الدرس في شرح السياسة الشرعية 21، الدرس الحادي والعشرون:من( فإن التعاون نوعان الأول تعاون على البر والتقوى من الجهاد ... في مصالح أصحابها أولى من تركها بيد من يضيعها على أصحابها وعلى المسلمين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ مفهوم التعاون على البر والتقوى وأهميته في إقامة الواجبات الشرعية. التعاون على البر والتقوى واجب حتى مع وجود حاكم ظالم أو فاسق.
يناقش المقطع مسألة التعاون على الإثم والعدوان وحدود طاعة ولاة الأمور، ويوضح أن طاعة ولاة الأمور تكون في المعروف. يحرم التعاون على الإثم والعدوان مثل إعانتهم على قتل نفس معصومة.
يشرح الشيخ تفصيل طاعة ولي الأمر وإعانتهم على التخلص من المظالم. يجب توجيه الأموال المأخوذة بغير حق إلى مصالح المسلمين وفقا لرأي شيخ الإسلام ابن تيمية.
ينصح المقطع بالتودد إلى الناس لتخفيف غضبهم وتجنب الشر والمظالم. النية الخالصة وراء هذا التودد هي تجنب الأذى وليس التملق أو التزلف.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه «السياسة الشرعية»: «قال: فإن التعاون نوعان: الأول تعاون على البر والتقوى، من الجهاد، وإقامة الحدود، واستيفاء الحقوق، وإعطاء المستحقين، فهذا مما أمر الله به ورسوله. ومن أمسك عنه خشية أن يكون من أعوان الظلمة، فقد ترك فرضا على الأعيان أو على الكفاية، متوهما أنه متورع. وما أكثر ما يشتبه الجبن بالفشل، وما أكثر ما يشتبه الجبن والفشل بالورع، إذ كل منهما كف وإمساك. وهذا باب عظيم من أبواب التعاون على البر والتقوى، خفي يخفى على الكثير من الناس، ولا يعرفه إلا الراسخون في العلم». وفي هذا المعنى، وقريب منه في مسائل الفقه، ما يروى عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى في حثه على التخفيف عن الناس، والتيسير في حدود الشرع، وأن من استطاع ذلك فقد فعل أو فتح بابا عظيما من أبواب الخير والبر. وإلا فالتشديد، كل أحد يحسنه. التشديد كل أحد يحسنه. كون الإنسان يقول: لا يجوز هذا، سهل ويسير. وكون الإنسان يقول: يجوز، لكن بعلم، ويقول لك: رخصة، لكن بعلم، هذا باب عظيم لا يدركه إلا الراسخون المتقون من أهل العلم. ولذلك فإن الكثير من الناس، ظنا منهم أنهم يطلبون السلامة، قد يحرمون على الناس ما أحل الله، ويشددون في موضع يصلح فيه التيسير، ويتورعون في موضع لا يصلح فيه التورع، بل قد يكون -كما قال رحمه الله- في هذا الموضع من فروض الأعيان أو من فروض الكفايات، وهو يظن أنه مما فيه شبهة، والأفضل التورع فيه. وقوله: «ما أكثر ما يشتبه الجبن والفشل بالورع»، هذا كما قال رحمه الله. ووجه الشبه -كما قال- «إذ كل منهما كف وإمساك». ومثل شيخنا رحمه الله تعالى على هذا بقوله: «قال: التعاون نوعان: الأول تعاون على البر والتقوى، من الجهاد، وإقامة الحدود، واستيفاء الحقوق، وإعطاء المستحقين، فهذا مما أمر الله به ورسوله»، حتى لو كان ولي الأمر فاسقا أو ظالما، لكنه أمر بالجهاد، فإننا نخرج للجهاد، أو أمر بإقامة الحدود، فإننا نقيم الحدود، ولا نقول: إننا لا نقيم الحدود