الدرس في حلية طالب العلم 30، الدرس الثلاثون:من( 20-نشاط الشيخ في درسه ... وأما الشرط فتشير إلى أنك كتبته من سماعه من درسه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش أهمية نشاط الطالب وتفاعله مع الشيخ أثناء الدرس، ويشير إلى أن نشاط الشيخ يكون على قدر مدارك الطالب. يؤكد على أهمية تفاعل الطالب مع الشيخ لتحقيق أقصى استفادة.
يشجع الطالب على الانتباه والاجتهاد وطرح الأسئلة، وينصح الشيخ بمراعاة حالة الطالب وتأجيل الدرس إذا كان متعبًا أو مشغولًا. يناقش أهمية آداب الكتابة عن الشيخ أثناء الدرس والمذاكرة.
يناقش أهمية التمييز بين المعلومات المكتسبة في مجالس التدريس والمذاكرة، مع التأكيد على استئذان الشيخ قبل الكتابة. ويؤكد على أن المجالس محكومة بالأمانات ولا يجوز نقل ما يدور فيها دون إذن.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: العشرون نشاط الشيخ في درسه، قال: يكون على قدْرٍ من مدارك الطالب: استماعه، وجمع نفسه، وتفاعل أحاسيسه مع شيخه في درسه. ولهذا فاحذر أن تكون وسيلة قطع لعلمه: بالكسل والفتور، والاتكاء، وانصراف الذهن، وفتوره. قال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى: «حق الفائدة أن لا تساق إلا لمبتغيها، ولا تعرض إلا على الراغب فيها، فإذا رأى المحدث بعض الفتور من المستمع فليسكت، فإن بعض الأدباء قال: نشاط القائل على قدر فهم المستمع». فما ساق بسنده عن زيد بن وهب قال: قال عبد الله: «حدث القوم ما رمقوك بأبصارهم، فإذا رأيت منهم فترة فانزع». انتهى. هذا الأدب من الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم مع شيخه، يتعلق بملحظ خاص يكون به استفادته من الشيخ، وهو أن يراعي لأجل استمرار الدرس والفائدة، وبقاء الشيخ في نفس المستوى من الهمة والنشاط، أن يكون الطالب كذلك في همة ونشاط. وذلك بأن يحرص أن لا يظهر منه قول أو فعل أو هيئة يكون فيها تحبيط لنشاط الشيخ؛ لأنه إن فعل ذلك إما أن يقل وقت الدرس، أو يستمر على وقته، لكن لم يحرص الشيخ على إعطاء كل ما عنده؛ لما يرى من عدم قابلية الطالب لهذا العلم الذي معه. ومثله كمثل شيخ يدرس الطالب المبتدئ، وآخر يدرس الطالب المتوسط، وآخر يدرس الطالب المتفوق، فلا شك أن من يدرس المبتدئ سيراعي معلومات تناسب هذا المبتدئ، ومن يدرس المتوسط سيراعي معلومات تناسب هذا المتوسط، ولو كان الكتاب واحدًا. وهكذا كذلك من يدرس الطالب المتمكن، ستكون المعلومات والفوائد تناسب هذا المتمكن، مع أن الكتاب واحد. فكيف إذا كان الطالب عنده من الأقوال أو الأفعال أو الهيئات ما يصدر منه كلام أو حركات أو تفوه، وفعل يحذر منه: بعض الحركات، كأن يتمطط أو ينعس أو يجلس جلسة غير المنتبه اللامبالي، أو يتلفت يمينًا ويسارًا، أو ينشغل معه قلم أو كتاب أو ورقة أو غير ذلك، أو بشيء بجسده، أو هيئة في الجلوس، وهيئة كذلك في الكتابة، فيها معنى أن لا مبالاة بالدرس. فمثل هؤلاء يحرمون أنفسهم من الاستفادة من الشيخ، وصدق رحمه الله، فإن ذلك من أعظم أسباب حرمان الطالب لعلم الشيخ. فقوله: «وتفاعل أحاسيسه مع شيخه في درسه» يعني أن ذلك من أعظم ما يكون فيه ظهور علم الشيخ. فشيخ إذا رأى الطالب مجتهدًا منتبهًا، يسأل عما يخفى، بل يدقق على دقائق الألفاظ والأحرف وتعبير الجمل، فإنه يعرف أن من معه طالب دكي يستحق أن يعطى فوائد تناسب مستواه. بينما إذا رأى