حلية طالب العلم  23

حلية طالب العلم 23

الدرس في حلية طالب العلم 23، الدرس الثالث والعشرون:من( وهكذا كانت الأوقات عامرة في الطلب ومجالس العلم ... يحتاج إلى عقل ودين وضبط وحذاقة بالصناعة مع أمانة تعرف منه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية تنظيم الوقت لطلبة العلم وانتقاد الاعتماد على المذكرات

يؤكد الشيخ على أهمية تنظيم الوقت لطلبة العلم لتحصيل العلم بشكل فعال، ويشير إلى ضرورة تقسيم الوقت بين التحصيل والسماع والقراءة والبحث والتدوين. كما ينتقد أسلوب بعض المعاصرين في الاعتماد على المذكرات بدلاً من الأصول المعتمدة لأهل العلم.

صفات طالب العلم ودور العقل الجيد في طلب العلم

يؤكد المؤلف على أهمية حفظ وفهم العلم، ويشير إلى ضرورة أن يكون لدى طالب العلم محفوظات من كتاب الله وسنة النبي، ويعدد صفات طالب العلم مثل العقل الجيد والدين والضبط.

وسائل تنمية العقل والفهم لطالب العلم ودور الدين

يؤكد على أهمية مجالسة الأشياخ وكثرة القراءة والبحث والسؤال عن الإشكالات لتنمية العقل وتوسعة الفهم، كما يشير إلى أهمية الاستعانة بالأقران الأذكياء وضبط الفهم بالرجوع إلى تفسيرات أهل العلم.

الأمانة في طلب العلم وتحذير من المعاصي

الأمانة في طلب العلم تشمل الأمانة في العلم والمال والأعراض، وتحذير من السرقات العلمية ونسبة ما ليس للشخص لنفسه. المعاصي لها تأثير سلبي على طالب العلم وتحرمه من طريق طلب العلم.