في ولاية إمام فاسق. وكذلك استيفاء الحقوق وإعطاء المستحقين، كل هذا لا يمنعنا ظلم الوالي أن نقوم به ونتعاون عليه. وهذا باب قد يتورع فيه بعض الناس، زعما منهم أنهم بهذا يعينون هؤلاء الحكام والأمراء على الظلم، وهذا خطأ. بل كونك تكون معهم، فتقيم هذه الحدود والجهاد في سبيل الله، هذا قد يكون من الواجبات العينية أو الكفائية. العينية إذا تعين عليك لسبب أو لآخر، ككونك أعلم الناس بذلك. وكفائي إذا كان يوجد في المجتمع من أمثالك، فهو من فروض الكفايات التي إذا لم يقم بها أحد أثم الجميع، وإذا قام به البعض سقط عن الكل. فكما قال رحمه الله: لا يجوز التخلف عن هذه الواجبات بحجة أنها ولاية إمام فاسق وظالم، لأن ذلك معناه تعطيل هذه الواجبات الشرعية، وهذا لا يجوز. بل الواجب إعانة هذا الأمير المسلم والحاكم المسلم، ولو كان ظالما أو فاسقا، على إقامة الواجبات الشرعية التي أمر الله عز وجل بها. بل وكذلك -كما ذكر رحمه الله- استيفاء الحقوق وإعطاء المستحقين. قد أنت تستوفي الحقوق وتقول: أنا إذا استوفيت الحقوق ربما الحاكم استعملها في غير طاعة الله، ووضعها في مواضع فيها ظلم وفسق. فأنت أديت الذي عليك، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم: «أدوا لهم الذي عليكم، وسألوا الله الذي لكم». فأنت تؤدي الذي عليك. ومن ذلك إن كنت أنت أهل لذلك، فأدي هذا الباب، واعطي كذلك المستحقين. وكذلك من هذا الباب ما سبقت من مسائل ومرت معنا فيما يجوز أخذه من حق على أهل الكفر، أو من كان بمعنى أولئك. وكذلك يؤخذ بعضه على المسلمين، كربع العشر الذي يؤخذ من تجار المسلمين، كما جاء في أثر عمر. فهذا مما حتى عليه الشرع، وجاءت به الآثار والأدلة. وكون الإمام فاسق أو ظالم، هذا أمر آخر. فأنت تفعل ذلك إقامة لدين الله، وكذلك تأدية لما يجب في هذا الباب. ثم إن وقع شيء آخر بغير يدك، وبغير تعاونك، فهذا ليس عليك. هذا على من يقوم به من الظلم. بل سيأتي معنا إن شاء الله أن شيخ الإسلام سيذكر ها هنا تخفيف الظلم، ليس من المعانة على الظلم. وفي هذا الكتاب، وفي كتابه الآخر «المظالم المشتركة»، ظن بعض الناس أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مثل هذه المسائل أجاز ما لا يجوز إجازته. وليس الأمر كذلك. ولكن كان هذا الفهم الخاطئ بسبب قلة الفقه في الدين. والناس بهذا طرفان ووسط. الناس بهذا الباب طرفان ووسط. فطرف فهموا فهما خاطئا، فأحلوا ما حرم الله، وزعموا أن شيخ الإسلام يجيز ذلك. كما تقدم معنا في مسألة المكوس. فبعضهم نسب إلى شيخ الإسلام ظلما وعدوانا وخطأ أن يجيز أخذ المكوس. ونسبوا ذلك لشيخ الإسلام، والشيخ الإسلام من هذا بريء. فتوسعوا في هذا الباب بحجة أن من علماء المسلمين من أجازه. وربما استدلوا ببعض الآثار. وقد تقدم الجواب على هذا. وآخرون ربما اتهموا شيخ الإسلام بالتساهل في هذا الباب، ونسبوه إلى الخطأ. وليس الأمر كذلك. وإنما كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في أحوال خاصة، وفي قضايا دل عليها الدليل، على ما تقدم سبقه الإشارة إليه. ومنه