شرح السياسة الشرعية  37

شرح السياسة الشرعية 37

الدرس السابع والثلاثون:من( ولا يحل للسلطان أن يأخذ من أرباب الأموال جعلاً على طلب المحاربين ...قال تعالى:ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ).

حكم أخذ المال لطلب المحاربين والسراق

لا يجوز أخذ مال من أرباب الأموال لطلب المحاربين أو السراق، بل يعتبر طلبهم جهادا في سبيل الله. يجوز أخذ الزكاة من التجار وأبناء السبيل لصرفها في سبيل الله.

عقوبة من يعين المجرمين أو يؤويهم

من يعين المجرمين أو يؤويهم يعتبر شريكًا لهم في الجرم، وقد لعن الله ورسوله من آوى محدثًا أو محاربًا. يجب على من يعلم بمكانهم أن يبلغ عنهم ولا يكتم العلم.

الإعلام بمكان المجرمين والظالمين وتأليف رؤسائهم

يجب الإعلام بمكان المجرمين والظالمين، ويحرم كتمانه. يجوز إعطاء بعض رؤساء المجرمين مالا لتأليفهم وإضعاف الباقين، كما يجوز عقوبة من يمتنع من الإعلام إذا ثبت علمه بذلك.

تحريم إعانة الظالم

لا يجوز إعانة الظالم على المظلوم، وهذا مبدأ مهم يجب الالتفات إليه. يبدو أن الحديث عن هذا الموضوع سيستمر في درس لاحق.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله، الحمد لله، وصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال رحمه الله تعالى: ولا يحل للسلطان أن يأخذ من أرباب الأموال جعلا على طلب المحاربين، وإقامة الحج، وارتجاع أموال الناس منهم، ولا على طلب السارقين، لا لنفسه ولا للجند الذين يرسلهم في طلبهم. وأظن مر هذا الكلام عليه، نعم، هذا مر الكلام عليه. قال: بل طلب هؤلاء من نوع الجهاد في سبيل الله، فيخرج فيه جند المسلمين كما يخرج في غيره من الغزوات التي تسمى البيكار، وينفق على المجاهدين في هذا من المال الذي ينفق منه على سائر الغزاة، يعني إن وجد، فإن لم يوجد، فيتعاون المسلمون كما تقدم. قال: فإن كان لهم إقطاع وعطاء يكفيهم، وإلا أعطاهم تمام كفاية غزوهم من مال المصالح، من الصدقات، فإن هذا من سبيل الله؛ لأن سبيل الله المراد به أن تكون كلمة الله العليا، وهذا كما تقدم لا ينحصر بقتال الكفار، بل كذلك بمتابعة ومدافعة شر الفجار. فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحسبة، ومحاربة المجرمين، هذا من سبيل الله؛ لأن به تكون كلمة الله العليا. قال: فإن كان على أبناء السبيل المأخوذين زكاة، مثل التجار الذين قد يأخذون، فأخذ الإمام زكاة أموالهم، وأنفقها في سبيل الله، كنفقة الذين يطلبون المحاربين، جازا. يعني أن يأخذ منهم شيء لأجل رد حقهم لا يجوز، أما أن يأخذ منهم شيء باعتبار آخر، يجوز. هذا يجوز. ومن الاعتبار الآخر أن يأخذ منهم زكاة أموالهم، كان يقول لهم مثلا: الآن ليس عندنا شيء، فأعينونا من الزكاة، أعينونا من الزكاة، فهذا جائز؛ لأن الزكاة هم سيدفعونها للسلطان بكل حال، وهذا الباب يجوز أن يصرف عليه وينفق عليه من الزكاة. قال: ولو كانت لهم شوكة قوية تحتاج إلى تأليف، فأعطى الإمام من الفيء أو المصالح أو الزكاة لبعض رؤسائهم، يعينهم على إخضار الباقين، أو لترك شره، فيضعف الباقون، ونحو ذلك، جاز. فهذا المال المبدول ليس من باب المصالحة، كما تقدم. المصالحة لا تجوز مصالحة المجرمين، لا تجوز. ولكن هذا من باب درء المفسدة الكبرى بالصغرى. فإذا علم أنه لا يستطيع أن يقاتلهم، أو أن يأتي بهم، إلا أن يعطي بعضهم، أو من هو ينتسب إليهم، شيء من المال، أو نحوه، فيفعل ذلك، يدرأ المفسدة الكبرى بالصغرى. وكل ما كان بمعنى، لأجل هذا المقصد، جائز. وأما لأجل مصالحة المجرمين، فهذا غير جائز؛ لأن فيه قوة شوكة المجرمين، كما تقدم في أوائل هذا الفصل. قال رحمه الله: وقد ذكر مثل ذلك غير واحد من الأئمة، كأحمد وغيره، وهو ظاهر بالكتاب والسنة، ووصول الشريعة. يعني أن عمومات النصوص من الكتاب والسنة، وأصول الشريعة، أي درء المفسدة، بدرء الكبرى بالصغرى، ونحوه، يدل على هذا الأمر. قال: ولا يجوز أن يرسل الإمام من يضعف عن مقاومة الحرامية، ولا من يأخذ مالا من المأخوذين التجار، ونحوهم من أبناء السبيل. بل يرسل من الجند الأقوياء الأمناء، إلا أن يتعذر ذلك، فيرسل الأمثل فالأمثل. يعني: إذا علم أن بعض الجند الذين سيرسلهم، ربما يضعف عن مقاومة هؤلاء المجرمين، فلا يرسل أمثال هؤلاء. كأن يكون مثلا بينهم قرابة، أو كذلك بينهم شيء من الأحلاف، قبيلة هذا الجند، أو هؤلاء الجند مع أولئك، أو غير ذلك من المعاني الأخرى. أو أن يكون ضعيفا أمام المال، قد يرشى، فينقلب بدلا من أن يدفع المجرمين، يعين المجرمين، ويكذب. فكل من كان هذا حاله، لا يرسل. قال: فإن كان بعض نواب السلطان، أو رؤساء القرى، ونحوهم، يأمرون الحرامية بالأخذ في الباطن، أو الظاهر، حتى إذا أخذوا شيئا، قاسمهم، ودافع عنهم، وأرضى المأخوذين ببعض أموالهم. وهذا كان يقع في زمن المؤلف رحمه الله، وكذلك قد يقع مثله ونظائر له في هذا الزمان. قال: أو لم يرضهم، فهذا أعظم جرما من مقدم الحرامية. يعني: نواب السلطان الذين يعينون المجرمين، ورؤساء القرى، كمن يقال فيه في زماننا: مشايخ الحارات، والقبائل، أو حتى رئيس المجلس المحلي. فإذا وجد في أمثال هؤلاء من يعين المجرمين في الباطن، ويقاسمهم، فهؤلاء كما ذكر أعظم من مقدم الحرامية. قال: ومقدم الحرامية المسمى بالربيئة، كما تقدم، يلحقه حكم هؤلاء الحرامية والقطاع الطريق. فكذلك أمثال هؤلاء يشدد عليهم، ويعاملون بحسب ما كان من صنيعهم. قال رحمه الله: لأن ذلك يمكن دفعه بدون ما يندفع به هذا. والواجب أن يقال فيه ما يقال في الردء والعون لهم. يعني: حكمه كحكمهم. قال: ومن آوى محاربا، أو سارقا، أو قاتلا، ونحوهم ممن وجب عليه حد، أو حق لله تعالى، أو لآدمي، ومنعه ممن يستوفي منه الواجب بلا عدوان، فهو شريكه في الجرم. ومعنى بلا عدوان: يعني إلا أن يكون طالب هذا الحق معتدي، كأن يطلبه من ليس له حق أن يطلبه. فمثلا الحدود للسلطان، فإذا طلبه من هو ليس من السلطان، يجوز أن يمنعه أن يمنع مانع، أي أحد من ذلك. فأن يقول مثلا: هو عندي، لكن لا أسلمه إلا للسلطان، يجوز. قال: فهو شريكه بالجرم، يعني إذا كان على الوصف المذكور. وقد لعنه الله ورسوله. قال: روى مسلم بصحيحه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله من أحدث حدثا، أو آوى محدثا». والمحدث هو أمثال هؤلاء المذكورين: المحارب، والسارق، والقاتل، ممن وجب عليه حق، أو حد لله، أو لآدمي. فلا يجوز أن يؤوى. وهكذا كذلك المحدث بالبدعة، فإن أهل العلم الحقوه فيه. قال: فإنه يطلب منه إحضاره، أو الإعلام به. فإن امتنع، عوقب بالحبس، والضرب، مرة بعد مرة، حتى يمكن من ذلك المحدث. كما ذكرنا أنه يعاقب الممتنع من أداء الواجب. فإذا علم السلطان أنه دخل بيت فلان، أو في القرية الفلانية، فإنه يأتي بهم، أو يأتي به، ويسأله، ويشدد عليهم. فإن أجاب، وإلا حبس وضرب حتى يرد، ويخرج من اختبأ عندهم من هؤلاء المفسدين المجرمين. قال: فما وجب حضوره من النفوس والأموال، يعاقب من منع حضورها. يعني على ما تقدم أن العقوبة الممتنع من أداء الواجب، دلت عليها الشريعة، ومرت معنا أدلة وأحاديث وآثار في هذا. قال: ولو كان رجلا يعرف مكان المال المطلوب بحق، أو الرجل المطلوب بحق، وهو لم يمنعه، فإنه يجب عليه الإعلام به، والدلالة عليه، ولا يجوز كتمانه. يعني: من علم لا يجب أن ينتظر، بل لا يجوز له أن ينتظر حتى يسأل. فإن الإخبار بأماكن المجرمين والمفسدين من التعاون على البر والتقوى، وكتمه من التعاون على الإثم والعدوان. وهو مثل كتمان الشهادة. وقد قال الله عز وجل: ﴿مَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾، فكيف بالمجرم الذي يفسد في الأرض؟ فهو أعظم إثما وجرما. قال: فإن هذا من باب التعاون على البر والتقوى، وذلك واجب. بخلاف ما لو كان النفس أو المال مطلوبا بباطل، فإنه لا يحل الإعلام به. مثل أن يكون سلطان ظالم يطلب أموال الناس بظلم، فالإعلام بمثل هذا من التعاون على الإثم والعدوان، وليس من التعاون على البر والتقوى. ولكن بينهما فرق. كونك تعلم مكان المجرمين، فالإعلام بهذا من التعاون على البر والتقوى، وكتمانه من التعاون على الإثم والعدوان. قال: ففي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما». قال: قلت: يا رسول الله، أنصره مظلوما، فكيف أنصره ظالما؟ قال: «تمنعه من الظلم، فذلك نصرك إياه». والشاهد أنك إذا أبلغت عن المجرمين، نصرتهم، إذ قللت الظلم عنهم في الدنيا، وفي الآخرة. قال: فإن امتنع هذا العالم به من الإعلام بمكانه، جازت عقوبته بالحبس، وغيره، حتى يخبر به. والشاهد من هذا الحديث قوله: «ونصر المظلوم». فمن نصر المظلوم الإعلام بمكان المجرمين والمفسدين. قال: ولا تجوز عقوبته على ذلك إلا إذا عرف أنه عالم به. يعني إذا تيقن، أو غلب على الظن. وأما أن يعذب الجميع، فهذا ظلم. مثلا زعم إنسان أن الرجل دخل في هذه القرية، فيأخذ كل الرجال القرية، يعذبهم، لا، هذا حرام وظلم. ولكن يمكنه أن يسأل، ويسأل، ويسأل، حتى يغلب على الظن، أو يقرب من اليقين أن فلان من الناس يعلم، فيشدد على هذا الذي اجتمعت حوله هذه الدلائل. قال: وهذا مضطرد فيما يتولاه الولاة والقضاء، وغيرهم، في كل من امتنع من واجب من قول أو فعل. وليس هذا مطالبة للرجل بحق وجب على غيره، ولا عقوبة على جناية غيره. لماذا؟ لأن هذا حق. وأما إذا لم يعلم، فهذا ظلم. قال: حتى يدخل بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا لا يجني جان إلا على نفسه». وهو حديث صحيح، كما أشار بالتعليق. وقد ذكره العلامة الألباني في الصحيحة. قال: وإنما ذلك مثل أن يطلب بمال قد وجب على غيره، هو ليس وكيلا، ولا ضامنا، ولا عنده مال. أو يعاقب الرجل بجريرة قريبه، أو جاره، من غير أن يكون قد أذنب، لا بترك واجب، ولا بفعل محرم. فهذا الذي لا يحل. ومعناه: إذا لم يعلم، لا يجوز أن يعاقب، ولا يحبس، ولا يضرب. ولكن إذا علم، وامتنع. قال: فأما هذا، فإنما يعاقب على ذنب نفسه، وهو أن يكون قد علم مكان الظالم الذي قد تعلق به حقوق المستحقين، فيمتنع من الإعانة والنصر الواجب عليه بالكتاب والسنة والإجماع. إما محابة، أو حمية لذلك الظالم. المحابة تقرب، كأن يرجو منه شيء، والحمية لأنه من قبيلته مثلا، أو من قرابته. قال: وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. حتى لو كان عدوا، فإنه لا يجوز أن يضاع حقه. حتى لو كان عدو، بل لو كان كافر محترم المال، كالذمي والمستأمن والمعاهد، لم يجوز نصرة المسلم الظالم المعتدي على مال الكافر، بحجة أن هذا مسلم، وهذا كافر. بل يجب إعانة المظلوم، ولو كان كافرا، يعني ممن هو محترم المال. فكيف إذا كان مسلما، ولو كان بينه وبينه قتل، أو خصومة، أو غير ذلك؟ لا يجوز إعانة الظالم على المظلوم. طيب، نقف إلى هنا، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس اللاحق. اشتركوا في القناة.