  • 27 جمادى الآخرة 1432هـ - 30/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قالوا: هكذا كانت الأوقات عامرة بالطلب ومجالس العلم، فبعد صلاة الفجر لإعتكاف البوحي، ثم تكون القيلولة قبيل صلاة الظهر، وفي أعقاب جميع الصلوات الخمس تعقد الدروس. وكان في أدب جم وتقدير بعزة نفس من الطرفين على منهج السلف الصالح، رحمه الله تعالى. ولذا أدركوا وصار منهم في عداد الأئمة في العلم جمع غفير، والحمد لله رب العالمين. والمعنى من أعظم الأمور التي يحتاجها طالب العلم في طريقه العلمي، لأجل أن يستفيد وكذلك يفيد، أن ينكب على طلب العلم بإعمار وقته بهذا الطلب. فكان لطلبة العلم مجالس علم وقراءة من بعد صلاة الفجر إلى ارتفاع الضحى، يعني إلى قريب الظهر، ثم يأخذون القيلولة، ثم بعد كل صلاة تكون دروس كذلك. ولعله مر معنا أن هذا كان دأب العلماء قديمًا، ولا يزال كذلك بفضل الله، أهل العلم يتفرغون للتعليم وطلبة العلم يحرصون على التحصيل. واليوم كذلك يمكن لطالب العلم أن يستعين بالكثير من الوسائل الحديثة، سواء ملفات صوتية في أجهزة الحاسوب لدروس متنوعة عديدة لمشايخ متنوعين في علوم متنوعة، وهكذا كذلك كتب أهل العلم، خصوصًا إذا تعلم كيفية البحث، فإنه يستطيع أن ينتفع بوقته بإعماره بالطلب والتحصيل. ويحسن بطالب العلم أن يقسم وقته أقسامًا، فمثلًا يجعل وقتًا للتحصيل والسماع والقراءة على المشايخ، ووقتًا لنسخ وترتيب الفوائد التي كتبها، ووقتًا ثالثًا للبحث في المسائل التي تمر عليه وتحتاج لتحقيق وفيها شيء من الإشكال، فيبحث في كتب أهل العلم، سواء الكتب التي تتيسر في يده أو في كذلك بعض البرامج كما تقدم معنا، أو حتى يتصل بأهل العلم ويسألهم، ويجعل وقتًا للسؤال والاستفسار، ويدون ذلك كله في كراريسه ودفاتر فوائده، فإن ذلك سينفعه في المستقبل عند أن يقوم بالتدريس والتعليم. قال رحمه الله: «فهل من عودة إلى أصالة الطلب في دراسة المختصرات المعتمدة، لا على المذكرات، وفي حفظها لا لاعتماد على الفهم فحسب، حتى ضاع الطلاب، فلا حفظ ولا فهم». ينتقد رحمه الله أسلوب بعض المعاصرين، خصوصًا في الجامعات، فإن الكثير من أساتذة الجامعات طلبًا لتسهيل العلم للطلاب في ظنهم، جعلوا مذكرات على الكتب، هذه المذكرات يختصر فيها المدرس خلاصة الكتاب. فمذكرة مثلًا للشيخ فلان مدرس مادة الفقه، وآخر ومذكرة أخرى للشيخ فلان مدرس مادة التفسير، وللشيخ فلان مدرس مادة الحديث، وهكذا. ثم بعد ذلك يأتي السنة المقبلة أو نصف السنة مدرس آخر، فلا يرتضي المذكرة الأولى ويبدأ بمذكرة ثانية، حتى تشتت الطلاب في هذه المذكرات، ثم لا تخل هذه المذكرات من إضافات ومن نقص، نقص مخل وإضافة كذلك مخلة وخاطئة، فيزداد طلبة العلم تشتتًا، ولا يبقى لهم أصل يرجعون إليه. بخلاف لو اعتمدوا على أصول أهل العلم المعتمدة، كما تقدم في كل فن توجد كتب للمبتدئين وكتب للمتوسطين وكتب للمتمكنين. وقراءة طالب العلم في هذه الكتب أولًا يمكنه من ضبط العلم، وثانيًا لأن هذه الكتب في الغالب مخدومة بشروحات وحواشي وتعليقات، منها ما هو مسموع ومنها ما هو مكتوب ومنها ما هو مبسوط ومنها ما هو مختصر، فينتفع طالب العلم من هذه التعليقات على نفس المتن، فيزداد رسوخًا وكذلك تمكنًا وتدقيقًا وتحقيقًا في الكثير من الدقائق والخفايا التي قد لا يجدها ولا يتيسر له الوصول إليها في تلك المذكرات التي ينشئها بعض الأساتذة، ظنًا منهم أن ذلك يسهل العلم. فضاع عليهم فهم العلم وضاع عليهم حفظه، لأنهم ظنوا أن الحفظ يشق على الطلاب، فزهدوهم فيه. فكما قال الشيخ رحمه الله: «فلم يبق فهم ولا حفظ». والطالب إذا لم يكن معه حفظ ولا فهم، فليس بطالب علم، لأن طالب العلم يحتاج أن يكون عنده خزينة علمية محفوظة ومفهومة تعينه على طريقه العلمي. وكما تقدم، لابد أن يكون عند طالب العلم محفوظات، وأهم المحفوظات كتاب الله سبحانه، وما