هذه المسألة التي قد تخفى على بعض الناس. فإن من الناس من قد يترك الواجب، ظنا منه أن ذلك من الشبه التي يجب التورع فيها. وليس الأمر كذلك. بل هذا يدخل في عموم ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من أداء ما يجب أداؤه لولاة الأمور المسلمين، ولو كانوا ظلمة، ولو كانوا فساقا، ما أقاموا الصلاة، وما لم يروا كفرا بواحا. وتحت هذا المعنى مسائل كثيرة لا تعد ولا تحصى. لكن بهذه الإشارة يعلم نظائر كثيرة هي بمعنى هذا المذكور. قال رحمه الله: «والثاني: تعاون على الإثم والعدوان، كالمعانة على دم معصوم، أو أخذ مال معصوم، أو ضرب من لا يستحق الضرب، ونحو ذلك. فهذا الذي حرمه الله ورسوله، فلا يجوز التعاون على الإثم والعدوان. ومن ذلك إعانة الولاة على ذلك، فهذا لا يجوز. ولا يقول قائل: هذا ولي الأمر، وأنا مأمور بطاعته. الجواب: أنت مأمور بطاعته في طاعة الله، لا في معصية الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الطاعة في المعروف». وكما قال عليه الصلاة والسلام: «لا طاعة في معصية الله». ولحديث هذا المعنى، وهذا الباب كثيرة. فلا يجوز المسلم أن يعين على الإثم والعدوان، ولو كان مع ولي الأمر. وقولك: «المعانة على دم معصوم»، يعني أن يقتل بغير حق، فلا يجوز. ودماء المعصومين أربعة: المسلم، وكذلك من الكفار: الذمي، والمعاهد، والمستأمن. فهؤلاء دماؤهم معصومة، لا يجوز أن تنتهك إلا بإحدى ثلاث، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حق المسلم. قال العلماء: ومن دونه من باب أولى: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدين المفارق للجماعة، كما صح عنه عليه الصلاة والسلام حديث ابن مسعود وغيره. فإن قال قائل: إن هددني أو خشيت على نفسي من القتل، هل يجوز له أن يقتل النفس المحرمة لدفع القتل عن نفسه؟ الجواب: لا، لا يجوز. فليست نفس الغير أرخص من نفسك. فإنه لا يجوز لك أن تدفع عن نفسك القتل بقتل غيرك. بل يجب عليك أن تقف، ولو أدى ذلك إلى قتلك. ويمكنك أن تجعل لنفسك حلا قبل ذلك. ومن يتق الله يجعل له مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب. قال: «أو أخذ مال معصوم». كذلك، كما تقدم: أموال المعصومين لا يجوز انتهاكها وأخذها، فهي محرمة، حتى الذمي والمعاهد والمستأمن. قال: «أو ضرب من لا يستحق الضرب». كذلك، لا تقول: أنا موظف، أمرت أن أضربه. لا تضرب إلا إذا علمت أن هذا المضروب يستحق الضرب. فإذا لا يستحق الضرب، فلا يجوز. لا يجوز أن ترفع الظلم عن نفسك، فتوقعه في غيرك. فهذا لا يجوز. الأصل في المسلم الحرمة في دمه وماله وعرضه. فاللطمة الواحدة قد تدخلك النار. رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من الصحابة يضرب عبده، فناداه بأعلى صوته عليه الصلاة والسلام. فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم أعتقه. فقال: «لو لم تفعل للفحتك النار، أو لمستك النار». وجعل النبي صلى الله عليه وسلم كفارة من ضرب عبده أن يعتقه. فإذا كان هذا في العبد الذي هو بمثابة الإبن، قد تؤدبه كما تؤدب ابنك، ومع ذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم فيه مثل هذه الخطيئة، فكيف بغيره؟ فالمقصود أنه لا يجوز التعاون على الإثم والعدوان في هذا الباب. فإن التعاون على الإثم والعدوان من الظلم العظيم. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «الظلم ظلمات يوم القيامة». قال: «ونحو ذلك». فهذا الذي حرمه الله ورسوله، لأنه قال: «ولا تعاونوا على الإثم والعدوان». وهذا الباب فيه آيات وأحاديث كثيرة. فلا يجوز المسلم أن يعتدي على أحد. لا يجوز الاعتداء عليه. ولا يكن أمر طاعة ولاة الأمور محلا للفتنة، فيطيعه في معصية الله. لا، بل يطيعه في طاعة الله. وذكرها هنا تنبيه. شيخنا رحمه الله في الشرح بيّن أن طاعة ولاة الأمور لا تخل من ثلاثة أحوال. خلاصة كلامه: أن يأمر بما علم أنه حق، فيطاعون ويعانون. أو أن يأمر بما علم أنه باطل وظلم، فلا يعانون، ولا يجوز له أن يعينهم على ذلك. والثالث: أن لا يعلم هل هو ظلم أو غير ظلم. فهنا قال الشيخ: الأصل وجوب طاعته، إلا إذا وجدت قرائن تدل على أنه ظالم، مثل أن يعرف من حال هذا الوالي أنه كثير الظلم، أو أن نعلم من حال الرجل الذي وجهت إليه القضية أنه لم يفعل ذلك -يعني أنه بعيد أن يفعل ذلك- فحينئذ نتوقف ونناقش، ولا يجب علينا أن ننفذ، لأن عندنا قرينة تدل على ظلمه، إما من حال الولي أو من حال المتهم. قال شيخنا: هذا هو التفصيل في هذه المسألة. ثم قال: وأما القول بأننا لا نطيع ولي الأمر حتى يتبين لنا أنه محق، فهذا ليس بصحيح. لأن الأصل وجوب طاعة ولي الأمر. وهذا التفصيل مهم، وبه تصل إلى قرائن كثيرة قد تصل بها إلى معرفة حال ما لم تعرف حكمه أو حاله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «قال: نعم، إذا كانت الأموال قد أخذت بغير حق، وقد تعذر ردها إلى أصحابها، ككثير من الأموال السلطانية...». وتقدم معنا هذه الأموال السلطانية التي تأخذ بغير حق، كالجبايات والمكوس وغيرها. قال: «فالمعانة على صرف هذه الأموال في مصالح المسلمين، كسداد الثغور، ونفقة المقاتلة، ونحو ذلك، من الإعانة على البر والتقوى. إذ الواجب على السلطان في هذه الأموال، إذا لم يمكن معرفة أصحابها وردها عليهم، ولا على ورثتهم، أن يصرفها مع التوبة -إن كان هو الظالم- إلى مصالح المسلمين». وقد تقدم معنا أن هذا النوع من الأموال يلحق بالفيء. يلحق حكمه بالفيء. كل مال مجهول صاحب فإنه يلحق بالفيء. فلا يقولن قائل: هذا من التعاون على الإثم والعدوان. بل هذا من التعاون على البر والتقوى. إعانة الظالم على التوبة من التعاون على البر والتقوى. فكونه تاب وأراد أن يتخلص من هذه الأموال، فما استطاع أن يصل إلى أصحابها، فأعنته، فوضعها فيما أمر الشرع بوضعها، فهذا من التعاون على البر والتقوى، وليس من التعاون على الإثم والعدوان. وبه ننتبه ونعرف كذلك أن هذا الباب يحتاج إلى علم. لأن الكثير من الحكام والأمراء يجهلون الأحكام الشرعية. فإذا لم يوجد حولهم من بطانة الخير من يعينهم على التزود والمقاربة، ربما وقع منهم خطأ. وعولج