن نحرص أيها الأحبة عند الفتن على الانشغال بالطاعة، من العلم النافع والعمل الصالح. فإن ذلك من معاني الرفق التي يعان بها المرء على ما فيه سلامته في وقت الفتن. فقد نهانا النبي صلى الله عليه وسلم عن الاستشراف للفتن، والأحاديث في هذا كثيرة. حتى أخبر عليه الصلاة والسلام أن القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي. وكل ذلك يدل على هذا المعنى، والمقصود ألا تستشرف للفتنة لا بسمعك ولا ببصرك ولا بلسانك ولا بجوارحك، ولا بمعنى من المعاني التي يكون فيها الاستشراف لتلك الفتن. فلا تستشرف للفتن، فمن استشرفها استشرفته فأهلكته، ولكن تباعد عنها. ومن التباعد عنها الانشغال بالعلم والانشغال بالطاعة. فإن ذلك من أعظم الأسباب المنجية للمسلم من الفتن. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم حديث المشهور، حديث معقل بن يسار رضي الله عنه أنه قال عليه الصلاة والسلام: «الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ». والهرج القتل الذي يكون في الفتن. فيكون فيه فوضى قتل ذريع بغير ضوابط ولا معايير. فالعبادة في الهرج قال عليه الصلاة والسلام: «كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ». فالمسلم يجتهد في وقت الفتن على أن يوطن نفسه على الاعتناء بالعلم النافع والعمل الصالح. بل قال ربنا جل وعلا حين ذكر قومًا ابتلوا ببعض ما ابتلوا به من العذاب والنقمة. أن مما ينجيهم الاستكانة والتضرع إلى الله. فما استكانوا لربهم وما يتضرعون. فإن من أسباب النجاة من عذاب الله ونقمة الله ومحنة الله، أن يستكين العبد إلى ربه جل وعلا، وأن يتضرع إليه سبحانه وتعالى. فإن ذلك من أسباب النجاة من الفتن. وأخيرًا نختم في هذا المقام بكذلك موضع آخر من الجوامع المنجية في الفتن. وهذا الباب كما قلنا كثير، ولكن يذكر ما يظن أنه من جوامع هذا الباب. ومن ذلك الدعاء، كثرة الدعاء. أن تكثر أخي المسلم من الدعاء، نكثر جميعًا من دعاء ربنا جل وعلا أن يدفع عنا وعن المسلمين الفتن ما ظهر منها وما بطن. فالنبي صلى الله عليه وسلم وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم ألح على ربه سبحانه وتعالى بالدعاء في مواضع الشدة، يوم بدر حين ابتلوا بما ابتلوا به. حتى رفق به الصحابة رضي الله تعالى عنهم أرضاهم، من شدة دعائه ولهجه ولهجه لربه سبحانه وتعالى، بل بدعاء العبادة والمسألة، وبلسان الحال والمقال. ألح على ربه جل وعلا دعا بلسانه ورفع يديه بجوارحه حتى سقط الرداء عن عاتقه عليه الصلاة والسلام. ولم يزل كذلك يدعو ويدعو ويدعو حتى أشفق عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم أرضاهم. ونحن من باب أولى أن نلح على ربنا سبحانه وتعالى بالدعاء، ينجينا الله عز وجل وينجي هذه المجتمعات من الفتن. ندعو بدعاء المسألة وندعو بدعاء العبادة الذي هو من التضرع والعبادة في الهرج «كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ» عليه الصلاة والسلام كما صح عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولعلنا نكتفي بهذه التنبيهات في هذا المقام، وننتقل إن شاء الله إلى ما يتيسر مما يرد من هذه الأسئلة. هذا سائل يسأل يقول: الحوثة هم روافض اثنى عشرية، فهل نحكم عليهم بأنهم كفار أم هناك تفصيل؟ الحوثة هم من مناهج الروافض وطريق من طرق الروافض الغلاة الاثنى عشرية، وهو منهج كفري في مناهج الشيعة. الشيعة فرق كثيرة، ومن فرق الشيعة ما يبلغ ظلالها بها إلى الكفر والردة بسبب الكفريات التي تتضمنها عقائدها. وبعض تلك الفرق عندها بدع وظلالات، لكنها لا تصل إلى الكفر. فالزيدية مثلًا فرق، ومن فرق الزيدية فرق لا يصل بدعها إلى حد الضلال والكفر. وهناك فرق في الرافضة وهم غلات الرافضة الذين يصل بهم الأمر إلى عقائد الكفر والردة، والعياذ بالله. ومنهم الحوثية الذين يتبنون الفكر والمنهج والعقيدة الاثنى عشرية. فإذا هذا كعقيدة، أما كأشخاص فليس كل من ينتسب إلى الحوثي يعتقد بعقيدته، خصوصًا عندنا في اليمن. لأن الكثير من هؤلاء هم أهل جهل، وبعضهم أهل دنيا، إنما يتابع من يدفع أكثر. لكن هل معنى هذا أن هؤلاء يسلمون من الكفر؟ الجواب لا، بعضهم بلغتهم الحجة وقامت عليهم، فلا يعذرهم كونهم قامت عليهم الحجة أنهم خرجوا لدنيا أو كذلك نصرة لقبيل أو غير ذلك. لا ينجيهم مع قيام الحجة عليهم من الكفر، لأن الأمر خطير. فمن قاتل وناصر صاحب الكفر بعد إقامة الحجة عليه وهو ينظر كفره وباطله وظلاله، فإنه يلحقه الحكم. وقد مر معنا كلام في دروس سابقة، وكلام أهل العلم، ومن ذلك كلام الشيخ الإمام المجدد محمد عبد الوهاب رحمه الله في مسألة مناصرة الكفار وموالاتهم، ففيها تفصيل. هذا سائل آخر يقول: ما موقف أهل السنة من حصار أهل السنة في دماج؟ هل يجوز الذهاب إلى دماج لمناصرة أهل السنة بالنفس؟ وهل هو جهاد فرض عين أو فرض كفاية؟ نصرة المسلم للمسلم واجبة، فالمسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضًا. والمسلمون والمؤمنون بعضهم أولياء بعض. ومعنى الولاية أو من معاني الولاية النصرة. فهذا من واجبات أهل الإسلام مع بعضهم البعض، وأهل السنة من باب أولى أن ينصر بعضهم بعضًا. هذا هو الأصل، وهذا هو الواجب. والأصل في هذا الواجب أنه من فروض الكفايات، التي إذا قام بها البعض سقط عن الكل. وقد يتعين على بعض الناس ما لا يتعين على غيرهم. فهذا هو الأصل في هذا الباب. لكن لا شك أن هذه النصرة لها ضوابط وشروط. فإن توفرت هذه الشروط والضوابط كان أمره تأدية هذا الواجب وتحقيق هذه النصرة. وأما إذا لم تتوفر الشروط ولم تتحقق الضوابط، فعند ذلك الشرع يأمرنا بدفع المفسدة الكبرى بالصغرى. دفع المفسدة الكبرى بالصغرى، وهذا هو حد إمكان الإنسان. ما عدم الإمكان لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. وننتبه في هذا المقام ما قد يحيكه بعض أعداء هذه الدعوة من إرادة الشر بأهلها والمكر بها، فينتبه لهذا الباب. هذه إجابة مجملة، وربما يكون هناك تفاصيل يكون ذكرها بحسب السؤال، ويكون الجواب كذلك بحسب المقام الذي يناسبه. هذا سائل آخر يقول: نسمع في بعض الفتاوى المتعلقة بنصرة المسلمين أن يكون ذلك بالمال والدعاء والنفس، فهل المقصود بالنفس الجهاد والقتال؟ يحسن في هذا المقام أن أنقل لكم فتوى شيخنا عبيد الله بن عبد الله الجابر حفظه الله تعالى، فهي توضح وتبين هذا المقام. فإنه أفتى من فتاويه بأن أهل دماج ومن حولها ممن يستطيع النصر بالنفس يجب عليهم مناصرة إخوانهم. فتأمل قوله: أهل دماج ومن حولهم ممن يستطيع النصر بالنفس. فتفهم أن هذا الباب مقيد بما فيه الضوابط، وبما تكون به كذلك درء المفاسد وجلب المصالح. يقول: نسمع من بعض المشايخ حفظهم الله يقولون أن ما وقع على إخواننا في دماج، ومؤامر عليهم على أهل السنة، فما بيانوا ذلك. بيانوا ذلك أن هذا الأمر بيت بليل. فإن أمر استغلال الفتن ومحاربة أهل الحق من قبل الكفار وأعوانهم ليس بغريب على أهل الحق. ولا يخفى عليكم ما تميزت به بلادنا اليمنية من الخير الكثير الذي لم ينحصر فيها فحسب، بل كان أثره وخيره ونفعه قد تعدى إلى بلاد مجاورة، بل إلى الدنيا بأسرها. وهذا يذكرنا بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، لعله ما رواه الإمام أحمد وغيره، وأصله في الصحيحين بدون الزيادة في آخره، أنه قال عليه الصلاة والسلام: «الإيمان يمان والحكمة يمانية والفقه يمان». ثم قال في آخره في الزيادة التي رواه الإمام أحمد، حسنها جماعة من أهل العلم: «وَإِنِّي لَأَجِدُ نَفْسَ رَبِّكُمْ مِنْ قِبَلِ أَهْلِ الْيَمَنِ». فأهل اليمن هم أهل النصرة للحق قديمًا وحديثًا، من زمن النبي عليه الصلاة والسلام. ولا يزال أهل اليمن أهل النصرة، ما وقع من الأنصار الأوس والخزرج الذين أصلهم من أين؟ من اليمن. وأهل اليمن وما وقع بعد ذلك من أهل الهجرة الأولى والهجرة الثانية، وغيرهم من من نصر الله بهم الدين وأعز بهم الإسلام والمسلمين. وبعد ذلك في عهد الخلفاء الأربعة ومن بعدهم إلى يومنا هذا، ولا يزال ولا يزال أهل اليمن ينصر الله بهم الإسلام والمسلمين بالحجة والبرهان، وبالسيف والسنان. ولا شك أن أثر الحجة والبرهان أعظم من أثر السيف والسنان. ولهذا كان حقيقة ظهور أهل الحق بظهور ماذا؟ الحجة والبرهان. بظهور الحجة والبرهان هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله. هذا الظهور مستمر إلى قيام الساعة، ولكنه ليس ظهور السيف والسنان. ظهور السيف والسنان قد يكون تارة ولا يكون تارة أخرى. أما ظهور الحجة والبرهان فإنه مستمر إلى قيام الساعة، ولا يزال يزيد ويزيد بفضل الله. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ». فظهور أهل الحق مستمر، قل عددهم أم كثروا. وإن من هذا الظهور ظهور هذه الدعوة المباركة في هذه الأزمنة الأخيرة. التي نفع الله بها شرق الدنيا وغربها، ليس فقط هذه البلاد اليمينية، بل مشارق الأرض ومغاربها انتفعت بهذه الدعوة المباركة. هذه الدور دور أهل السنة والجماعة في هذه البلاد اليمنية، نفع الله بها في اليمن ونفع الله بها خارج اليمن. والفضل لله عز وجل، ثم لشيخنا المبارك الذي جدد الله به أمر السنة في هذه البلاد، مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى. فنفع الله بدعوته، فانتشرت هذه المراكز العلمية التي خرجت القراء والحفاظ والدعاة والعلماء. فصار اليمنيون بعد أن اشتهروا بتصدير العمال، وكذلك إرسال العمال، صاروا يرسلون القراء والحفاظ والدعاة والعلماء. ما من بلد قريب ولا بعيد إلا وتجد فيه من أهل اليمن أو ممن درس عندهم من نفع الله به في بلده. وما أكثر هؤلاء في جنوب شرق آسيا، وفي أوروبا، وفي أمريكا، بل حتى في أوساط أفريقيا، وغير ذلك. ربما بعض البلاد ما سمعت بها، وإذا بالدعوة قد سبقتك إليها. كما قال الشيخ كان يقول رحمه الله: شيخنا الدعوة تسبقنا، الدعوة تسبقنا. فما يدرون إلا وقد وصلت إلى مواضع، مواضع ما كانوا يظنون أنها تصل إليها. وهذا في الحقيقة أغاض الأعداء جدًا جدًا. أغاض الأعداء جدًا جدًا. فلذلك هم يحاولون قدر المستطاع أن يطفئوا نور الله، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾. يحرصون لأنهم يعرفون أن مدح هذا لا يمكن صده، إذ أنه يغزوهم في عقر دارهم. فبذلك يحاولون أن يمكروا، ولكن: ﴿يَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. فمن ذلك إشغال المسلمين بالفتن، وصرفهم عن هذا الخير. فهم يريدون أن يصرفوا عن هذا الخير. فها هنا ننتبه لأمرين اثنين. الأمر الأول ما تمت به حقيقة هذا النصر، وما حصل به حقيقة إغاضة الأعداء، وهو الاعتناء بالعلم والإيمان والدعوة. فإن ذلك من أعظم ما يغيظ الأعداء، وما يكون به النصر. فإذن نحرص على الثبات على هذا الخير، وأن لا تصرفنا الفتن عنه. فهم يحبون أن يصرفوا عن هذا الخير، ربما يشغلون بفتنة طائفية كما وقع لإخواننا في العراق، حروب دامية مستمرة بين الشيعة والسنة، صرفت الناس عن العلم وعن الخير. فهم يريدون أن يتحول طلبة العلم من العلم والدعوة والتعليم إلى الانشغال بالحرب والحروب والقتل والقتال. وهذا لا شك أنه من أغراض الكفار وأذنابهم. فلذلك ينبغي أن يتعقل الكثير من الشباب، وأن لا تأخذهم العواطف، وأن لا ينصرف عما هم فيه من الخير، من الاعتناء بالعلم والتعليم، وغير ذلك مما به النصر الحقيقي. مما به النصر الحقيقي. وفي مقابل هذا لا يعني هذا أن يترك أهل الحق، لا، فتاوى العلماء واضحة وظاهرة في هذا. لكن النصر بحسبها، النصر بحسبها وبضوابطها وشروطها، كما وضحها وبينها العلماء. ننتبه لهذا بارك الله