شرح العقيدة الواسطية للهراس 126

شرح العقيدة الواسطية للهراس 126

الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 126، الدرس السادس والعشرون بعد المائة:من( لكن لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أمته ... وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم أهل السنة والجماعة كالفرقة الناجية

يتم تعريف أهل السنة والجماعة كالفرقة الناجية التي تمسكت بالإسلام الخالص، مستدلين بحديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة. النجاة تكون باتباع ما كان عليه النبي وأصحابه.

شرح حديث الفرقة الناجية والطائفة المنصورة وانتقاد التقسيم المعاصر

يشرح معنى حديث الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، ويبين أن أهل السنة والجماعة هم الطائفة المنصورة التي لا تزال على الحق. ينتقد تقسيم بعض المعاصرين لأهل السنة إلى فرقة ناجية وطائفة منصورة.

معاني الصديقين والشهداء والأبدال ومعايير تحديد الصديق

يشرح معاني الصديقين والشهداء والأبدال، ويبين المعاني الصحيحة والفاسدة لهذه المصطلحات. يوضح أن الأبدال الحقيقيون هم العلماء العباد، ويبين معايير تحديد الصديق.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «قال: لكن لما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة. وفي حديث عنه أنه قال: هم على من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي. قال: صار المتمسكون بالإسلام المحض الخالص عن الشوب هم أهل السنة والجماعة، وفيهم الصديقون والشهداء والصالحون، ومنهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى، أولو المناقب المأثورة والفضائل المذكورة، وفيهم الأبدال، وفيهم أئمة الدين الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، وهم الطائفة المنصورة الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة. نسأل الله أن يجعلنا منهم، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا من لدنه رحمة، إنه هو الوهاب». والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ختم المؤلف رحمه الله تعالى هذا الكتاب بهذا الفصل بعد أن ذكر رحمه الله جوامع خصال هذا الدين العظيم، والذي ذكر في آخره، بعد أن ذكر محاسن الأخلاق وما يأمر به هذا الدين وينهى عنه. ثم ذكر رحمه الله أن كل ما يقولونه - أي أهل السنة والجماعة - ويفعلونه من هذا وغيره، فإنما هم فيه متبعون للكتاب والسنة، وطريقتهم هي دين الإسلام الذي بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم. لما ذكر ذلك وسبق الكلام عليه، ختم بقوله: «لكن لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم» وهو يريد أن يبين بهذا الفصل أن أهل هذه الأوصاف ليسوا كل من انتسب إلى دين الإسلام، كأنه يقول: ليس كل من قال: أنا مسلم، فهو مستحق لهذه الصفات. لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، كما جاء في حديث عبد الله بن عمر وغيره، وجاء كذلك عن معاوية وجماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. معنى هذا الحديث: وهو يشير بهذا إلى أن الكثير ممن ينتسب إلى دين الإسلام هو ممن يدخل في هذه الفرق الهالكة التي حذر منها النبي عليه الصلاة والسلام أنها ستفترق - أي هذه الأمة، أمة الإسلام - إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار. يعني كلها في النار حكمها في النار بالنسبة للفرق. أما بالنسبة لأعيان أفراد من في هذه الفرق، فهم إلى الله سبحانه وتعالى. نحن نقول: السارق في النار، والزاني في النار، والقاتل في النار، لكن زيد من الناس زنى أو زيد من الناس سرق أو زيد من الناس قتل، نقول: أمره إلى الله؛ لأن سائر أهل الإيمان من أهل الذنوب والمعاصي هم تحت المشيئة. إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فهم تحت المشيئة. ومع ذلك فنحن نرجو للمحسن ونخاف على المسيء، لكن حكمهم أنهم في النار. وهكذا كذلك هذه الفرق التي ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام، حكمها أنها في النار إلا واحدة فقط هي التي تنجو، وهي الجماعة، كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام من حديث معاوية. وأشار المعلق إلى أن الشيخ الألباني رحمه الله ذكره في الصحيحة. وهكذا كذلك هذه الإشارة منه رحمه الله يشير بها