الدرس في مختصر سيرة الرسول 17، أبو إسحاق سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه:( الدرس السابع عشر ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل سيرة طلحة بن عبيد الله، أحد العشرة المبشرين بالجنة، حيث يذكر نسبه وإسلامه ومشاركته في غزوة أحد ودوره في حماية النبي صلى الله عليه وسلم. كما يشير إلى ابنه محمد السجاد الذي قتل في يوم الجمل.
يذكر هذا الفصل أولاد طلحة بن عبيد الله وأمهاتهم، ثم ينتقل إلى الحديث عن الزبير بن العوام، مبينا نسبه وأمه وبلائه في أول إسلامه وهجرته وصلاته قبلتين. كما يشير إلى مناقب الزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وإسلامهما ومشاركتهما في المعارك.
يستكمل هذا الفصل الحديث عن مناقب سعد بن أبي وقاص، كما يشير إلى فضله وسابقته في الإسلام. ثم ينتقل إلى الحديث عن اجتناب الفتن وتنقل أقوال الشخصيات المذكورة في ذلك.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الحافظ المقدسي رحمه الله تعالى في ذكر سيرة العشرة المبشرين بالجنة: قال رحمه الله: أبو محمد طلحة بن عبيد الله، رضي الله عنه، وهو ابن عثمان بن عمر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، يلتقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرة بن كعب. وقد تقدم معنا أنه كذلك يلتقي كعب أبو بكر رضي الله عنه الصديق في مرة بن كعب، وكذلك خالد بن الوليد كما تقدم، فنسبه يلتقي بنسب النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الجد. قال: وأمه الصعبة بنت الحضرمي، أخت العلاء بن الحضرمي. وأسم الحضرمي عبد الله بن عباد بن أكبر بن عوف بن مالك بن عويف بن خزرج بن إياد بن الصدف، فهو من الخزرج، يعني أخواله من الخزرج. قال: أسلمت أمه وتوفيت مسلمة. أسلم قديمًا وشهد أحدًا وما بعدها، ولم يشهد بدرًا، كان بالشام في تجارة، وضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره؛ لأن غزوة بدر لم تكن عن ميعاد. وقد حضر أحد، وكان - كما ذكر أبو بكر رضي الله عنه أرضاه - كله له؛ فقد كان أبو بكر رضي الله عنه إذا ذكر أحدًا قال: ذلك كله لطلحة؛ فإنه بلي بلاءً عظيمًا في ذلك اليوم العظيم. فلما خذل الناس ووقع ما وقع، بقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة نفر في قبالة المشركين. فلما اشتد الأمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقع في الحفرة التي نصبها المشركون، لم يكن عنده إلا طلحة رضي الله عنه أرضاه، فحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وجره، وقد كسرت رباعيته، وجرح في وجنتيه، وشج رأسه، عليه الصلاة والسلام، فكان منهكًا. فقاتل عنه طلحة رضي الله عنه وحده حتى جاء أبو بكر يبحث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وخلفه أبو عبيدة، فوجدوا طلحة وهو غاية في الإنهاك، به أكثر من بضع وثلاثين ضربة بين طعنة وضربة ورمية، رضي الله عنه أرضاه. ولهذا كان أبو بكر يقول: ذلك كله لطلحة؛ لأنه بلي بلاءً حسنًا في الحاطة بالنبي عليه الصلاة والسلام؛ إذ كان المشركون يحرصون على قتل النبي صلى الله عليه وسلم، فبقي هو حتى جاءه أبو بكر وأبو عبيدة، ثم دخلوا في الشق في جبل أحد، وهو مكان معروف إلى يومنا هذا، احتموا به من المشركين. قال رحمه الله تعالى: وكان له من الولد محمد السجاد، قتل معه، وسمي السجاد؛ قيل لكثرة سجوده وعبادته، وكان شابًا صالحًا. قال عنه الحافظ ابن كثير رحمه الله، والحافظ الذهبي رحمه الله - كما في السير -: كان نجيبًا شابًا قانتًا لله صالحًا. ولما قتل يوم الجمل - وقد قتل يوم الجمل مع أبيه - حزن عليه علي رضي الله عنه أرضاه حزنًا عظيمًا، فكان يجله. قال: كان يقول: صرعه بره بأبيه. فرضي الله عنهم جميعًا أرضاهم. ولد