الدرس في حلية طالب العلم 31، الدرس الحادي والثلاثون:من( 22-التلقي عن المبتدع ... أما الأخذ عن علماء السنة فالعق العسل ولا تسل ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول التحذير من أهل الأهواء والمبتدعين الذين يردون الكتاب والسنة بالذوق والوجد، ويشرح حالهم وأثرهم على المجتمع. كما يبين حكم الأخذ عن المبتدعين وأهل البدع.
يُنبه على خطورة مخالطة أهل البدع وضرورة هجرهم، ويذكر أمثلة من أقوال السلف وتعاملهم مع المبتدعة، حيث كانوا يحذرون من مخالطتهم ومشاورتهم ومؤاكلتهم.
يتناول موقف السلف الصالح من أهل البدع، حيث كانوا يهجرونهم ويبتعدون عنهم تحذيرًا من بدعهم وشرهم، مع مراعاة المصالح والمفاسد في التعامل معهم.
يُنبه على خطورة الشخص الذي ينتسب إلى السنة دون أن يكون معروفًا أو موثقًا من قبل كبار العلماء، ويحذر من احتمال وجود خلل في اعتقاده أو منهجه.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنه محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: التلقي عن المبتدع. قال: احذر أبا جهل المبتدع الذي مسه زيغ العقيدة، وغشيته سحب الخرافة، يحكم الهوى ويسميه العقل، ويعدل عن النص، وهل العقل إلا في النص؟ ويستمسك بالضعيف ويبعد عن الصحيح. ويقال لهم أيضًا: أهل الشبهات وأهل الأهواء. ولذا كان ابن المبارك رحمه الله تعالى يسمي المبتدعة الأصاغر. وسموا أهل الشبهات لأنهم يتتبعون المتشابه من الكلام، فهم أهل زيغ كما قال الله عز وجل: ﴿منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخرى متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يتذكر إلا أولو الألباب﴾. الشاهد أن أهل الأهواء هم الذين يتتبعون المتشابه. وأهل الأهواء سموا أهل الأهواء لأنهم يتتبعون الهوى ويزنون بالهوى. وقال الذهبي رحمه الله تعالى: إذا رأيت المتكلم المبتدع يقول: دعنا من الكتاب والأحاديث وهات العقل، فاعلم أنه أبو جهل. وإذا رأيت السالك التوحيدي يقول: دعنا من النقل ومن العقل وهات الذوق والوجد، فاعلم أنه إبليس قد ظهر بصورة بشر أو قد حل فيه -يعني الشيطان- قال: فإن جبنت منه فاهرب، وإلا فاصرعه واجلس على صدره واقرأ عليه آية الكرسي واخنقه. وهذا من باب التحذير من أهل الأهواء. إن باب التحذير من أهل الأهواء، فأهل البدع والأهواء هذا حالهم: رد الكتاب والسنة بالذوق والوجد وغير ذلك من معاني الضلال، فلا يجوز أن يعترض الكتاب والسنة لا بعقل ولا بعاطفة ولا برؤى وأحلام، ولا كذلك بذوق ووجدان ولا غير ذلك. والمراد بالذوق والوجد: أي زعمه أن هذا يخالف الذوق، وأن هذا لا يقتضيه العقل، وأن في النفس منه شيء، ونحو ذلك من خواطر الشيطان التي يقذفها بقلوب أهل الأهواء، فيردون النصوص الصحيحة الصريحة التي جاءت بها الشريعة المحكمة. قال: وقال أيضًا رحمه الله تعالى: وقرأت بخط الشيخ الموفق، قال: سمعنا درس ابن أبي عصرون مع أخي أبي عمر، فانقطعنا عنه، فسمعت أخي يقول: دخلت عليه بعد ذلك، فقال: لمن قطعت عني؟ قلت: إن ناسًا يقولون: إنك أشعري. فقال: والله ما أنا أشعري. هذا معنى الحكاية. انتهى. ومعناه أن أهل العلم كانوا يدعون الشيخ إذا علموا أنه عنده شيء من البدع، وذلك لأمرين: الأمر الأول: ردعًا لهذا الشيخ عن بدعته حتى يترك البدعة إذا هجره الناس وابتعد عنه الناس. والأمر الثاني: أن يحمى المجتمع من شره وبدعته، حتى ولو كنت ترى نفسك أنك في حماية من بدعته، فغيرك ليس في حماية، فأنت تغرر بغيرك، فيقال: فلان يحضر ويدرس عند فلان، فلماذا لا ندرس نحن؟ فتُسنّ سيئة في الدراسة عنده مثل هذا الشيخ المبتدع. ثم بعد ذلك كونه يقول: أنا في مأمن من ذلك، هذا ليس بصحيح، فإن القلوب ضعيفة والشبه خطافة. القلوب ضعيفة والشبه خطافة. قال: وعن مالك رحمه الله تعالى قال: لا يؤخذ العلم من أربعة: سفيه يعلن السفه وإن كان أروى الناس -يعني عنده رواية وحديث كثير-، وصاحب بدعة يدعو إلى هواه، ومن يكذب في حديث الناس وإن كنت لا أتهمه في الحديث، وصالح عابد فاضل إذا كان لا يحفظ ما يحدث به. أولًا: الأربعة لا يؤخذ عنهم العلم. الأول: لأن سفيه يضر بدينك، وربما كذلك يضر بروايته. والمراد بالسفه: هو من تكون منه تصرفات السفهاء. والسفهاء يطلق ويراد بهم الأطفال والمجانين، وقد يكون كذلك في حق من لا يحسن التصرف في بعض المعاني كالأموال مثلًا، فإن الصبي ولو كان ذكيًا إذا لم يكن رشيدًا لا يحسن التصرف في المال، والمرأة ولو كانت ذكية وكذلك كبيرة، فالغالب أن المرأة ليس عندها خبرة وحسن تصرف في أمور الأموال، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿لا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا﴾. وذلك لأن الغالب على من هذا وصفه أنه لا يحسن التصرف، فكذلك من كان عنده رواية كثيرة أو حتى علم كثير ولكنه سفيه لا يحسن التصرف، ربما يسقط كلمات سفيه، تصرفات سفيه، كذلك مواقف سفيه، فهذا يضرك وانتفاعك منه قليل، وليس المقصود من الأخذ والعلم فقط، بل العلم والهدي والسمت والأدب، فأنت تضار في خلقك ودينك، وربما كذلك في العلم. وكذلك يقال في صاحب البدعة: يدعو إلى هواه -يعني يدعو إلى بدعته-، فهل معنى أنه حين يدعو إلى بدعته إذا لم يدعُ فلا بأس في هذا؟ خلاف بين أهل العلم، فمن أهل العلم من يرد رواية المبتدع مطلقًا، ومنهم من تقبل، والصحيح التفصيل: إذا احتيج إلى رواية المبتدع ولم يكن داعيًا إلى بدعته وكان مأمونًا في دينه من جهة الصدق والأمانة، فإنه يؤخذ عنه حتى لا يضيع العلم. وعلى هذا يحمل رواية بعض أهل السنة عن بعض أهل البدع، فمنهم من كان قدريًا ومنهم من كان غير ذلك، فيحمل على هذا والله أعلم. وأما إذا لم يحتاج إليه وليس في الأخذ عنه ضرورة، فالأولى أن يترك كما تقدم: ردعًا له وحماية -حماية المجتمع من شره وبدعته-، ثم القلوب ضعيفة والشبه خطافة، وما أحد يأمن على نفسه، خصوصًا وأنت في منزلة الطالب وهو في منزلة الشيخ، والغالب أن الطالب يغتر بالشيخ، إلا أن يوفق الله عز وجل هذا الطالب لطريق السنة من أول أمره، ومشايخ السنة، فإن كان كذلك فهو لن يصبر، ولن يرضى كذلك الدراسة عند صاحب بدعة، لأن طريق السنة قد علمته أنه لا يجلس لأهل الأهواء فضلًا أن يتعلم عليهم. وقوله: ومن يكذب في حديث الناس، لأن الذي يكذب في حديث الناس لا يؤمن أن يقع منه الكذب