غافلًا لاهيًا عنده شيء من الكسل، فإنه سيكف عن إعطاء شيء من الفوائد. وفي مقابل ذلك، حتى لو كان مجتهدًا، لكن في وقت ما كان متعبًا، فحضوره في الدرس على وجه فيه نصب وتعب، يظهر أثره عند الشيخ، ويكون سببًا كذلك في حرمانه، وتخفيف الشيخ؛ حتى من باب رفق الشيخ بالطالب. ولذلك كذلك هذه النصيحة في الحقيقة للشيخ والطالب؛ لأن الشيخ إذا رأى من الطالب قبولًا واستعدادًا، فلا يتعب نفسه. فمثله كمثل من يخاطب شجرة أو جدارًا أو حجرًا، هل في هذا فائدة؟ لا فائدة. فلهذا خير له أن لا يتعب نفسه، يقول له: كأن يرثى اليوم متعب، فإذا نؤجل درسنا إلى وقت آخر، وهذا هو الأليق والأنسب. ألا يبدل العلم إلا لمبتغيه، كما ذكر معناه في كلام الخطيب وغيره. وأما كلام الخطيب البغدادي في قوله: «حق الفائدة لا تساق إلا لمبتغيها» فهو بمعنى ما تقدم، «ولا تعرض إلا على الراغب فيها، فإذا رأى المحدث بعض الفتور من المستمع فليسكت»؛ لأنه حتى ولو كان كما تقدم مجتهدًا، قد يكون متعبًا أو مهمومًا، مشغولًا أو نحو ذلك. فليقل له: أراك اليوم مشغولًا أو مهمومًا أو كذا، فإن شاء الله نؤجل درسنا إلى وقت آخر، كما تقدم. لا فائدة من درس لا أحد يرغب فيه، ولا أحد يستفيد منه. وقوله: «إن بعض الأدباء قال: نشاط القائل على قدر فهم المستمع» المقصود ما تقدم، يعني لا يتعب نفسه القائل ما دام المستمع لا يفهم، وإلا فمثله كمثل الجمادات أو الحيوانات. وممكن إنسان يكلم بهيمة، ما في فائدة، يكلم جدارًا، ما في فائدة. إذن لا فائدة في الدرس. وكذا كذلك قول زيد بن وهب قال: عبد الله: «حدث القوم ما رمقوك بأبصارهم، فإذا رأيت منهم فترة فانزع» يعني إذا رأيت منهم انشغالًا فأترك هذا التدريس. قال رحمه الله: الحادي والعشرون الكتابة عن الشيخ حال الدرس والمذاكرة، وإذا اختلف من شيخ إلى آخر فافهم. ولهذا أدب وشرط. أما الأدب فإن بغيت أن تعلم أنك ستكتب أو كتبت ما سمعته مذاكرة. وأما الشرط فتشير إلى أنك كتبته من سماعه من درسه. ومعناه من أدب الطالب مع الشيخ كذلك أن تكتب أثناء الدرس فتبين ذلك بكتابتك، أو أثناء المذاكرة فتبين؛ لأن العلماء كانت لهم مجالس هي مجالس تدريس، وهناك مجالس أخرى مجالس مذاكرة. ومجالس المذاكرة هي اختبار المعلومات، ولهذا فلا يعول عليها في التحديد؛ لأنه قد يخطئ. وأما مجالس التدريس فهي المجالس التي يهيأ لها وعليها العمدة. فلذلك ينبغي أن تبين وتميز العلم. فمثلًا إذا كنت في السفر مع شيخك، فسمعت بعض المعلومات من الشيخ، فمن المهم أن تكتب هذه المعلومات، وتنبه في كتابتك لهذه المعلومات أنها كانت في سفر. لماذا؟ لأن الشيخ بعيد عن كتبه، لم يكن محضرًا لهذه المعلومات، فقد يخطئ في بعضها. وأما ما كان في مجلس التدريس فهي في الغالب معلومات قد نقحت، واستعد لها الشيخ. وكان أهل العلم من أهل الحديث قديمًا يفرقون هذا التفريق، فيجعلون العلم الذي يكون في مجلس التحديث له تنبيه خاص، وما كان في المذاكرة كذلك. ثم كذلك لابد من استئذان الشيخ في الكتابة؛ لأنه لو علم أنك تكتب منه في وقت لا يأذن أن تكتب، ربما تحفظ في بعض المعلومات حتى لا تأخذ إلا الصواب. والمجالس بالأمانات كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم معناه، فلا يجوز للإنسان أن ينقل ما في مجلس حتى يستأذن، وحتى يؤذن له. طيب نكتفي هذا اليوم بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم.