حلية طالب العلم  20

حلية طالب العلم 20

الدرس في حلية طالب العلم 20، الدرس العشرون:من( الفصل الثاني:كيفية الطلب والتلقي ... 3-عدم الاشتغال بالمطولات وتفاريق المصنفات قبل الضبط والإتقان لأصله ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في كيفية طلب العلم

يشرح الشيخ كيفية طلب العلم ومراتبه، مؤكدًا على أهمية التأصيل والتأسيس لكل فن. يُشدد على ضرورة التدرج في طلب العلم ومراعاة أمور معينة.

أهمية إتقان الأصول وضبطها

يؤكد المقطع على أهمية إتقان الأصول في طلب العلم، حيث يشير إلى ضرورة حفظ وفهم المتون العلمية والاعتماد على الشيوخ المتقنين.

آداب طلب العلم واختيار الشيخ

يؤكد الشيخ على أهمية اختيار شيخ متقن وأمين لطلب العلم، ويشير إلى ضرورة التدرج في طلب العلم وحفظ مختصر في كل فن.

التأكيد على معرفة المختصرات

معرفة المختصرات تعتبر أساساً لإتقان مباحث العلوم، حيث تساهم في بناء المعرفة بشكل قوي. الدرس توقف عند هذه النقطة على أمل استكماله في درس لاحق.