في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قد وقع فيه ما ترد به عدالته. وصالح عابد فاضل لكنه لا يحفظ، فإذا كان كذلك فهذا يقع فيه ما يسمى بغفلة الصالحين، وذلك لأنه لا يحفظ، تقع منه أخطاء وطوام كبيرة، ويوجد كثير من أمثال هؤلاء في من رُدّت روايتهم لأجل عدم حفظهم مع صلاحهم وعبادتهم. قال: فيا أيها الطالب إذا كنت في السعة والاختيار فلا تأخذ عنه إذا كان رافضيًا أو خارجيًا أو مرجعًا أو قدريًا أو قبوريًا. وهذا يقال ليس لزمان متقدم بل حتى في زماننا هذا، فإننا لا نأمن أن يقع شيء من ذلك، فمن أخذ عن أهل الأهواء وما أكثر البدع والأهواء، لا يأمن على نفسه أن يضل. وليس هذا حصرًا للبدع، فالبدع كثيرة لا تعج ولا تنحصر، وأصول البدع كما ذكر أهل العلم ترجع أصول البدع والضلال إلى ثلاث وسبعين فرقة تتفرع منها سائر البدع كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام: وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة. فالخوارج فرق، ومن فرق الخوارج في الوقت المعاصر هؤلاء الذين يسمون أنفسهم دعاة الجهاد وهم دعاة فساد وإفساد، وهكذا كذلك منهم جماعات التكفير الكثيرة المتنوعة والتي يتمثل بعضها بأرباب الجمعيات الخيرية التي لم ينحصر جهدها وعملها ومنهجها في أعمال خيرية، بل ينطوي تحتها أفكار ومناهج وكذلك عقائد وغير ذلك مما يعلم به أنهم على طريقة مبتدعة منحرفة. وكذلك القبورية: عباد القبور والغالون في القبور، والطرق الصوفية بأنواعها، وكذلك بزماننا الأباضية وهم من فرق الخوارج، والمرجئة بأنواعهم وفيهم بعض الفقهاء، وكذلك الرافضة وهم فرق كثيرة، ومنهم الزيدية، فهؤلاء وغيرهم كثير يجب على طالب العلم الحذر منهم ومجانبتهم حتى يأمن على نفسه وعلى غيره. قال: وهكذا فإنك لن تبلغ مبلغ الرجال صحيح العقل في الدين متين الاتصال بالله صحيح النظر تكف الأثر إلا بهجر المبتدع وبدعهم، لأنك إذا لم تفعل ذلك دخلت عليك البدع من حيث لا تشعر. وهل ضل من ضل ممن لم يكن على طريقة أهل البدع إلا بسبب المخالطة؟ بسبب المخالطة. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل». رواه الترمذي وغيره بسند حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه. قال: وكتب السير والاعتصام بالسنة حافلة بإبعاد أهل السنة على البدع ومنابذة المبتدعة والابتعاد عنهم كما يبتعد السليم عن الأجرب المريض. ولهم قصص وواقعات يطول شرحها، لكن يطيب لي الإشارة إلى رؤوس المقاصد فيها. ومعناه أن من تتبع كتب السنة والسير -مثلًا: سير أعلام النبلاء للذهبي، وكذا البداية والنهاية لابن كثير، وكذلك بعض الكتب المنفردة- تجد من ذلك قصص ووقائع كما ذكر رحمه الله ما يكون لك فيه عبرة. وكذلك كتب السنة: كالسنة للبربهاري، وكذا كذلك لعبد الله بن أحمد، والخلال، واللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، وغيرها من الكتب الأخرى. وقوله: لكن يطيب لي الإشارة -يعني سيذكر بعض الشيء مما فيه عبرة وعظة-، وإلا فالمقام لا يتسع لذكر ذلك كله. وله رسالة اسمها: هجر المبتدع، أحال إليها -كما ترون في التعليق-. قال رحمه الله: فقد كان السلف