حلية طالب العلم  8

حلية طالب العلم 8

الدرس في حلية طالب العلم 8، الدرس الثامن:من( 4-دوام المراقبة ... والتواضع للحق وسكون الطائر من الوقار والرزانة وخفض الجناح متحملاً ذل التعلم لعزة العلم ذليلاً للحق ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية المراقبة لله تعالى في سلوك طالب العلم

يؤكد المقطع الأول على أهمية تحلي طالب العلم بدوام المراقبة لله تعالى في السر والعلن، مع ضرورة التوازن بين الخوف والرجاء في سيره إلى ربه. المراقبة تعتبر من صفات كمال العبودية لله عز وجل.

الاعتدال في ممارسة المراقبة والمحاسبة

يناقش المقطع الثاني ضرورة ممارسة المراقبة والمحاسبة باعتدال، دون مبالغة قد تؤدي إلى الوساوس أو القنوط من رحمة الله. كما يشدد على أهمية الإقبال على الله بالدخول في الدين كافة والحرص على المستحبات والواجبات.

صفات أهل مرتبة الإحسان وآداب النفس الجميلة

يتناول المقطع الثالث صفات أهل مرتبة الإحسان مثل الفرح بأحكام الله والتواضع، ويشير إلى أهمية التحلي بآداب النفس الجميلة. هذه الصفات محمودة شرعًا وعقلًا وفطرة وعرفًا وتتطلب جهدًا وتكلفًا للوصول إليها.

التواضع واهميته في سلوك المسلم

يبرز المقطع الرابع أهمية التواضع كصفة محمودة تحتوي على معاني عظيمة، ويحتاج الإنسان إلى جهد وتكلف للوصول إليها، مثلما يحتاج إلى تعلم وتصبر للوصول إلى العلم والصبر.

  • 27 جمادى الآخرة 1432هـ - 30/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ما زلنا في آداب طالب العلم في نفسه، وكان آخر ما أخذناه ما يتعلق بملازمة خشية الله سبحانه وتعالى. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «رابعًا: دوام المراقبة». قال: «التحلي بدوام المراقبة لله تعالى في السر والعلن، سائرًا إلى ربك بين الخوف والرجاء، فإنهما للمسلم كالجناحين للطائر. فأقبل على الله بكليتك، وليمتلئ قلبك بمحبته، ولسانك بذكره، والاستبشار والفرح والسرور بأحكامه وحكمه سبحانه». أي: كذلك من الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم في نفسه، ومن الحلية التي ينبغي أن يتحلى بها أن يتحلى بدوام المراقبة في السر والعلن لله سبحانه وتعالى، أن تراقب الله جل وعلا في كل أحوالك، في أقوالك وأعمالك، وفي كذلك ظاهرك وباطنك، في سرك وعلنك، تراقب الله جل وعلا في ذلك كله. وهي حقيقة كمال العبودية لله عز وجل، وأعلى مراتب هذا الدين وهو الإحسان، أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. فالمحسنون هم الذين بلغوا أعلى مراتب هذا الدين لشدة مراقبتهم لله سبحانه وتعالى في سائر أعمالهم. وقوله جل وعلا: «سائرًا إلى ربك بين الخوف والرجاء، فإنهما للمسلم كالجناحين للطائر»، هذا تنبيه من المؤلف رحمه الله تعالى أن لا يكون الإنسان في هذا الباب مفرطًا ولا مفرطًا. فإن من الناس من يتساهل في هذا الباب فيغلب باب الرجاء، وعند ذلك يغفل عن مراقبة الله سبحانه وتعالى ومحاسبة نفسه في أعماله وأقواله وسائر أحواله، فيثمر ذلك التفريط في جنب الله سبحانه وتعالى والوقوع في صنوف متنوعة متعددة من صغائر الذنوب وكبائرها، بل ربما وصل إلى أعظم من ذلك، وهذا بسبب تغليب باب الرجاء. وطالب العلم ما هو إلا مسلم من المسلمين، وإنسان من الناس، وأحد بني آدم، وكل ابن آدم خطاء، فلا يأمن طالب العلم على نفسه الأمارة بالسوء أن يجره مبالغته في باب الرجاء وغفلته عن المراقبة وتساهله في المحاسبة أن يوصله ذلك إلى تضييع العلم والعمل، فيكون من الخاسرين، والله المستعان. كما أنه في هذا الباب قد يحصل شيء من المبالغة عند بعض الناس فيغلب باب الخوف بشدة مبالغته في أمر المراقبة والمحاسبة حتى يصل به الأمر إلى الوساوس والأوهام والخواطر التي تدفعه إلى القنوط من رحمة الله، إن لم يكن بلسان المقال كان بلسان الحال. فتجد من هذا وصفه وحاله: كثير الاعتزال، مداوم التفكير، منشغل بالهموم والأوهام، متابع لسوء الظن بنفسه، مفرط في الإعراض عما ينبغي أن ينشغل به طالب العلم في نفسه وفي غيره. فتتتابع على هذا الإنسان هذه الأمور حتى يبتلى بأحد خصال ثلاث: إما أن هذا التشديد يدفعه -والعياذ بالله- إلى القنوط من رحمة الله، خصوصًا إذا وجد جلساء سوء لا يحسنون حسن توجيهه وتربيته، ويعانته إلى الخروج من أزمته إلى فسحة السنة وطريق الاستقامة، فيثمر ذلك أن يجروه من الهم والضيق الذي هو فيه والتشديد على نفسه إلى أن يدفع نفسه في مهاوي يوم هالك، بحجة وساعة، ورب غفور رحيم، وغير ذلك من المعاني التي توقعه في الطرف الآخر الخاطئ. أو أنه يصل به الأمر إلى تمام العزلة والانطواء بما يكون فيه حلول الأوهام والوساوس والأمراض النفسية وغير ذلك، بسبب إفراطه في هذا الباب. ودين الله بين الغالي والجافي. والثالث: أنه ربما لا يبتل بهذا وهذا، ولكنه يبتل بتأرجح وكثرة شكوك وتقلب أحوال، مما يخشى عليه من أحد الأمرين السابقين. فالحاصل: أن المسلم ينبغي عليه أن يحرص، وطالب العلم على وجه الخصوص، على أن يداوم المراقبة ويتابع المحاسبة بما يكون فيه الاعتدال، على سبيل السنة والاستقامة على الصراط المستقيم الذي أراده الله لعباده وسار عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله: «فأقبل على الله بكليتك، وليمتلئ قلبك بمحبته، ولسانك بذكره»، هذا تمثيل لبعض معنى المراقبة والمحاسبة، أن يكون عندك إقبال على الله بكليتك، يعني: تدخل في هذا الدين من جميع جوانبه، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾، أي: في هذا الإسلام من جميع جوانبه، لا من باب وتتركوا أبوابًا أخرى، بل تدخلوا في هذا الدين من جميع أبوابه. وهذا هو حقيقة الإقبال على الله جل وعلا، فتحرص على المستحبات كما تحرص على الواجبات. وقوله: «وليمتلئ قلبك بمحبته، ولسانك بذكره»، لأجل أن تعلم أن هذه المراقبة وهذه المحاسبة لنفسك هي من حب لله عز وجل العظيم الرحيم الكريم الذي منَّ عليك بصنوف النعم، ويمدك سبحانه وتعالى بما لا يحصى من المنن والعطايا جل وعلا. فلذلك القلب ممتلئ لله حبًا، وكذلك اللسان كذلك يلهج بذكره جل وعلا بما يكون به طمأنينة القلب وقوة اليقين، وكذلك ثبات الإيمان، وغير ذلك من معاني مرتبة الإحسان. وقوله: «والاستبشار والفرح والسرور بأحكامه وحكمه سبحانه»، هذا كذلك من حال ووصف أهل هذه المرتبة. فإن المرء إذا داوم المراقبة لله وأحسن المحاسبة لنفسه وصدق في الإحسان في عبوديته، فإنه يستبشر ويفرح ويسر كل السرور بأحكام الله عز وجل، لا يجد فيها كلفة ومشقة، بل يجد فيها الراحة والطمأنينة والبهجة. كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أرحنا بها يا بلال»، فصارت الصلاة سببًا للراحة والطمأنينة واليقين والفرح وغير ذلك. وهكذا سائر الأحكام يفرح المؤمن بصيامه، ويفرح المؤمن بصدقته، ويفرح المؤمن بره وصلته، وغير ذلك من أحكام هذا الدين. قال رحمه الله تعالى: «خامسًا: خفض الجناح ونبذ الخيلاء والكبرياء». قال: «تحلى بآداب النفس من العفاف والحلم والصبر والتواضع للحق، وسكون الطائر من الوقار والرزانة، وخفض الجناح متحملًا ذل التعلم لعزة العلم، ذليلًا للحق. وعليه فاحذر نواقض هذه الآداب، فإنها مع الإثم تقيم على نفسك شاهدًا على أن في العقل علة وعلى حرمان من العلم والعمل به. فإياك والخيلاء فإنه نفاق وكبرياء». قال: «تحلى بآداب النفس»، يعني: أن طالب العلم ينبغي أن يتحلى بجميع آداب النفس الجميلة التي هي محامد شرعًا وعقلًا وفطرة وعرفًا. فالشرع أمر بها، والعقل يقضي بها، والعرف يعمل بها، والفطرة تدعو إليها. فهذه الآداب هي آداب مطلوبة من جميع الجهات، وطلبها كمال، حتى لا يظن أن فعل شيء منها نقص، لا بل هي كمال. ثم مثل رحمه الله بصفات هي محل اتفاق مع هذه الصفة التي يتكلم عليها، والتي قد تكون عند بعض الناس محل شك ومحل تردد أو توهم أنها ربما على هذا الوصف وفي هذا المكان وبهذا المعيار ليست مما يحمد، والأمر ليس كذلك. فوضع لك المؤلف رحمه الله صفات محل اتفاق مع هذه الصفة لتقارن بها وتقيس، وكذلك تلحق ما لا فرق فيه بعضه ببعض. فالطيب يلحق بالطيب، والخبيث يلحق بالخبيث، والحسن يلحق بالحسن، والسيئ يلحق بالسيئ. فالعفاف والحلم والصبر، هذه صفات محل اتفاق أن المتصف بها محمود ممدوح، وهي في نفس الوقت من صفات المتواضعين. أن يكون عفيفًا، أن يكون حليمًا، لأن المتكبر هو الذي يتطاول على الناس، إذا تطاول عليه ينتقم لنفسه دائمًا. والصبر كذلك من صفاتهم، من صفات أهل هذه الصفات المحمودة. والتواضع كذلك من الصفات المحمودة، والتواضع كلمة يسيرة، لكن تحتها صفات ومعاني عظيمة، قل أن يطيق الإنسان أن يمتثل معانيها وأحوالها. لكن كما قيل: «إنما العلم بالتعلم، والصبر بالتصبر»، فكذلك التواضع يحتاج أن يكلف المرء نفسه في الوصول إلى هذه الصفات المحمودة. نقف لهنا لانتهاء الوقت، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس اللاحق، والله تعالى أعلم.