الدرس في شرح اللآلئ البهية 21، الدرس الحادي والعشرون : فيه : ( وأما الأحاديث فمنها قصة المعراج ... مستو على العرش محيط علمه بالأشياء ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يستشهد الشيخ بالأحاديث النبوية لإثبات علو الله تعالى واستواءه على عرشه. من هذه الأحاديث حديث المعراج وحديث الجارية.
يناقش إثبات علو الله من خلال الأحاديث والآيات القرآنية، ويشمل العلو المذكور علو الذات وعلو القدر وعلو القهر. يستدل على ذلك بالأدلة من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة.
يناقش اعتقاد أهل السنة في علو الله واستواءه على العرش مستندين إلى الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، ويوضح التوافق بين معية الله وعلوه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المولى رحمه الله تعالى: وأما الحديث فمنها قصة المعراج، وهي متواترة، وتجاوز النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سماء حتى انتهى إلى ربه، فقربه وأدناه، وفرض عليه وعلى أمته خمسين صلاة في كل يوم وليلة. فلم يزل يتردد بين موسى وبين ربه تبارك وتعالى، ينزل من عند ربه فيسأله موسى كم فرض عليك ربك؟ فيخبره، فيقول: ارجع إلى ربك وسله التخفيف، فاسأله التخفيف عن أمتك. فيصعد إلى ربه فيسأله التخفيف. والحديث كما يشعر عندكم في الصحيحين من حديث أنس، وجاء نبي ذر، وعن كذلك مالك بن صعصعة، وجماعة. قال: وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة -يعني- والشاهد من الحديث أولا أنه أثبت فيه علو الرب جل وعلا، لأن الصعود يكون من أسفل إلى أعلى، والنزول يكون من أعلى إلى أسفل. قال: وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لما خلق الله الخلق كتب في كتابه، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي». والحديث كذلك في الصحيحين، فقوله: «فوق العرش، فهو عنده فوق العرش»، فالعندية تكتسب إثبات القوية لله عز وجل، وهو العلو المطلوب. قال: وفي لفظ: «كتب في كتابه على نفسه، فهو موضوع عنده: إن رحمتي تغلب غضبي»، رواه البخاري. قال: فرواه البخاري بكتاب التوحيد من صحيحه من حديث أنس حديث الإسراء، وفيه: «ثم علا به جبريل إلى أن قال: فعل به إلى الجبار تبارك وتعالى» الحديث بطوله. وأشار بهذا اللفظ إلى رواية من روايات حديث الإسراء، وذلك وعندكم بالتعليق إشارة إلى أن الحافظ بن حجر نبه أن هذه اللفظة «فعل به إلى الجبار تبارك وتعالى» ممن روى على شريك بن عبد الله بن أبي نمر. وقد نبه الحفاظ العلماء إلى أن شريكا أخطأ في حديث الإسراء في عدة ألفاظ، وأشار إلى ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه النافع «زاد المعاد». قال رحمه الله تعالى: وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حكمه في بني قريظة: «لقد حكمت فيهم بحكم الملك من فوق سبع أرقعة». وفي لفظ: «من فوق سبع سماوات». وأصل الحديث في الصحيحين، ولفظ هذا كذلك كما أشار إليه أنه حسن جاء من حديث أبي سعيد. والشاهد قوله عليه الصلاة والسلام: «من فوق سبع سماوات». ومعنى إثبات العلو لله عز وجل. قالوا: وفي صحيح مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال: كانت لي جارية... فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فعظم ذلك عليه -يعني أنكر عليه هذا الفعل- فقلت: يا رسول الله، أفلا أعتقها؟ قال: «بل ائتني بها». فجئت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لها: «أين الله؟» قالت: في السماء. قال: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله. قال: «إنها مؤمنة». وبلفظ: «أعتقها فإنها مؤمنة». هذا لفظ المختصر، وجاء مطولا في صحيح مسلم، وفيه قصة. والذي في أولها ذكر كلامه في الصلاة وتسكين الصحابة له إلى آخر الحديث، ثم لترى قصة الجارية. قال الحافظ الذهبي في كتاب العرش: روى هذا الحديث مسلم، وأبو داود، والنسائي وغير واحد من الأئمة في تصانيفهم، يروونه كما جاء. ومعنى ذلك أن الحديث متلقى بالقبول، ولا مطعن فيه. وهذا إشارة منه رحمه الله إلى أن من طعن فيه فقد طعن في هؤلاء الأئمة وعلماء الإسلام الذين تلقوا هذا الحديث بالقبول. قال رحمه الله تعالى: وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كانت زينب تفخر على نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فتقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات. وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث الأوعال: «والعرش فوق ذلك، والله فوق عرشه، ويعلم ما أنتم عليه». رواه إمام أحمد في المسند، ورواه ابن خزيمة في كتاب التوحيد. وذلك الحديث أولا حديث الزينب أصله في البخاري، كما أشار المعلق، بلغ: «إن الله أنكحني في السماء» أو «من فوق السماء»، وهو يدل على إثبات علو الرب سبحانه وتعالى. ولهذا ذكره الذهبي وابن قدامة وغيرهما ممن ألف في العلو إثبات علو الرب سبحانه. وأما حديث الأوعال: «والعرش فوق ذلك، والله فوق عرشه، ويعلم ما أنتم عليه». فالحديث فيه خلاف بصحته، والصحيح أنه ضعيف كما أشار عندكم في التعليق. وضعفه الشيخ العلامة الألباني رحمه الله، فيه عبد الله بن عميرة، وكذلك نكارة في ألفاظه، ففي ألفاظه أشياء منكرة تخالف أدلة كثيرة، وزيادة على ذلك إن فرد هذا الحديث بمعاني وألفاظ لم تذكر بغيره. ولو كان بعض ألفاظه صحيحا، لكن لا يعني أن الحديث كله صحيح. قال رحمه الله تعالى: وقول عبد الله بن رواحة الذي أنشده النبي صلى الله عليه وسلم شعرا: «شهدت بأن وعد الله حق... وأن العرش فوق الماء قاف... وفوق العرش رب العالمين... قال: ويحمله ملائكة كرام... ملائكة الإله المسومين». قال: وقد ذكر الله تعالى استواءه على العرش، وهذا الشعر كما أشار إليكم أنه صح عندكم في المعلى أنه صححه جماعة من الحفاظ، وإن كان بإسناده بعض من لم يعرف، لكن تلقوه بذلك لأمرين: لأنه قد روي من طرق، وثانيا لأنه من الشعر الذي لعله لأجل ذلك خفف فيه. قال: وقد ذكر الله تعالى استواءه على العرش في سبع آيات من كتابه، فتارة يقترن بذكر الملائكة وصعودها وارتفاعها إليه، وتارة يقترن بنزولها من عنده، وتارة يقترن بأنه العلي الأعلى. قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وهو العلي العظيم. وهذا العلو يقتضي علو الذات، وعلو القدر، وعلو القهر. وأما أهل البدع فيجعلون أن العلو المذكور في هذه الآيات علو القهر والقدر فقط، وهذا باطل. بل أدلة الكتاب والسنة دلت على أن أنواع العلو المثبتة لله سبحانه ثلاثة أنواع: وهو القاهر فوق عباده، فهذا علو القهر وعلو القدر، وعلو كذلك الذات. فقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ الأعلى في ذاته، وفي قدره على عباده، وقدرته. وهكذا ما بعدها من الآيات، وغيرها من الآيات الأخرى بهذا المعنى. قالوا: أما الأحاديث والآثار عن الصحابة والتابعين فلا تحصى. وكما قلت: قد ألف بعض العلماء رسائل في هذا الباب. فالذهبي رحمه الله ألف كتابا في العلو، أورد به الأحاديث والآثار عن الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من أئمة الدين. وهكذا كذلك ألف ابن قدامة رحمه الله تعالى كتابا في العلو، وأكثر ما أخذ الذهبي رحمه الله، ثم أسنده. وقبلهم ألف العلماء في ثنايا كتبهم، ككتاب التوحيد لابن خزيمة، والتوحيد لابن منده، «والسنة» كذلك لعبد الله بن أحمد، و«السنة» للخلال، وغيرها من كتب الاعتقاد. وهكذا كذلك «كتاب الاعتقاد» للالكائي. قال رحمه الله تعالى: قال العلامة الشيخ مرعي بن يوسف الحنبلي رحمه الله تعالى في كتاب «اقاويل في اعتقاد أهل السنة في تأويل الصفات»: «ومما احتج به أهل الإثبات بأنه الذي قذف الله عليه أهل الفطرة العقلية السليمة من الأولين والآخرين، الذين يقولون: إنه فوق العالم. إذ العلم بذلك فطري عقلي ضروري، لا يتوقف على سمع. العلم بإثبات الفوقية لله عز وجل، وأنه في علوه سبحانه فطري. ومعنى فطري: شيء فطر الله عز وجل عليه العباد، يجده كل إنسان في نفسه وفطرته». ولهذا لما جادل بعض أهل البدع بعض أهل السنة، وهو الجويني حين جادل الهمداني رحمه الله تعالى في قضية العلو، وأراد أن يناقش بالتأويل، فقال له: دع هذا -يعني أترك هذه الأجلة- لا نتكلم فيها، لكن أخبرني عن الطلب في قلب كل إنسان إذا رفع يديه بالدعاء، لا يجد في قلبه توجها إلا إلى العلو. هذا شيء فطر الله عز وجل عليه الناس. إنسان إذا رفع يديه بالدعاء، قلبه يتوجه إلى أين؟ إلى العلو، لأن الله عز وجل في العلو. ما أحد إذا دعا ورفع يديه بالدعاء يتوجه في قلبه إلى السفل، ولا إلى المشرق والمغرب، ولكن قلبه يتوجه للعلو. شيء فطري، فطر الله عز وجل عليه العباد. فصار الجويني يقول: حيرني الهمداني، حيرني الهمداني -يعني أتاه بحجة لا يستطيع أن يجادل ويحرفها ويتأول فيها التأويل الباطل- لأنه شيء فطري فطر الله عز وجل عليه الناس. بل حتى قال بعضهم للعلم: إن هذا ليس مما فطر عليه بني آدم فقط، بل إن الله فطر عليه حتى الدواب. وذكر ابن القيم رحمه الله من ذلك قصصا وعجائبا في هذا الباب في كتابه «الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة». وقوله رحمه الله: «ضروري لا يتوقف على سمع»، معناه أنه من العلوم الضرورية. وقلنا فيما سبق: العلم الضروري هو العلم الذي لا يتوقف عن نظره واستدلال، ما يحتاج لنظر واستدلال، بل العلم به بمجرد بلوغه. فكونه يقال: العلم بأن الله عز وجل فوق ثابت، لا يحتاج الإنسان لذلك إلى كثرة أدلة. لكن العلماء استكثروا من الأدلة لأجل انحراف فطرة أهل البدع. أهل البدع انحرفت فطرتهم، وإلا العوام سليمو الفطرة، فضلا عن غيرهم ممن ينتسب إلى العلم. لو أنصف نفسه لم يحتاج أن يبحث عن أدلة تبرهن له علو الرب سبحانه وتعالى، فإن ذلك شيء فطر الله عز وجل عليه الفطرة السليمة، وهو كذلك شيء تثبته العقول الصحيحة. قال رحمه الله: قالوا: ولم يقل قائل: يا