الخطأ بالخطأ. ولذلك ينبغي على من حول ولاة الأمور أن يرجع إلى أهل العلم، وأن يعين ولاة الأمور على الرجوع إلى أهل العلم في التخلص من المظالم، وفي كذلك التوبة، وكذلك التزود فيما أرادوا التزود والمقاربة فيه، حتى تخفيف الشر، فإنه ليس بالعاطفة والهوى، ولكن بالعلم، كما سيأتي إن شاء الله. قال رحمه الله تعالى: «قال: إذا لم يمكن معرفة أصحابي وردي عليهم ولعلى ورثة...». يعني: وردها عليهم، أو على ورثتهم. «من يصفها مع التوبة. ولابد من شرط التوبة، فلا يكفي أن يصرفها من دون أن يتوب، بل لابد من التوبة المستوفية لشروطها». قال: «إن كان هو الظالم إلى مصالح المسلمين». هذا هو قول جمهور العلماء: كمالك، وأبي حنيفة، وأحمد، وغيرهم. وهو منقول عن غير واحد من الصحابة. وعلى ذلك دلت الأدلة الشرعية، كما هو منصوص في موضع آخر. وإن كان غيره قد أخذها، فعليه هو أن يفعل بها ذلك. يعني: أن يردها إلى من هي له. فمثلا قد يكون الأمير متورعا في أموال الناس، وكذلك مكتفيا بما عنده، أن يظلم أحدا. لكن بعض عماله وبطانته قد يظلمون الناس، فيأخذون أموال الناس بغير حق. فإذا علم ذلك، وجب على الأمير، ومن علم ذلك، أن يعين على رد هذه المظالم إلى مواضعها. فإذا لم يعلم مواضعها، وجهل، فإنه يصرف في مصارف الفيء، كما تقدم. قال: «وكذلك لو امتنع السلطان من ردها، كانت الإعانة على إنفاقها في مصالح أصحابها أولى من تركها بيد من يضيعها على أصحابها وعلى المسلمين». وهذا من تخفيف الشر، وهو مما يدخل في الباب الأول من التعاون على البر والتقوى. وليس هو من الأمور المشتبهة التي يتورع فيها. بل التورع في ذلك قد يكون فيه شيء من الإثم. لأنك تستطيع أن ترد بعض المظالم إلى أهلها، وبيدك ذلك. فتورعت تورعا باردا غير صحيح. غيرك لا يستطيع أن يرد. ربما يتعين عليك على وجه الوجوب العيني أن تردها إلى أصحابها، ككون هذا الإنسان من بطانة الملك أو السلطان، وعلم أن السلطان عنده أموال فيها من هذه المظالم. فإذا كان كذلك، فكونك تجتنب وتتورع وتبتعد، ليس بأنفع للناس، ولا بمثدر لك عند الله، ما دمت تستطيع أن ترد بعض تلك المظالم إلى أصحابها. فمثلا لو كان السلطان يأخذ أموالا بغير حق، ثم ينفق بعضها في المصالح العامة، يريد بذلك الذكر الحسن لنفسه. فكونك ترد بعض هذه الأموال في مصالح البلد التي أخذ منها هذه المظالم، فينتفعون بها، هذا من تخفيف الشر، ومن رد بعض الحق. وأنت مأمور أن تعين على ذلك، كما ذكر: «كانت الإعانة على إنفاقها في مصالح أصحابها أولى من تركها بيد من يضيعها على أصحابها وعلى المسلمين». حتى ولو أن تشير بمشورة، فتقول: ما رأيكم أن يجعل بعض هذا المال في مصالح القرية الفلانية؟ فلعل هذا يخفف غضبهم عليكم، ويعين على حبهم لكم، ونحو ذلك. أنت لا تنوي بذلك التملق، ولا تنوي به كذلك التزلف، ولا شيء من أمر الدنيا. وإنما تريد بهذا تخفيف الشر، ورد بعض المظالم. فلك ما نويت. وإنما العمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. طيب، نقف إلى هنا، ونترك إن شاء الله الباقي لدرس لاحق. والله أعلم.