  • 27 جمادى الآخرة 1432هـ - 30/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الفصل الثاني: كيفية الطلب والتلقي. قال: كيفية الطلب ومراتبه. قال: من لم يتقن الأصول حرم الوصول، ومن رام العلم جملة ذهب عنه جملة. وقيل أيضًا: ازدحام العلم في السمع مضلة الفهم. قال: وعليه فلابد من التأصيل والتأسيس لكل فن تطلبه بضبط أصله ومختصره على شيخ متقن، لا بالتحصيل الذاتي وحده. وآخذني الطلب بالتدرج. قال الله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾. قال: فأمامك أمور لا بد من مراعاتها في كل فن تطلبه. أولًا: حفظ مختصر فيه. ثانيًا: ضبطه على شيخ متقن. ثالثًا: عدم الاشتغال بالمطولات وتفاريق المصنفات قبل الضبط والإتقان لأصله. رابعًا: لا تنتقل من مختصر إلى آخر بلا موجب، فهذا من باب الضجر. خامسًا: اقتناص الفوائد والضوابط العلمية. سادسًا: جمع النفس للطلب والترقي فيه والاهتمام والتحرق للتحصيل والبلوغ إلى ما فوقه، حتى تفيض إلى المطولات بسلاسة موثقة. وكان من رأي ابن العربي المالكي أن لا يخلط الطالب في التعليم بين علمين، وأن يقدم تعليم العربية والشعر والحساب، ثم ينتقل منه إلى القرآن. قال: لكن تعقبه ابن خلدون بأن العوائد لا تساعد على هذا، وأن المقدم هو دراسة القرآن وحفظه؛ لأن الولد ما دام في الحجر ينقاد للحكم، فإذا تجاوز البلوغ صعب جبره. أما الخلط في التعليم بين علمين، فأكثر هذا يختلف باختلاف المتعلمين في الفهم والنشاط. قال: وكان من أهل العلم من يدرس الفقه الحنبلي في «زاد المستقنع» للمبتدئين، و«المقنع» لمن بعدهم للخلاف المذهبي، ثم «المغني» للخلاف العالي، ولا يسمح للطبقة الأولى أن تجلس في درس الثانية، وهكذا دفعًا للتشويش. ذكر رحمه الله تعالى في هذا الفصل كيفية الطلب والتلقي، وهذا الفصل كما رأينا فيه شرح وتوضيح للكيفية والطريقة التي يطلب فيها طالب العلم العلم. فقوله في أول هذا المبحث: «كيفية الطلب ومراتبه» يريد أن يوضح رحمه الله تعالى أن للطلب كيفية، وأنها تختلف بحسب مراتب الطلاب. فالطلاب ليسوا على مرتبة واحدة، بل هم على مراتب عديدة، فمنهم المبتدئ، ومنهم المتوسط، ومنهم الأعلى الذي قد قطع الشوط في الطلب. ولهذا فهم مراتب، وهذا من أول ما ينتبه له، فإن الكيفية تختلف بحسب حال هذا الطالب ومرتبته التي هو فيها. ثم صدر بهذه العبارات التي تناقلها العلماء جيلًا عن جيل، ومنها: «من لم يتقن الأصول حرم الوصول»، ومعناه أن من أوائل ما ينبغي أن يعتني به طالب العلم إتقان الأصول. والمراد بالأصول ها هنا أصول العلم، فمثلًا علوم القرآن أعظم أصل فيه هو القرآن أن يحفظ ويتقن، ثم يدام النظر في معرفة الغريب من ألفاظ القرآن، وما يتيسر من التفسير، والوقوف على بعض المشكلات التي ينبغي أن يقف حافظ القرآن وطالب العلم على جوابها. وهكذا في الحديث، مثلًا من أصوله أن يحفظ ما يتيسر بحسب مرتبته ومستواه، فيبدأ بالمختصرات كالأربعين النووية وتتمتها الخمسين لابن رجب، ثم ما تعارف عليه أهل العلم من مختصرات الفقه والحديث، يعني من متون الحديث كعمدة الأحكام وبلوغ المرام واللؤلؤ والمرجان، ثم زوائد الصحيحين، وهكذا يرتقي بحسب مرتبته ومستواه. فلابد أن يكون عنده إتقان للأصول، منها ما يحتاج لحفظ فيحفظه، ومنها ما يحتاج لفهم فيتقن فهمه. وهذا من إتقان الأصول، فمثلًا في علم اللغة يمر بمباحث في النحو أو الصرف أو البلاغة، فيحتاج مع هذه العلوم إما أن يحفظ هذه المتون فيتقن حفظها وفهمها، وإما أن يتقن فهمها إن لم يحفظها. وهكذا قل في متون العلم الأخرى. والناس لا يستوون في قوة الحفظ وسهولته، فمن كان يشق عليه الحفظ فلا أقل من أن يحفظ القرآن وما يتيسر من متون الحديث، ثم يتقن فهم المتون العلمية التي يحتاجها. وقوله: «ومن رام العلم جملة ذهب عنه جملة»، أي: من أراد أن يحصل العلم جملة واحدة فإنه سيفوته جملة واحدة. وهذه العبارة قد قالها غير واحد من الأئمة، وهي كما يقال تؤيدها شواهد الحس والواقع، وهي شواهد حق. فما من طالب علم إلا ومر عليه مثل هذا، يكون حريصًا مثلًا على حفظ شيء فيجتهد ربما في حفظ شيء مرة واحدة، فإذا به يفوته كله دفعة واحدة. وقوله رحمه الله تعالى: «ازدحام العلم في السمع مضلة الفهم»، معناه: كثرة المعلومات التي ترج على السمع والأذن تكون سببًا في ضياع الفهم. وهذا كذلك مجرب، فالغالب أن الإنسان إذا كثرت عليه المعلومات تفلتت منه، فلذلك ينبغي أن يحرص على التدرج في هذه العلوم في حفظها وفهمها والأخذ باليسير ثم ما فوقه، وهكذا حتى يكون ذلك معينًا له في حفظ العلم وإتقانه وفهمه. وقوله: «وعليه فلابد من التأصيل والتأسيس لكل فن تطلبه بضبط أصله ومختصره على شيخ متقن»، هذا يرجع لما سبق، فمن إتقان الأصول إتقان كل فن بحفظ ما يتيسر حفظه وفهم ما يتيسر فهمه، مع مراعاة كذلك القواعد والضوابط التي يحتاج إليها طالب العلم في كل علم. فهناك بوابط وقواعد وهي كذلك تدخل في معنى الأصول، ينبغي أن يتقنها لأنها تكون كالقواعد لكل علم، وهي تعينه في طريقه العلمي. وقوله: «على شيخ متقن»، أي: ربما تكون مجتهدًا، ولكنك إذا قرأت لوحدك حصل لك الخلل في الفهم، فأنت تحتاج إلى شيخ. ولهذا قال من قال: «من كان شيخه كتابه كان خطؤه أكثر من صوابه». وسيأتي معنا التنبيه على هذا فيما يأتي إن شاء الله. وزاد شيخنا رحمه الله في هذا الموضع -يعني محمد بن صالح العثيمين- قيدًا، وهو أن يكون هذا الشيخ ليس فقط متقنًا للعلم، بل كذلك أمينًا؛ لأنه إذا لم يكن أمينًا ربما لم يخلص معك في إعطائك العلم. فإذا أخطأت لم يصوبك، ومن الأمانة -وهذا من أعظم الأمور- أن يكون هذا الشيخ سنيا ليس من أهل الأهواء؛ لأنك إذا درست على شيخ متقن من أهل الأهواء ربما أدخل عليك البدع فأضلك. فالأمانة مطلوبة في كل معنى تقوم به وظائف أداء الأمانات، فلا يكفي أن يكون متقنًا قويا على ما هو عليه من علم، بل لابد أن يكون معه كذلك معنى الأمانة. ولهذا جمع بين هذين الوصفين في قول الله جل وعلا في قصة موسى عليه الصلاة والسلام مع المرأتين: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. فخير الأجراء من توفر فيه وصف القوة والأمانة، وهكذا خير المدرسين من توفرت فيه صفة القوة والأمانة. فالقوة يدخل في معناها الإتقان، والأمانة هو القيد الثاني الذي أشار إليه شيخنا رحمه الله بشرحه. فإذا لابد من شيخ متقن أمين حتى يسلم له علمه ويعان كذلك على الاستقامة. ثم أشار إلى التدرج بالطلب في الآيتين، والشاهد من الآية الأولى قوله سبحانه: ﴿عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾، فمن حكمة الله عز وجل نزول القرآن مفرقًا منجما، ففي هذا مصالح كثيرة، ومنها تثبيت العلم في الفؤاد كما جاء في الآية الثانية التي أوردها. ثم أشار رحمه الله إلى أمور ينبغي مراعاتها في كل فن يطلب، فأشار أولًا إلى حفظ مختصر فيه. وكما تقدم أن يسير حفظ هذا المختصر خصوصًا في غير الكتاب والسنة، كمتون الفقه واللغة والعقيدة والمصطلح ونحو ذلك. فمما يدخل في حفظ في إتقان الأصول حفظ المتون لمن يتيسر له ذلك، فإن لم يتيسر له ذلك فإنه ينتقل إلى المتيسر، ولا يشغل نفسه بما قد يأخذ عليه من العمر والوقت فيما هو أحوج ما يحتاج إلى ما هو أهم منه. ثم قال رحمه الله ثانيًا: «ضبطه على شيخ متقن»، كما تقدم يضاف أمين، وتقدم أن ضبطه على الشيخ لأن الشيخ بمعرفته لهذا العلم وإتقانه له فهو أخذه من مشايخ وقرأه ودرسه، فهو يدرك حتى مواضع الأخطاء المطبعية في النسخ بكثرة تكراره وإتقانه لتدريس هذا الكتاب. وقوله ثالثًا: «عدم الاشتغال بالمطولات وتفاريق المصنفات قبل الضبط والإتقان لأصله»، لأن الانشغال بالمطولات يصرفه عن إتقان العلم، فتلك التفاصيل المذكورة في المطولات تكون سببًا في تشديد ذهن الطالب. ولهذا كما تقدم كان من اللازم على طالب العلم إتقان الأصول، والمراد بالأصول معاني كثيرة، ومنها كما تقدم أسس كل علم بالابتداء بكتبه الأولى الصغيرة. ولهذا كان العالم الرباني الذي يعلم الناس صغار العلم قبل كباره. فأنت إذا دخلت في الكتب المتوسعة المطولة حتى لو كنت ذكيا فإنك ستكتسب معلومات، ولكنك لن تتقن العلم. فمن فوائد معرفة المختصرات إتقان مباحث العلوم، فهي كالأساس للبناء، فالبناء الذي ليس فيه أساس يكون بناء ضعيف يسقط. ونقف اليوم إن شاء الله إلى هنا، ونترك الباقي إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.