يتيسر من صحيح السنة، على ما تقدم التنبيه عليه من المتون العلمية في الحديث، وكذلك ما يتيسر من متون أهل العلم في العلوم، لأن ذلك يعين طالب العلم على الاستشهاد بالشواهد، وعلى كذلك ضبط هذا العلم وإتقانه ونحو ذلك. قال رحمه الله: «وفي خلو التلقين من الزغل والشوائب والكدري سير على منهاج السلف والله المستعان». ومعناه أن من ثمار تلك المذكرات أنها تبعد طالب العلم عن التلقين، لأنه لا يكون عنده أصل يرجع إليه ويقرأ فيه، فشتت المدرسون الطلاب بكثرة المذكرات، وتبقى أصول أهل العلم مهملة. مع أنه لا يخفى لو كرر قراءة تلك المتون صار لطالب العلم حتى ملكه في كيفية قراءة المتون والتدقيق في تصويب عباراتها ومعرفة خفاياها. ولا شك أن التلقين بقراءة المشايخ على الطلاب وقراءة الطلاب على المشايخ فيه تصويبات كثيرة لغوية ونحوية ونطقية، وكذلك بمعرفة مواضع الإبهام والإشكال وغير ذلك كثير. وإهماله مثل هذا من زغل العلم ومن مسببات الشوائب والكدر، ومعناه يكون عند طالب العلم شيء من الغفلة، عنده معلومات متناثرة من تلك المذكرات، وليس عنده أصل يرجع إليه، ولا يحسن حتى قراءة كتب أهل العلم، لأنه تعود قراءة المذكرات وأهمل تمامًا وأعرض عن كتب أهل العلم المعتمدة. فإذا أتي له بكتاب من كتب أهل العلم تعجب من تلك القوة العلمية في العبارات، حتى كأنه يقرأ كلامًا ليس بعربي، لأنه تعود تلك المذكرات التي نصفها كتب باللغة، كتب باللهجة العامية، ومليء بالأخطاء النحوية واللغوية، وهو كذلك لا يخلو من حشو وكلام يعني ليس يستند على شيء من الأسس العلمية، فتعود ذاك الحشو فصار كلام أهل العلم الرصين المتين صعب عليه وثقيل، وعبارات أهل العلم الفصيحة البليغة كذلك صعبة وقيلة لا يعرف معناها ولا يعرف نطقها فضلًا عن معناها. لكن من أدمن النظر في كتب أهل العلم المعتمدة أثمره ذلك حسن نطق وفهم وغير ذلك مما يأخذ بيد طالب العلم أن يسير بسير العلماء الذين ساروا بسير سلف الأمة. قال الحافظ عثمان بن خرزاد رحمه الله تعالى: «يحتاج صاحب الحديث إلى خمس، فإن عدمت واحدة فهي نقص، يحتاج إلى عقل جيد ودين وضبط وحداقة بالصناعة مع أمانة تعرف منه». وهذه فائدة أخرى يريد بها المؤلف رحمه الله أن ينبه طالب العلم إلى بعض الصفات التي نبه عليها العلماء مما ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم. وصفات طالب العلم كثيرة، والأخلاق وكذلك الأقوال والأفعال والأحوال التي ينبغي أن يحرص عليها طالب العلم كثيرة، لكن يذكر العلماء الأهم من ذلك. فمن ذلك المهم أو الأهم هذه الصفات الخمس التي ذكرها هذا الحافظ، قال: «يحتاج إلى عقل جيد»، لأن العقل يحتاج إلى فهم كلام أهل العلم، فكثير من طلاب العلم لنقص أفهامهم ربما تصدر منه شذوذات علمية ومجادلات سقيمة وغير ذلك من التصرفات الشاذة بسبب سوء فهمه. وقد يقول قائل: كيف يمكن للإنسان أن يجود عقله؟ يقال: يجود العقل بأمور كثيرة، من أهمها ثلاثة أمور. الأمر الأول ملازمته لأهل العلم، فإن ملازمته لأهل العلم في القراءة عليهم والسماع منهم تربية وكذلك تنمية لهذا العقل، فالعقل يكبر ويتربى كالطفل، الطفل الذي يجد اعتناء من أبويه يتطور ذكاؤه وفهمه، والطفل المهمل يبقى ذكاؤه محصور محدود. ولذلك تجد على سبيل المثال أبناء البدو فيهم من الذكاء ما ليس عند أبناء الحضر، لأن أبناء الحضر يغلب عليهم إهمال أبنائهم أي أولياء أمور هؤلاء الأبناء من باب التذليل وكذلك الحب المفرط فيه، بينما شدة حياة البدو تلزمهم الاستعانة بكل فرد من أفراد الأسرة، فيكون ذلك سببًا في مسابقة الطفل سنة من تكليفه من الأعمال والأقوال، وإمرار الكلام الكبير عليه حتى يكون طفلًا محنكًا. حتى الحيوانات كذلك تجد مثلًا في الدجاج، وأريد بهذا تقريب المثال وتأكيده، هذه دجاجة المصنع تبقى كأنها دجاجة غبية ما تحزن تمشي ولا تحزن تتصرف، بينما الدجاجة التي كما يقال تربت بين الدجاج مثلها الذي يسمى عندنا بالدجاج العربي أو الدجاج البلدي تكون فراخها فيها من الفهم والذكاء وحسن التصرف ما يظهر به الفرق بين ذكاء هذه وهذه، وفهم هذه وهذه، والسبب هو ماذا؟ السبب هو اعتناء أم هذه الفراخ، فكان سببًا في حصول هذا النبوغ. وكذلك الإنسان وطالب العلم على وجه الخصوص يحتاج أن يوسع فهمه وينمي عقله بمجالسة الأشياخ والسماع منهم والاستفادة من نصائحهم، فإن ذلك مهم جدًا في تنمية العقل وكذلك توسعة الفهم. ومن ذلك كذلك كثرة القراءة، فكثرة القراءة في كتب أهل العلم تمر عليه عبارات يكون فيها شيء من الثقل في لفظها، فيعتني بماذا؟ بفتح كتب الغريب، غريب الحديث وكتب التفسير والقواميس، فيكتسب بهذا فهمًا للكثير من الألفاظ التي ربما غيره لا زال جاهلًا بها، وبهذا يتوسع فهمه فيدرك من كلام أهل العلم ما لا يدركه غيره. وآكد كذلك مسائل علمية تمر عليه تشكل فيقرأ ويبحث ويسأل، فتتنمى معلوماته ويتوسع فهمه وينمو عقله. والأمر الثالث كذلك من هذه الأمور التي تعين على تنمية العقل كونه يعتني كذلك بالسؤال عن كل ما أشكل، لا يمر عليك شيء مشكل فتتغافله، لأن تغافل ذلك سبب لتبلد الفهم وكذلك نقصه وبقائه في مكانه، بينما إذا حرصت على فتح الإشكالات وفهم ما يمر بك مسموعًا ومقرؤًا، فإن ذلك بإذن الله ينمي من فهمك وعقلك. وقد يضاف كذلك أمر آخر ها هنا، وهو أنه يستعين بأقرانه الأذكياء، فالذكاء أحيانًا يكون فطرة وملكة كما يكون اكتسابًا، فلذلك إذا وجد طالب العلم من أقرانه من هو ذكي ومن هو يسبقه في الفهم، فليحرص على ملازمته، لأنه سيستفيد منه كثيرًا في فهم الأشياء في مشاورته وبعرض ما أشكل عليه، لأنه أقرب المنال من المشايخ والبحث. ثم بعد ذلك يرجع إلى البحث وكلام المشايخ. وقوله: «ودين»، لأن الدين هو أعظم ما يستعين به طالب العلم في تحصيل العلم وفي الاستفادة من علم، فبغير الدين يحرم الإنسان تحصيل العلم وينقطع عن طريق الطلب، وكذلك بغير الدين لا يوفق للعمل في العلم، فيكون من المحرومين. وقوله: «وضبط»، المراد بالضبط ضبط الصدر بحفظ المحفوظ، وضبط الكتاب بكتابة المكتوب إن كان يحتاج إلى ضبط في الشكل أو ضبط في الحرف أو زيادة تفسير للكلمة أو غير ذلك. وهكذا ضبط الفهم، ضبط الفهم بأن تجعل لنفسك قواعد من قواعد أهل العلم في فهم كلام أهل العلم، فلا تفهم بماذا؟ لا تجعل فهمك للنصوص بالارتجال، أن ترتجل يعني تتخرص من نفسك، لا بل احرص أن يكون فهمك مرتبطًا بفهم أهل العلم ومن سبقك من أهل العلم. وتقدمت الإشارة إلى هذا في مباحث سابقة، فكونك تحرص دائمًا في الآية أن تنظر تفسيرها، وفي الحديث تنظر شرحه، وفي الألفاظ تنظر معانيها، هذا من الضبط الذي يعينك على قوة ملكة العلم. وقوله: «وحداقة بالصناعة»، كذلك الحذاقة بالصناعة تتناول أمورًا تتناول الكتابة، فتحسن تعلم الخط، والقراءة فتحسن تعلم مخارج الحروف ونحوها، وكذلك البحث فتحسن تعلم البحث، وكذلك كتب أهل العلم فتسأل عن أولويات في هذه الكتب ودرجاتها ومناهجها. فأنت تعرف مثلًا أن تقريب التهذيب هو كتاب يختص برجال الكتب الستة وبعض الكتب الزائدة عليها المشار إليها في المقدمة، وتعرف منهج الحافظ فيها كذا وكذا، وتعرف أن كتاب الذهبي الميزان هو مختص بالمجروحين، وهكذا تعرف مناهج أهل العلم في الكتب، وهذا بالسؤال والاستفسار وملازمة أهل الخبرة، فتكسبك حذقًا بالصناعة. فإن دخلت بعلم الحديث كنت حاذقًا فيه، لأنك حرصت على إتقان أخذه. وهكذا الأخير قال: «مع أمانة تعرف منه». والمراد الأمانة سواء في العلم، وهذا من أعظم الأمور، فاحذر من السرقات العلمية ومن أن تنسب لنفسك ما ليس لك، أو أن تكذب فتأتي بالغرائب وهي كذب أو غير ذلك، أو كذلك الأمانة في المال وفي الأعراض وغير ذلك، لأن المعاصي لها شؤم على طالب العلم، فتحرمه من طريق طلب العلم. طيب هذا ما يذكر على وجه الاختصار، والله تعالى أعلم.