الله، إلا وجد من قلبه ضرورة تطلب العلو من هذا الذي يدعو، ثم يجد نفسه لا يطلب العلو أبدا. ما من داع يدعو إلا ويجد نفسه مضطرا إلى التوجه إلى جهة العلو. قالوا: أما العلم بأنه تعالى استوى على عرشه بعد خلق السماوات والأرض في ستة أيام، فهذا سمعي، علم ذي الوحي على الأنبياء، فأخبروا عليهم السلام أممهم بذلك. انتهى. ومر معنا أن صفة العلو صفة ذات، وصفة الاستواء صفة فعل. وصفة الاستواء صفة تستند إلى الدليل السمعي، وأما صفة العلو فقد دلت عليها الأجلة الخمسة، وهي الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، وكذلك ما نقل من آثار الصحابة وغير ذلك. قال رحمه الله تعالى: قال سيدنا الكبير الشيخ عبد القادر الجيلاني الحنبلي رحمه الله تعالى: ونفعنا به في الدارين. وهذا من الغلو كما نبه المعلق رحمه الله تعالى، فقد نهينا عن تسييد الناس إن لم يكن سيدا عرفا، فلا يسيد أحد بعمله، لأن هذا من التزكية. وقال الله عز وجل: «ولا تزكوا أنفسكم». ولكن السيادة إذا كانت على وجه العرف فهي مباحة، وتركها أفضل، مثل إنسان يكون شيخ قبيلة، أو كذلك مسؤول عن طائفة ونحو ذلك. ومنه قول النبي عليه الصلاة والسلام: «قوموا إلى سيدكم». وكذلك قوله: «ونفعنا به في الدارين». هذه اللفظة فيها من الغلو، وفيها من الاشتباه، لأنها موهمة للشفاعة به، وموهمة لشيء صحيح وهو الانتفاع بعلمه. فلا شك أن الطالب العلم ينتفع من ماذا؟ من العالم، ومن علمه ينتفع به بالدنيا، فيعبد الله على بصيرة، وينتفع به بالآخرة بما يكسب له من الأجر الذي حصله بتعلم هذا العلم عن هذا العالم، فينتفع به بالدارين. لكن لما كان من عبارة متصوفة وعباد القبور أنهم يذكرون هذه الألفاظ، ويريدون بها الشفاعة، يريدون بها الشفاعة: «اللهم انفعني بفلان»، ولا يريدون: انفعني بعلمه، لكن يريدون بمنزلته، منزلته عندك يا رب. وهذا من هذه الشفاعة الباطلة، لأن الشفاعة لا تطلب إلا من الله سبحانه وتعالى، والله أعلم بمن هو أهل لها. وليس هذا من الطريق الصحيح في طلب الشفاعة. وهكذا لو قصد كذلك الجاه، فهو كذلك خطأ وبدعة. فالحاصل: لأجل الاشتباه ومعنى الغلو، فإن مثل هذا اللفظ ليس بالصحيح. قال رحمه الله تعالى في كتاب «الغنية» في الفقه: «وهو تعالى بجهة العلو، مستوى على العرش، محيط علمه بالأشياء». فوسط الله عز وجل هذا الإمام من أئمة الحنابلة: لأن الله سبحانه وتعالى في العلو، كما دلت عليه جملة الكتاب والسنة والإجماع وغير ذلك، مستوى على العرش كذلك. وكذلك الأولى صفة ذات، والثانية صفة فعل. محيط علمه بالأشياء، لأجل أن لا يظن الظان أن هناك منافاة بين مثل قول الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَاءِ الْمُحِيطِ﴾، وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا﴾. فهو معهم بعلمه وبإحاطته وبمراقبته سبحانه وتعالى، وبسمعه وبصره، لا يخفى عليه من أمر عباده شيء. كما أنه مع أوليائه المتقين والمحسنين، والأنبياء والرسل والصديقين والشهداء والصالحين، بالتأييد والنصر والإعانة والتوفيق: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾. فلا منافاة بين معيته وبين علوه سبحانه وتعالى. طيب، الظويات خذ بنا الوقت، فنكتفي بهذا، انتهى الوقت إلى هنا، والحمد لله رب العالمين. شكرا للمشاهدة.