رحمهم الله تعالى يحتسبون الاستخفاف بهم وتحقيرهم، ورفض المبتدع بدعته، ويحذرون من مخالطتهم ومشاورتهم ومؤاكلتهم. فلا تتوارى نار سني ومبتدع -يعني لا تلتقيان ولا تقتربان-، وليس معناه أن أهل السنة يكفرون المبتدعة لا، مع أن البدع تنقسم أقسامًا، منها بدع مكفرة تصل إلى الكفر، لكن المراد هو أن بعض تلك البدع وإن لم تكن مكفرة إلا أن هجر أصحابها وكذلك التنقص منهم ليس لأجل الهوى وإنما لأجل البدع التي يحملون حتى يحذرهم الناس، حتى يحذرهم الناس. قال رحمه الله: وكان من السلف من لا يصلي على جنازة مبتدع. فينصر -أي: يترك الصلاة عليه-، فقد شهد من أعلام الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى -وهو شيخ الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله- قال: انصرافه عن الصلاة على مبتدع -يعني الشهداء-، كأنه أكثر من مرة يترك الصلاة على أهل البدع. قال: وكان من السلف من ينهى عن الصلاة خلفاء من خلفهم، ينهى عن حكاية بدعهم، لأن القلوب ضعيفة والشبه خطافة -كذلك كما تقدم-. قال: وكان سهل بن عبد الله التستري لا يرى إباحة الأكل من الميتة للمبتدع عند الاضطرار، لأنه باغٍ لقول الله تعالى: ﴿فمن اضطر غير باغٍ﴾، فهو باغٍ ببدعته. وهذا اجتهاد منه رحمه الله، المقصود أن ذلك فيه دلالة على تشديدهم على أهل البدع. وإن كان بعض أهل العلم يرى أن الرخصة عامة لكل مسلم ما دام مسلمًا، فهي رخصة من الله وبدعته عليه. قال: وكانوا يطردونهم من مجالسهم، كما في قصة الإمام مالك رحمه الله تعالى مع من سأله عن كيفية الاستواء، وفيه: بعد جواب المشهور -أظن كصاحب بدع- وأمر به فأخرج. ومن ذلك ما روي عن أيوب السختياني، وروي عن غيره: أن بعضهم جاء في مجلسه، فقال: إما أن تقوم وإما أن أقوم -حتى قام فخرج-، وربما أتاه بعضهم فيروى عن غيره -كذلك عن فضيل بن عياض-، فعل نحو هذا. وروي كذلك عن بعضهم: أنه ربما طرق عليه الباب، فيقول: أريد أن أكلمك، فيحاول معه ويأبى، فيقول: أقرأ عليك آية، فيقول: ولا آية -يعني حتى القرآن لا يجعله صلة بينه وبين هؤلاء-، لأن القلوب ضعيفة والشبه خطافة، وكذلك حتى ينزجر ويرتدع. وأمر ثالث: لأجل أن لا يغتر به أحد، فيقال: فلان أجلسه فلان، خالطه ونحو ذلك. ومع هذا لا يعني ذلك أن هذا الباب يكون فيه هذا الإطلاق بما يثمر في بعض المواقف المفاسد الأكبر، بل مراعاة المصالح من المفاسد مما أمرت به الشريعة ويقتضيه الفقه في الدين. هذا هو الأصل مع أهل البدع، لكن يراعى كذلك المصالح من المفاسد، فمثلًا: إذا ابتلي إنسان في بلدة ما بتسلط أهل البدع، فلهم السلطة، فليس من الحكمة أن تدخل معهم في مصادمات ومشاحنات، فيكون سبب ذلك إبعادك عن مسجدك وسيطرتهم على هذا المسجد، بدلا من أن يكون مسجد سنة يصير مسجد بدعة، وبدلا من أن يخطب الناس سني يأتي فيخطبهم مبتدع، وبدلا من أن يدرسهم سني يدرسهم مبتدع، وبدلا من أن يستفيد الناس من علمك -أيها السني- يحرمون من علمك، ليس هذا من المصلحة بالشيء. ثم ماذا يستفيد الناس إذا قلت: فلان مبتدع ضال، لا تحضر له ولا تسمع له في خطبة جمعة أو في درس عام أو في محاضرة، فيبلغ ذلك الوزير -وهو كذلك مبتدع-، لا أحد يقول أنه ليس مبتدع، لكن ليس من الحكمة أن تفعل مثل هذا الفعل وهذا التصرف، فيكون ثمرة ذلك حرمان الناس من أهل السنة، بل ينبغي أن تراعى المصالح وتدرأ المفاسد. وهكذا كذلك إذا كان هناك موقف قد يكون هجره فيه يسبب مفسدة أكبر، مثل أن تكون مثلًا في مجمع حكمه الكثير من الناس وهم لا يفهمون مثل هذه التفاصيل، فلا تجعل السنة وأهلها في موضع نقص وضعف، ولكن احرص على درء المفسدة الكبرى بالصغرى، فالمطلوب والمقصود هو التنبه لمثل هذا المعنى، وإلا فالأصل هو ما سمعناه. قالوا: أخبار السلف متكاثرة في النفور من المبتدع وهجرهم، حذرا من شرهم وتحجيمًا لانتشار بدعهم، وكسرًا لنفوسهم حتى تضعف عن نشر البدع، ولأن في معاشرة السني المبتدع تزكية له لدى المبتدع والعامي. والعامي مشتق من العمى، فهو بيد من يقوده غالبًا. وهذا الذي ذكره رحمه الله صحيح: الغالب أن الناس تغتر بالسني إذا خالط المبتدع، فتساهلوا في مخالطتهم فحصل الشر. ومسألة أن العامي مشتق من العمى هذا محتمل، وبعضهم ذكر شيئًا آخر: وهو أنه من العموم -أي من عموم الناس-، قالوا: نرى في كتب المصطلح وآداب الطلب وأحكام الجرح والتعديل الأخبار في هذا. فيا أيها الطالب: معناه هناك أخبار كثيرة تؤكد هذا الذي سمعته من نصائح في هذا الباب. قال: فيا أيها الطالب: كن سلفيًا على الجادة واحذر المبتدع أن يفتنوك، فإنهم يوظفون لاقتناص والمخاتلة سبلًا يفتعلون تعبيدها بالكلام المعسول، وهو عسل مقلوب -يعني لسع-، معناه أنه يضر ولا ينفع، وهطول الدمعة وحسن البزة والإغراء بالخيالات والإدهاش بالكرامات، والحسن الأيدي وتقبيل الأكتاف، وما وراء ذلك إلا وحم البدعة ورهج الفتنة، يغرسها في فؤادك ويعتملك في شراكه. فوالله لا يصلح الأعمال قيادة العميان وإرشادهم. ويقول هذا لأنه رحمه الله قد أدرك فيما قرأه بكتب أهل العلم، وفيما وجده في واقع حياته -كما يجد أهل العلم والدعاة قبله وبعده- معنى ذلك، فإن في واقع الناس قصص وأخبار تدل على هذا المعنى، فكم من أناس ضلوا بسبب الاغترار بالمظاهر التخشع المتكلف والدمعات الكاذبة، وكذلك الكلام المعسول المراد به التغرير بالمبتدئ والعامي ومن كان على طريقته، وغير ذلك من أساليب توقع في البدعة وتأخذ بالقلوب إلى الضلالة من حيث لا يشعر ذاك الإنسان. فربما يعظّم العامي يغترون بهذه المظاهر، فيقول: والله وجدناهم على ذكر، وجدناهم على عبادة، على طاعة ونحو ذلك. وفي الحقيقة هو عبارة عن أشياء يقصد بها كسب الجمهور وإدخالهم في طريقتهم وبدعتهم. قال: أما الأخذ عن علماء السنة فالعق العسل ولا تسل. ومعنى أن علمهم صافي -إن شاء الله- ليس فيه ما يضره. وهذا هو الأصل، وإلا فقد تجد من ينتسب إلى علماء السنة وعنده شيء من الدخل، ولكن من اشتهر واستفاض عند أهل العلم صفاء عقيدته ومنهجه وسلوكه، فهو ذُكر بالذكر الحسن، فهذا هو الذي يصح فيه هذا الوصف. أما من نسب نفسه أو نسبه بعض الناس وهو غير معروف عند أكابر أهل العلم، ولم يزكه أكابر أهل العلم، فإنه يخشى من أن يكون عنده شيء يضرك وهو ينتسب إلى السنة. والله المستعان. طيب نقف عند هذا اليوم والله تعالى أعلم.