حلية طالب العلم  29

حلية طالب العلم 29

الدرس في حلية طالب العلم 29، الدرس التاسع والعشرون:من( تنبيه مهم:أعيذك بالله من صنيع الأعاجم والطرقية والمبتدعة الخلفية ... فإنه إنما صار شيخاً جليلاً بتلك فلا تسقط أنت بالتبعية له في هذه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تحذير من الغلو في تعظيم العلماء

يتحدث الشيخ عن ظاهرة الغلو في تعظيم العلماء وتقبيل أيديهم وأكتافهم ويحذر منها. يبين أن التقبيل المأذون به هو ما كان من باب الاحترام دون انحناء أو تذلل لغير الله.

أحكام الانحناء والتقبيل في التحية

يتناول المقطع أحكام الانحناء والتقبيل في التحية ويحذر من الخلط بين المأذون به والممنوع. يجوز تقبيل الرأس كبديل عن تقبيل اليد ويحذر من تخصيص المصافحة باليدين للتعبد أو التبرك.

التحذير من الغلو والتقليد الأعمى

ينبه الشيخ على خطأ الغلو في حق الشيخ وتقليده في كل شيء. يحذر من أن يؤدي حب الشيخ الزائد إلى الوقوع في الشناعة والتقليد المذموم ويوضح أهمية الأخذ بالعلم والعمل الصالح.

أهمية العلم النافع والعمل الصالح

يُنبّه على أن ثناء الناس ليس دليلاً على العلم النافع ويحذر من الاكتفاء به. يشدد على أهمية أن يوفق الإنسان لما يصلح به نفسه وغيره في الدنيا والآخرة.

  • 27 جمادى الآخرة 1432هـ - 30/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فمر معنا في الدرس الماضي ما ذكره من الأخلاق التي ينبغي أن نتحلى بها طالب العلم على شيخه، والآداب، ومنها رعاية حرمة الشيخ. ثم نبه بتنبيه على خلق قد يقع، فيظن أنه من احترام الشيخ، ومن إجلاله، ومن المحافظة على حرمته، وهو في الحقيقة شيء دخيل على الإسلام والمسلمين، بل لم يعرف حتى العرب في جاهليتهم. وهو ذاك التمسح والتذلل الذي جاء من قبل بعض الأعاجم، خصوصا عبدة الأوثان من أهل الهند ونحوهم، فدخل على بعض ضلال المسلمين من أهل البدع والأهواء والمذاهب الطرقية الصوفية، خضوع خارج عن الأدب الشرعي، وكذلك ينافي ما لا يجوز من تعظيم غير الله، أفضى ذاك الغلو إلى ما هو ذريع للشرك والعياذ بالله. ومنها أشياء مستقبحة من التمسح والتقبيل المحدث، وذكر من ذلك لحس الأيدي ومراد المبالغة في تقبيلها، وكذلك تقبيل الأكتاف، سواء مباشرة أو باليد. فبعض جهلة هؤلاء، وممن ينتسب للمسلمين، ربما إذا رأوا إنسانا ينتسب للعلم، ظنوا أن البركة أخذ منه، فاكتفوا بمد أيديهم إلى جسد هذا الإنسان، وقبلوا ما مست من موضع الكف للجسد، كأنهم يقبلون الحجر الأسود. وهذا من البدع المحدثات، فتقبيل الحجر الأسود عبادة وطاعة لله، ليس تعظيما للحجر، ولا كذلك فيه شيء من هذه المعاني، فليس ينال منه بركة، ولا كذلك يجلب به نفع أو يدفع به ضر. ولهذا قال عمر رضي الله عنه، كما في الصحيح عند البخاري وغيره: «أما إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك». واستدل العلماء بهذا وغيره، أنه لا يجوز التعبد لله بتقبيل شيء إلا بما دل الدليل وأذن به الشرع. فهذا التقبيل الذي يفعله هؤلاء الضلال من المتصوفة وغيرهم، من التقبيل المحرم الذي لا يجوز، لما فيه من التذلل والخضوع لغير الله، ولما يفضي إلى التعظيم المنهي عنه، وما يكون معه كذلك من الإنحناء الذي هو معنى من معاني السجود. وليس السجود بوضع الجبهة على الأرض فقط، ولكنه كذلك بما يكون من الإنحناء. ومسألة التقبيل ليست ممنوعة مطلقا، فهناك تقبيل ممنوع، وهناك تقبيل مأذون به مشروع. فيجوز أن يقبل الولد والده في رأسه، والطالب شيخه في رأسه، من باب الاحترام والإجلال. وهكذا كذلك يجوز، على الصحيح وفيه خلاف، أن يقبل الطالب يدي شيخه، أو الابن يدي أبيه، وهكذا ما كان بمعنى من باب الاحترام، لكن بدون انحناء، والمراد انحناء لأجل الإجلال والتعظيم. وأما الانحناء اليسير الذي لا بد منه لأجل التقبيل، فهذا يتبع ضمنا، ولو كان يمكن تركه، إلى مثلا تقبيل الرأس، هذا أفضل وأكمل وأحوط، خروجا من الخلاف، وحتى لا يلتبس على الناس المأذون من الممنوع. لأن بعض هؤلاء الطرقية والمبتدعة يفعلون هذا بشيء من الغلو، يخلطون الذي أذن فيه بعض أهل العلم، وربما يستدلون به في الدفاع عن ما يفعلون، والاستدلال به أنه مشروع بكلام من أذن من أهل العلم، مع أن أهل العلم إنما أذنوا بشروط، أذنوا بحيث لا يكون فيه خضوع، ولا يكون فيه انحناء لأجل التعظيم والإجلال. أما الانحناء لأجل التقبيل، فهذا انحناء يسير، وأما الانحناء لأجل الخضوع، فهذا هو المحذور الذي لا يجوز. فلو ترك فرارا من مثل هذا المحذور، كان أفضل وأكمل، وممكن أن يعوض عنه بتقبيل الرأس، هذا أفضل من تقبيل اليد. يقبل الرأس إذا قبلت رجلا كبيرا في السن أو كبيرا في القدر، فمن باب الاحترام تقبل رأسه. وقد قبل أبو بكر رضي الله عنه رأس النبي صلى الله عليه وسلم بين عينيه حين توفي عليه الصلاة والسلام، فلما كشف عن وجهه، وقد دخل عليه في حجرة عائشة رضي الله عنها، قال: «طبت حيا وميتا يا رسول الله»، وقبله بين عينيه عليه الصلاة والسلام. ورضي الله عنه، فشاهد هذا من المأذون، ويحذر أن لا يختلط المأذون بالممنوع المحذور. وذكر من ذلك القبض على اليمين باليمين والشمال عند السلام، يعني أن تصافح باليدين، أحدهما في باطن الكف والأخرى في ظاهر الكف. فهذه المصافحة والمداومة عليها، كذلك أحذر منها بعض أهل العلم، لكن الصحيح أن في هذا تفصيل. فإن كان على وجه التعبد والخضوع والتبرك، وكذلك التخصيص بأن يكون هذا مع المشايخ أو مع رؤساء الطرق أو غير ذلك، فهذا من البدع والمحدثات. وأما إذا كان قد يفعل ذلك أحيانا، ليس لمثل هذه الأغراض، فهذا جائز. وقد أشار شيخنا رحمه الله في الشرح إلى أنه لا بأس به إذا كان بمثل هذا المعنى. وذكر حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه التشهد، كفه بين كفيه، ونحوه كذلك جاء في حديث ابن عباس في الصحيح، وهو يدل على مشروعية ذلك أحيانا، إذا لم يكن بهذه المعاني والمقاصد الممنوعة. فكونه للخضوع أو التبرك أو التذلل، أو