إلى أن الناجي هم فرقة واحدة، وهم الذين تمسكوا بما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه رضي الله تعالى عنهم، عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاقا وسلوكا ومنهاجا وطريقا. فكل أمورهم يقتدون بما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه رضي الله تعالى عنهم. ولهذا أشار بعده إلى الحديث الآخر قال: «وجاء عنه: هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي». وهذه الرواية من جهة الإسناد ضعيفة؛ لأنها جاءت من طريق عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، وهو ضعيف، من حديث عبد الله بن عمر. ولها شاهد من حديث أنس عند الطبراني في الصغير، وقال: لم يروه عن يحيى إلا عبد الله بن سفيان - أي المدني - وهو لا يتابع على حديثه، كما ذكر العقيل في الضعفاء. فالمهم هي من جهة الرواية ضعيفة، وأما من جهة المعنى فهي صحيحة. وحسن بعض أهل العلم هذه الرواية بهذا الشاهد الذي سمعناه؛ لأنه معنى صحيح، وكذلك وجد له شاهد فصححه به أو حسنه به. والصحيح أنها من جهة الرواية ضعيفة، وأما من جهة المعنى فصحيحة تدل عليها عمومات كثيرة. فأراد رحمه الله أن يبين ليس كل من انتسب إلى الإسلام فهو يناله فضله، بل لا يناله فضله إلا من تمسك بالإسلام الحق الذي كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا قال: «صار المتمسكون بالإسلام المحض الخالص عن الشوب» والمراد بالشوب أي الخلط والأخطاء والجهل والشبهات والشهوات التي دخلت من المتأخرين. فأهل الإسلام المحض الخالص هم أهل السنة والجماعة؛ لماذا؟ أهل السنة والجماعة لأنهم هم الذين على ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه رضي الله عنهم، وهم بنص النبي عليه الصلاة والسلام حديثه: الفرق الناجية والطائفة المنصورة. ثم قال: «وفيهم الصديقون والشهداء والصالحون» يعني في أهل السنة لا في غيرهم. «ومنهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى» يعني لو تأملت في تاريخ الإسلام من أوله إلى آخره، لا تجد أهل الثناء الحسن من تشهد لهم الأمة بالإمامة والهداية إلا وهم من أهل السنة، من الصحابة ومن بعدهم من التابعين وأتباع التابعين. تأمل واستحضر من فيهم من العلماء ومن فيهم كذلك من أهل العلم، لا تجد أهل السنة والجماعة إلا هم أحق الناس وصفا بهذا الوصف. وبه تعرف مصداق ما ذكره رحمه الله تعالى. قال: «ومنهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى، أولو المناقب المأثورة والفضائل المذكورة» في كل زمان، من الصحابة والتابعين واتباع التابعين إلى أئمة الأربعة إلى من بعدهم إلى زمن المؤلف رحمه الله تعالى، بل إلى زماننا هذا. وقوله: «وفيهم الأبدال» يعني على اصطلاح الصوفية، ولكن بالمعنى الصحيح كما سيأتي، لا بالمعنى الفاسد الذي عند الصوفية. فإن كان هناك أبدال، كأنه يقول: إن كان هناك أبدال فلن يكونوا إلا من أهل السنة. وهكذا قل في سائر أوصاف الحسنة. إن كان هناك زهاد وعباد هم أهل حق في هذه الدنيا، فهم من أهل السنة لا من غيرهم. قال: «وفيهم أئمة الدين الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم» في كل زمان، أئمة الدين في الصحابة، في التابعين، في أتباع التابعين، الأئمة الأربعة ومن كان معهم وقبلهم وبعدهم إلى زماننا هذا، في كل زمان وعصر ومصر، هم من أهل السنة والجماعة. قال: «وهم الطائفة المنصورة الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة» الحديث. وهو يشير رحمه الله إلى حديث معاوية، من أبي سفيان رضي الله تعالى عنه، وجاء كذلك من حديث ثوبان وغيره، وهو عد من الأحاديث المتواترة؛ فقد روي عن أكثر من عشر من الصحابة، بعضها في الصحيحين وبعضها خارج الصحيحين. الشاهد يريد أن يقول: أن هذه الفرقة الناجية والطائفة المنصورة هم أهل السنة والجماعة. وفي هذا الموضع وفي أول كتابه رحمه الله نرى أن شيخ الإسلام لم يفرق بين الطائفة المنصورة والفرقة الناجية، فجعلهما شيء واحد - أي الفرقة الناجية والطائفة المنصورة. فتقسيم بعض المعاصرين إلى أهل السنة إلى قسمين: منهم طائفة منصورة، ومنهم فرقة ناجية، ويريد أن يجعل الفرقة الناجية تشمل سائر الطوائف التي تنتسب للسنة، بما هي ضد الشيعة مثلا أو ضد الصوفية مثلا، هذا تقسيم باطل محدث؛ لأنه لا يعلم إلا أن الطائفة المنصورة والفرقة الناجية شيء واحد، وهي تلك الفرقة الواحدة التي تنجو من تلك الفرق كلها، وهي التي لا تزال منصورة إلى قيام الساعة بما كان عندها من العلم والعمل. وأما أناس لم يستقيموا، فهم ليسوا من أهل السنة. ولهذا جاءت كلمات عن أئمة أهل السنة في هذا العصر عن طوائف من بعض الجماعات المعاصرة حين زعموا أنها من أهل السنة، قال القائل منهم: كيف تكون أهل السنة وهم يحاربون السنة وأهلها؟ وقوله: «نسأل الله أن يجعلنا منهم وأن لا يزيغ قلوبنا» هذا كما سبق من باب طلب العون بالدعاء على الكمال من العمل، لا معنى أن صاحبه خارج منهم، مثل: أنا مؤمن إن شاء الله، على ما سبق تفصيله والكلام عليه. قال الشارح رحمه الله تعالى: «قال: وأما قوله: وفيهم الصديقون إلى آخره، فالصديق صيغة مبالغة من الصدق، يراد به الكثير التصديق. وأبو بكر رضي الله عنه هو الصديق الأول لهذه الأمة. وهكذا كل من كان عنده مثل صفة أبي بكر رضي الله عنه فهو من الصديقين، عنده تمام التصديق في قلبه باليقين، بالقول والعمل، القول القلبي والعمل القلبي، وهكذا بلسانه بتمام تطبيقه لذاك اليقين الذي في قلبه، وما علمه من العلم، وبجوارحه؛ إذ أن جوارحه ممتثلة غاية الامتثال، فهذا هو الصديق. الصديق هو الذي صدق قوله وقلبه وعمله ما علم من العلم، فلهذا سمي صديقا». قال رحمه الله تعالى: «وأما الشهداء فهو جمع شهيد، وهو من قتل في المعركة. واللفظة من أن يكون من قتل في المعركة، فالشهداء من لهم فضل الشهادة بجميع معانيها، وأعلاها من قتل بأرض المعركة، وإلا فهم درجات ومراتب. وكان للصحابة رضي الله تعالى عنهم نصيب من تلك الدرجات والمراتب». قال رحمه الله: «أما الأبدال فهم جمع بدل، وهم الذين يخلف بعضهم بعضا في تجديد هذا الدين والدفاع عنه، كما في الحديث: يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها أمر دينها. والحديث كما أشار إليه المعلق حديث صحيح، وقد صححه العلامة الألباني رحمه الله في مواضع من كتبه». وهذا تفسير لمعنى الأبدال. وتفسير آخر: أنهم من تميزوا عن غيرهم بالعلم والعبادة، من تميزوا عن غيرهم بالعلم والعبادة، وسموا بذلك لتبادلهم بهذه الصفة. وقيل: أنهم من تبدل سيئاتهم حسنات - يعني من صلح فكان صلاحه غاية في ضرب المثل لغيره. وقيل: أن الأبدال هم من تبدل سيئات غيرهم حسنات بهم. وهذا المعنى موجود عند المتصوفة، وربما تمسحوا بهم وعبدوهم من دون الله عز وجل، فيقولون: الشيخ فلان من الأبدال، يعني ممن تبدل سيئات غيرهم به حسنات. وهذا يحتمل حقا ويحتمل باطلا. فالحق هو أنه من العلماء العباد الذين يصلح الله عز وجل بهم العبادة والبلاد بعلمهم وعملهم وشفاعتهم في الدنيا وفي الآخرة لغيرهم. وأما المعنى الفاسد هو ما يظنه المتصوفة والقبورية من أن أحدا من الناس يشفع شفاعة بغير إذن الله وبغير توفر شروط الشفاعة، فيدخل من يشاء فيها ويخرج من يشاء، فصار عندهم إرضاء هؤلاء الأبدال والوصول إليهم هو الغاية السهلة المقصودة التي بها يصلون إلى جنة الله ورضوانه. وهذا يسهل عليهم بمجرد أن يأتي إلى من يقال أنه بدل من الأبدال في حياته أو بعد مماته إلى قبره، فيفعل ما يفعله المشركون في هذا الزمان، فيظن أنه بهذا تبدل سيئاته حسنات. وربما صرح بعضهم - بعض القبورية - بأنه يدخل من يشاء في قدفته معه قدفة - يعني مثل الشبكة التي يحملها الصياد على ظهره - فيدخل من يشاء إلى الجنة بمشيئته لا بمشيئة الله سبحانه. أو أنه يزعم أن الله لا يرد له طلب، مع أن الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ يعني من يرضى عنهم هو الذي يؤذن لهم بالشفاعة لهم. فيكون معنى شيخ الإسلام رحمه الله على أحد هذه المعاني الأربعة للأبدال، وهي كلها معاني صحيحة. فكأنه يقول: وإن كان في الدنيا أبدال فلن يكون أبدال إلا من أهل السنة، هذا مراده رحمه الله. ثم قال: والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. وبهذا نكون قد انتهينا من هذه الرسالة العظيمة النافعة. يقول السائل هنا: هل يوجد من مثال للصديق العلم عند الله سبحانه وتعالى بعد أبي بكر الصديق؟ لا نستطيع أن نجزم لأحد بأنه صديق، لكن قد تجتمع كلمات أهل الصلاح وعلماء الأمة على إنسان من الناس أنه من الصديقين؛ لما كثر الصدق في قوله وفي عمله. وإن شاء الله يرجى له ذلك، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أنتم شهداء الله في أرضه».