محمد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. وما وقع يوم الجمل مما يطوى ولا يروى، وإن ذكر فذكر من باب الإيضاح لا من باب التفتيش والتنقيب؛ لأن الصحابة لا يذكرون إلا بالخير والجميل. وتلك الوقعة وقعت بغير ميعاد، فلم تأت عائشة رضي الله عنها ومن معها من الصحابة، وفيهم طلحة بن عبيد الله والزبير وجماعة، لأجل القتال، وإنما جاءوا يراجعون في قتلة عثمان، ولكن أهل النفاق هم الذين أججوا القتال، كما هو مذكور في كتب التاريخ، وهكذا بيّنه العلماء المحققون في هذا الباب. وينبغي الحذر من القصص المكذوبة والأخبار المختلقة التي يتناقلها أهل البدع والأهواء، ومن تبعهم من أهل الجهل، وفيها من الكذب الكثير على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، رضي الله عنهم، ما يجعل المسلم في حيطة عن رواية ما يذكر في تلك الوقعة. ولهذا يقول العلماء: إن ذلك مما يطوى ولا يروى، وإن احتيج إلى ذكره فمن باب الإيضاح ورد ما قد يلبس على بعض الناس فيه، وإلا فهم لم يريدوا القتال، وإنما اختلقه واصطنعه وكان سببه بعض المنافقين الذين أثاروا الفتنة في أول الأمر. قال رحمه الله تعالى: وعمران، أمهما حمنة بنت جحش، وموسى بن طلحة، أمه خولة بنت القعقاع بن معبد بن زرارة، ويعقوب وإسماعيل وإسحاق، وأمهم أم أبان بنت عتبة بن ربيعة، وزكريا وعائشة، أمهما أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهم أجمعين، وهي التي تقدمت وسبقت. قال: وعيسى ويحيى، أمهما سعداء بنت عوف المرية، وأم إسحاق بنت طلحة، أمهما أم الحارث بنت قسام بن حمضة الطائية. فأولاد طلحة أحد عشر، وقيل: ابنين آخرين، عثمان وصالح، ولم يثبت ذلك - يعني كونهما من أولاده. وقتل طلحة رضي الله عنه سنة ست وثلاثين يوم الجمل، وهو ابن اثنتين وستين سنة، وهو اليوم المشهور بوقعة الجمل الذي اجتمع فيه جماعة من الصحابة، وفيه عائشة رضي الله عنها وأرضاها، والزبير وجماعة. وكما تقدم: أنهم أتوا لا يريدون القتال، وإنما المراجعة في قتلة عثمان، فوقع ما وقع ممن أثار القتال ليلًا، كما ذكر، حتى ظن بعض الرعاع أن خيانة حصلت، فاقتتل الرعاع، وعند ذلك وقعت الفتنة، فصار الرجل يدفع عن نفسه. والله المستعان. وهكذا الفتن إذا وقعت فإن الأمور تنفلت. فرضي الله عنهم جميعًا وأرضاهم. وهكذا ينبغي الحذر من أهل الشر والفساد والفتن؛ فإنهم حريصون على تفريق الصف وإثارة الفتنة، إن استطاعوا بالسيف، وإن لم يستطيعوا فلا أقل من التفرق والتمزق والخصومات في الدين التي تفرق المسلمين، وينبغي الحذر من ذلك. قال رحمه الله: أبو عبد الله الزبير بن العوام رضي الله عنه، هو ابن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، يلتقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصي بن كلاب، وهو الأب الخامس. وأمه صفية بنت عبد المطلب، عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أسلمت وهاجرت إلى المدينة، فإذن هو ابن عمته، وهو من أقرب الناس نسبًا إليه بعد علي رضي الله عنه أرضاه. وقد بلي بلاءً عظيمًا في أول إسلامه، فكان عمه - كما ذكر في التاريخ والسير - يعذبه عذابًا شديدًا ليرده عن دين النبي صلى الله عليه وسلم، حتى كان يجعل تحته الحصير ويدخن عليه بالنار، يريده أن يرجع عن دين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو يقول: والله لا أكفر أبدًا، اصنع ما شئت. قال: هاجر الهجرتين، وصلى القبلتين، ومعناه: ممن أسلم قديمًا، وكانت له السابقة في الكثير من ما كان لأهل السابقة: الهجرة الأولى إلى الحبشة، والثانية إلى المدينة. قال: وهو أول من سل سيفه في سبيل الله، وذلك في مكة قبل الهجرة؛ لما بلغه أن المشركين قتلوا النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء وهو سيفه بيده، وليس عليه شيء غيره، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في الطريق، فقال: ما هذا؟ قال: أخبرت أو قال: بلغني أن المشركين قد قتلوك، قال: وما أنت بصانع؟ قال: والله لا أقومن بالسيف معترضًا حتى لا يبقى منهم أحد أو أموت دونه، أو كما قال، رضي الله عنه أرضاه. وبهذا سمي أول من سل سيفه في سبيل الله. قال: وهو حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، لازمه حتى كان بمنزلة الحواريين من عيسى عليه الصلاة والسلام، وما كان له كذلك من النصرة قبل الهجرة وبعد الهجرة، ومع قربه في النسب منه. قال: وله من الولد عبد الله، وهو أول مولود ولد في الإسلام بعد الهجرة، أي: عبد الله بن الزبير، إمام ابن إمام، وصحابي فاضل من خيار وفاضل الصحابة، ابن صحابي فاضل من خيار الصحابة. قال: والمنذر، وعروة، وعاصم، والمهاجر، وخديجة الكبرى، وأم الحسن، وعائشة، وأمهم أسماء بنت أبي بكر الصديق، وخالد وعمر وحبيبة وسودة وهند، أمهم أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص، ومصعب وحمزة ورملة، أمهم الرباب بنت أنية فالكلبية، وعبيدة، وجعفر، وحفصة، أمهم زينب بنت بشر من بني قيس بن ثعلبة، وزينب بنت الزبير، أمها أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وخديجة الصغرى، أمها الجلال بنت قيس من بني أسد بن خزيمة. فأولاد الزبير أحد وعشرون رجلًا وامرأة. وقد تزوج بعضهم كغيره من الصحابة بعد موت بعض. قال: فأولاد الزبير أحد وعشرون رجلًا وامرأة، قتل يوم الجمل سنة ست وثلاثين، وله سبع وستون أو ست وستون سنة، ورضي الله عنه أرضاه، وهو كذلك جاء لا يريد القتال في هذه الوقعة، ولكنهم أهل الفتنة. ورضي الله عنهم جميعًا وأرضاهم. قال رحمه الله تعالى: أبو إسحاق سعد بن أبي وقاص. وأسلم، قال: واسم أبي وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهر بن كلاب، يلتقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في كلاب بن مرة. وقد تقدم معنى أنه في عبد مناف يلتقي مع النبي صلى الله عليه وسلم في عبد مناف، وبعضهم يقول: في كلاب بن مرة، والأول أشهر وأصح وهو ظاهر. قال: وأمه حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وأسلم قديمًا، وكان يقول: لقد رأيتني وإني لثلث الإسلام - يعني ثالث ثلاثة أسلموا - ثالث ثلاثة أسلموا. قال: وشهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وكان رميه ذلك في جيش فيهم أبو سفيان، لقوهم بصدر رابغ في أول سنة قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة - يعني في غير ميعاد - حين لقي أبو سفيان في قصة تجارتهم المشهورة قبل بدر. وكان أول مرمى في سبيل الله، فله السابقة والفضل. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من سن سنة حسنة فله أجره وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة». وهذا في حق سعد، وهكذا كذلك طلحة والزبير، وهما أول من رفع سيف وأول من رمى في سبيل الله. قال: وله من الولد محمد، قتله الحجاج، وعمر، قتله المختار بن أبي عبيد، وعامر ومصعب، وروي عنهما الحديث - يعني هذان ممن رويا عن أبيهما - ولهم روايات في السنة. قال: وعمير، وصالح، وعائشة بن سعد، مات بقصره في العقيق، وهو الوادي بجانب ذي الحليفة، الميقات المعروف على عشرة أميال من المدينة، وحمل على رقاب الرجال - يعني على عشرة أميال من مسجد النبي صلى الله عليه وسلم - وإلا فهو من جهة قبا - كما نرى اليوم - أقل من ذلك. قال: وحمل على رقاب الرجال إلى المدينة سنة خمس وخمسين، وهو ابن بضع وسبعين، فكان آخر العشرة وفاتًا. وقد اجتنب الفتن التي وقعت في ذاك الزمان، رضي الله عنه أرضاه. وتنقل عنه مقولات كثيرة في ذلك، رضي الله عنه أرضاه. طيب، نقف لهنا، ونترك الباقي إن شاء الله إلى الدرس اللاحق، والله تعالى أعلم.