كذلك تخصيص بالتعظيم والإجلال، فهذا كله من الممنوع. فهذا رحمه الله كحال تودد الكبار للأطفال، وهذا كالاستثناء، يعني إذا كانت مثل هذا الوجه، مثل حديث ابن مسعود، فالنبي صلى الله عليه وسلم كبير وابن مسعود صغير، فهو من التودد الجائز. وذاك من التبرك والخضوع والذل لغير الله، وهو ممنوع. قال: والإنحناء عند السلام كذلك، وهذا يكثر في بعض البلاد الأعجمية، فعندهم التحية بالإنحناء، وهذا لا يجوز، حتى سماه بعضهم السجدة الصغراء. فإذا سلم الإنسان يسلم بغير الانحناء. وأعظم من ذلك أن يكون الانحناء فيه جلوس إلى الأرض، كما يحصل كذلك في بعض بلاد أفريقيا، وربما مثله في الهند، في تايلاند، في بعض أطراف جنوب شرق آسيا. فمثل هذه التحية فيها معنى السجود المنهي عنه، لأن السجود لا ينحصر بوضع الجبهة على الأرض، ولكنه بالإنحناء، ومنه قول الله عز وجل: ﴿ادخلوا الباب سجدا﴾، ليس معنا تزحفون على جباهكم، ولكن المراد الإنحناء. ونحوه ما جاء بحديث معاذ حين سجد للنبي صلى الله عليه وسلم، الصحيح في قول أكثر أهل العلم أنه لم يسجد بوضع جبهته على الأرض، وإنما بالإنحناء كما يفعل بعض الناس مع ملوكهم. ولهذا قال رضي الله عنه: «أنت حق بذلك منهم يا رسول الله»، فقال عليه الصلاة والسلام: «لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها، ولكنه لا يسجد إلا لله». ففسر الإنحناء بالسجود. وقال رحمه الله: واستعمال الألفاظ الرخوة المتخاذلة، سيدي، مولاي، ونحوها من ألفاظ الخدم والعبيد، يعني كذلك ليس هذا من الاحترام للشيخ، بل هذا من الغلو المذموم. فلا تقل: يا سيدي، ولا تقل: يا مولاي، ولا تقل كذلك ما كان معناه من عبارات التي توحي بأنك خادم عبد له، بل اترك هذه العبارات الرخوة، والاحترام له باب آخر وأسلوب آخر. ثم قال: وانظر ما يقول العلامة السلفي، تقدم الإشارة إلى هذا الكتاب، قال رحمه الله: «التاسع عشر رأس مالك أيها الطالب من شيخك القدوة بصالح أخلاقه وكريم شمائله، أما التلقي والتلقين فهو ربح زائد، لكن لا يأخذك الاندفاع في محبة شيخك فتقع في الشناعة من حيث لا تدري، وكل من ينظر إليك يدري، فلا تقلده بصوت ونغمة ولا مشية وحركة وهيئة، فإنه إنما صار شيخا جليلا بتلك، فلا تسقط أنت بالتبعية له في هذه». يعني احذر أن يقع منك انصراف عن المقصود من التلمذ على الشيخ، فأنت إنما تأخذ من شيخك العلم، وأعظم من العلم الهدي والسمت والأخلاق، فهو صار شيخا بهذين المعنيين، بعلمه وعمله، العلم النافع الذي حمله، وعمله الصالح الذي رآه، فصار شيخا بالجمع بين الأمرين، فكذلك أنت أحرص على هذين الأمرين، العلم والعمل. فإذا كان كذلك، فليحذر طالب العلم من أشياء قد ترد عليه، وهذا يقع لبعض الطلاب حين يصرفون عن المقصود بآراء شاذة واجتهادات خاطئة واستحسانات محدثة، أن من كمال حب الشيخ ومن طريق الوصول إلى ما وصل إليه أن يقلد في كل شيء، فتقلده في هيئته وفي مشيته وفي صوته وقراءته وغير ذلك، فهذا تصرف نقص. وكما ذكر العلماء: لا يقلد إلا ناقص، فلا تقلد، والنقص بهذا المعنى مذموم، أما النقص بطلب العلم والاستفادة من الخلق والعمل، فهذا ممدوح، أما بهذا فهو مذموم. وقوله: «فتقع في الشناعة من حيث لا تدري وكل من ينظر إليك يدري»، لأنك صرت كذات الذي في الهيام هيام العشق والحب، وأنت في هيام التقليد. وإنما الأعمال بالنيات، قد يكون بعضهم لأجل فرط الحب يقلد من حيث لا يشعر، وبعضهم ربما طلبا للرياسة، فيظن أنه إذا فعل ذلك صار مثل الشيخ. وهذا يقع في الغالب عند من قل عقله أو من قل دينه، لأن من قل عقله يتصور هذا التصور الخاطئ، خاطئ مثل ما تقدم، بعض المجانين ربما يلبسون ثياب الطبيب ويظنون أنفسهم أنهم صاروا بهذا أطباء. وهكذا كذلك قد يقع نحو ذلك ممن قل دينه، أي يكذب ويتلبس ويتحلى بما ليس فيه، والمتشبع بما لم يعطى، المتشبع بما لم يعطى تلابس ثوبي زور، قد ينطل على بعض العامة مثل هذه الحركات، فتوجب الإجلال والتعظيم، فيظن أنه بهذا قد وصل إلى ما يريد، ولكن ليس المقياس هؤلاء المساكين العامة، العامة ربما اليوم يثنون عليك وغدا يذمونك. فبعضهم مسكين ربما إذا رأى ثناء العامة: ما شاء الله، فلان مثل شيخه حتى في القراءة، انظروا في المشية، انظروا في كذا، إذن هو مثله حتى في العلم، فهو يظن المسكين أن حكم العامة ينفعه، وهو في الحقيقة عند العقلاء يضره ولا ينفعه، وليس هذا هو المقصود لا في الدنيا ولا في الآخرة. ولكن المقصود هو أن يوفق الإنسان للعلم النافع والعمل الصالح الذي يصلح به نفسه وغيره، وينتفع به في الدنيا وفي الآخرة. فالمقصود من هذا هو التنبيه أن لا يقع مثل هذا الفعل الخاطئ. نكتفي اليوم بهذا القدر وإلى هنا.