الدرس في مختصر سيرة الرسول 16، أبو عبدالله عثمان بن عفان رضي الله عنه . أبو الحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث هذا الفصل عن عثمان بن عفان، نسبه، إسلامه، خلافته، ووفاته، مشيرًا إلى أنه كان من أوائل المسلمين وتولى الخلافة بإجماع الصحابة. يذكر أيضًا أن قتل عثمان كان في فتنة عظيمة وأنه مات شهيدًا كما بشره النبي.
يتناول هذا الفصل أولاد عثمان بن عفان وأمهاتهم، ويشير إلى فتوحات الإسلام في عهده التي وصلت إلى أقصى المشرق وأقصى الشمال. كما يذكر أولاد علي بن أبي طالب وأمهاتهم، مما يعطي صورة شاملة عن أسر الخلفاء الراشدين.
يتناول هذا الفصل سيرة علي بن أبي طالب وفضائله، ويبين منهج أهل السنة في التعامل مع الفتن والتركيز على ذكر الصحابة بالجميل. كما يحذر من التشيع ومظاهره، مؤكدًا على أهمية الحذر من التساهل في الأمور التي قد تؤدي إليه.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الحافظ المغدسي رحمه الله تعالى: قال أبو عبد الله عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهو ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، يلتقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عبد مناف، وهو الأب الخامس. وهكذا كذلك يوافقه في ذلك سعد بن أبي وقاص، كما سيأتي إن شاء الله. قال: وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف، وأمها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب، فله صلة بنبي صلى الله عليه وسلم من جهة أبيه ومن جهة أمه. قال: أسلم قديمًا، وهاجر الهجرتين، وتزوج ابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكفى بهذا فضلًا وفخرًا أن يرتضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنتيه. الأولى فلما ماتت زوجه الثانية، رضي الله عنه أرضاه. قال: وولي الخلافة اثنتي عشرة سنة إلا عشرة أيام، وقيل: إلا اثني عشر يومًا. وخلافته كانت بإجماع الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم، خلافًا للرافضة ومن خالف في ذلك من أهل الأهواء. فإن عمر رضي الله عنه، كما تقدم معنا، جعل الأمر بعده في ستة ممن توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، وجعل أمر الخلافة بعده شورى بينهم، وترشح هؤلاء الستة، ثلاثة منهم الأمر إلى ثلاثة، حتى اجتمع أمر الخلافة على عثمان رضي الله عنه أرضاه. فعثمان تولى الخلافة بإجماع الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم. ولهذا قال من قال من العلماء، ولا إمام كالإمام أحمد وغيره: أن من طعن في خلافة هؤلاء الخلفاء الأربعة، فقد طعن في إجماع الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم. وروي عن أحمد أنه قال: فهو أظلم من حمار أهله، إذ أنه كان عنده من الجهل ما هو أظلم من الحمار. كيف يستطيع أن يتجرأ على الاعتراض على جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم، وقد أجمعوا على هذا الترتيب في الخلافة؟ أجمعوا على خلافة أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي رضي الله عنهم أرضاهم. وهكذا كذلك ترتيبهم في الفضل على ترتيبهم في الخلافة، فإنهم لم يختاروا إلا من رأوه هو الأفضل. وما أكثر ما جاء في الأحاديث من ذكر عثمان مع أبي بكر وعمر رضي الله عنهم أرضاهم، وكلهم أهل فضل، رضي الله عنهم جميعًا وأرضاهم. وهؤلاء الستة الذين اختارهم عمر رضي الله عنه، هم عثمان وعلي والزبير وطلحة وسعد وعبد الرحمن، وجعل فيهم ابنه عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء، كما صحت به الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكلهم كما نرى من العشر المبشرين بالجنة. قال رحمه الله تعالى: وقتله في ذي الحجة لثمان عشرة خلت منه بعد العصر، وهو يومئذ صائم، سنة خمس وثلاثين، وهو ابن اثنتين وثمانين سنة، فرضي الله عنه وارضاه. ختم الله له بالشهادة، فمات شهيدًا كما بشره بذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والأحاديث التي تدل على ذلك كثيرة عنه عليه الصلاة والسلام بتبشير عثمان، وهكذا عمر رضي الله عنهما بالشهادة. قال عليه الصلاة والسلام: «أثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان». نبي وصديق وشهيدان. فإذا كان كذلك، فعلى القول بأن أبا بكر كذلك قتل مسمومًا بسم اليهود، فهو شهيد رضي الله عنه. فكيف الجمع بين هذا وبين ما جاء في هذا الحديث من ذكر أنه صديق؟ قال بعض أهل العلم: لأن الصديق أرفع من الشهيد، لأن الصديق أرفع من الشهيد. قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾، فقدم منزلة الصديقية على منزلة الشهادة. فإذا ذكرت الصديقية، فهي فيها الشهادة وزيادة. فلهذا ذكر الصديق. ولا مانع أن يكون الصديق شهيدًا، لا مانع أن يكون الصديق شهيدًا بنص القرآن والسنة عن النبي عليه الصلاة والسلام. وكان قتل عثمان رضي الله عنه أرضاه في فتنة عظيمة وقعت، وأخبار ذكرها العلماء من تأليب أهل الفساد والشر والفتنة. وقد ذكر ذلك الحافظ بن كثير، وهكذا كذلك الإمام الذهبي رحمه الله وغيرهم من أهل العلم، حتى في ثنايا كتبهم كشيخ الإسلام تلميذ بن القيم، وعدد من أهل العلم. وقد وقعت في عهد عثمان رضي الله عنه أمورًا كثيرة يستغلها بعض أهل الشر والفساد من الرافضة وغيرهم. وقد بيّنها العلماء في كتبهم وأوضحوها وردوا على المبطلين. فشيخ الإسلام ذكرها ذكر هذه في مواضع من كتبه، منها «منهاج السنة» في رده على الرافضة. وهكذا كذلك ذكر معنى ذلك الحافظ بن كثير في «البداية والنهاية»، وهكذا الحافظ الذهبي رحمه الله. ومن أحسن الكتب التي جمعت هذه المباحث واعتنت بها «العواصم من القواصم» لابن العربي، ونحوه كتاب ابن الوزير، فإنه من أحسن ما جمع كلام أهل العلم فيما يتعلق بهذه المواضع التي استغلها بعض أهل الشر والفساد، منها ما هو كذب، ومنه ما هو حق له وجه، ومنه ما هو حق ولكنه حرف فزيد فيه أو نقص منه، وغير ذلك مما بيّنوه رحمهم الله تعالى. فينبغي لطالب العلم أن يرجع إلى مثل هذه المواضع. قال رحمه الله تعالى: وله من الولد عبد الله الأكبر، وأمه رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، توفي وهو ابن ست سنين، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبره. وعبد الله الأصغر، وأمه فاختة بنت غزوان أخت عتبة. وعمر وخالد وأبان ومريم، أمهم أم عمر بنت جندب بن عمر بن حممة من الأزد من دوس. والوليد وسعيد وأم عثمان، أمهم فاطمة بنت الوليد بن عبد الشمس بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. وعبد الملك، لا عقب له، مات رجلًا، وأمه أم البنين بنت عيين بن حصن بن حذيفة بن زيد. وعائشة وأم أبان وأم عمر، وأمه رملة بنت شيبة بن ربيعة. وأم خالد وأروى وأم أبان الصغرى، أمهم نائلة بنت الفرافصة بن الأحوص بن عمر بن ثعلب بن الحارث بن حصن بن ضنضم بن عدي بن جناب من كلب بن وبرة. وهؤلاء وهؤلاء كلهم أولاده من نساء مختلفات كما رأينا. وبعض أهل العلم ذكر شيئًا غير هذا أو زاد أو نقص، لكن ما ذكره هو المشهور الذي ذكره أهل السير والتاريخ. وخلافة عثمان رضي الله عنه أرضاه كانت مليئة بالخير للإسلام والمسلمين، فإنه سار على ما كان عليه الخليفتين الراشدين من قبله، ما كان عليه الخليفتين الراشدين أبو بكر وعمر رضي الله عنهما. بل إن الله عز وجل فتح عليه من الفتوح ما لم يكن من ذي قبل، فقد بلغ ملك الإسلام في عهده رضي الله عنه إلى أقصى المشرق وأقصى الشمال. فكما ذكر في ترجمته رضي الله عنه أن فتوح المسلمين بلغت إلى كابل، وهي عاصمة أفغانستان اليوم، وكذلك زابلستان وغزنة، وهي كانت من ثغور المسلمين جنوب الهند اليوم. غزنة هذه تعتبر أقصى جنوب شرق الهند، وهذا في زمن عثمان رضي الله عنه أرضاه. وهكذا ما وراء النهر إلى بلاد خراسان والجوزجان وطاجاكستان، وكذلك إلى دول أخرى في تلك الجهة ما وراء النهر. فانظروا إلى أين وصلت الفتوح، ويدل كذلك على فضل هذا الخليفة الراشد وحرصه على أن تكون كلمة الله هي العليا، ففتح الله عز وجل على يديه فتحًا عظيمًا. وهكذا إلى الشمال وصل إلى أقصى بلاد الروم إلى أنطاكيا وطرسوس وغيرها من بلاد الروم، فرضي الله عنه وأرضاه. قال رحمه الله تعالى: أبو الحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، هو ابن عبد المطلب، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، وهي أول هاشمية ولدت هاشميًا. أسلمت وهاجرت إلى المدينة، وماتت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. وتزوج فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فولدت له الحسن والحسين ومحسنًا مات صغيرًا. وله من الولد محمد بن الحنفية، وأمه خولة بنت جعفر من بني حنيفة. وعمر بن علي، وأخته رقية الكبرى وهما توأم، أمهما تغلبية. والعباس الأكبر بن علي، يقال له السقاء، قتل مع الحسين وأخوته لأمه وأبيه عثمان وجعفر وعبد الله، بنو علي، أمهم أم البنين الكلابية. وعبيد الله وأبو بكر بن علي، لا بقية لهما، أمهما ليلى بنت مسعود النهشلية. ويحيى بن علي مات صغيرًا، أمه أسماء بنت عميس. ومحمد بن علي الأصغر، يعني بعد تزوجها رضي الله عنه بعد ذلك، لأن اسمها بنت عميس كانت مع أبي بكر. قال: ومحمد بن علي الأصغر لأم ولد. ودرجة وأم الحسن ورملة، أمهما أم سعيد بنت عروة بن مسعود الثقفي. وزينب الصغرى وأم كلثوم الصغرى ورقية الصغرى وأم هانئ وأم الكرام وأم جعفر، اسمها جموانة. وأم سلمة وميمونة وخديجة وخاطمة وأمامة، بنات علي لأمهات أولاد شتى. وكانت خلافته أربع سنين وسبعة أشهر وأيامًا على اختلاف في الأيام. قتل وله ثلاث وستون سنة. وقد تقدم معنا أنه يوافق جماع من الصحابة في موتهم على سن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: وقيل خمس وستون، وقيل ثمان وخمسون، وقيل سبع وخمسون. والصحيح أنه على ثلاث وستين كما تقدم معنا. قال: عام الجماعة سنة أربعين. وهذه بعض سيرة هذا الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وفي فضائله أحاديث كثيرة كعثمان رضي الله عنه وكغيره من الصحابة. وترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة، وهذا هو الذي استقر عليه قول أهل السنة والجماعة، وهو الذي دلت عليه الأدلة. وكون علي رضي الله عنه وردت في فضله أحاديث كثيرة، لا يعني ذلك أنه أفضل من أبي بكر وعمر وعثمان. وقد بيّن العلماء أن العبرة بالنوع لا بالعدد، العبرة بنوع أحاديث الفضل لا بعددها. فقد يرد أحاديث كثيرة، لكن لا يعني ذلك أنه أفضل من أبي بكر ولا أفضل من عمر رضي الله عنه. فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد قال في أبي بكر ما قال، حين وقع من بعض من وقع بينه وبين أبي بكر شيئًا، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟» ثم ذكر شيئًا من فضائله مما خصه الله عز وجل بها، فدل على أنه خير الناس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويكفي في خيريته أن اختاره الله بأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يكون إمامًا للمسلمين، حتى قال المسلمون: كيف لا نرضاه لدنيانا وقد رضيه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا؟ فالشاهد قول من قال بتقديم علي رضي الله عنه على الخلفاء الثلاثة قبله، قول ضال مخالف للنصوص الشرعية وإجماع الصحابة. وإن كان ورد في حق علي أحاديث كثيرة في فضله، إلا أن ذلك لا يعني أنه أفضل من الخلفاء الثلاثة الذين سبقوا، خصوصًا أبا بكر وعمر رضي الله عنهم جميعًا وأرضاهم. وهكذا كذلك وقع في زمن علي وقائع وأمور مما وقع بين الصحابة. وطريقة أهل السنة والجماعة وما كان عليه قبل ذلك ألا إمامة ومن قبلهم من سلف الأمة، هي الإمساك عن ذلك. فالصحابة جميعًا رضي الله عنهم لا يذكرون إلا بالجميل، لا يذكرون إلا بالجميل. فإن هذه سنة أهل الإسلام السوي أن لا يذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالخير والجميل، فلهم من السابقة ولهم من الفضل ما يغمر لو قدر أن عند أحدهم خطأ مع تلك البحور والحسنات. وكما قال الإمام ابن القيم رحمه الله رحمة واسعة: «الماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث». يعني هذا حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الماء. فكيف بمن له فضل هو أعظم من قلتين؟ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه». بعظيم فضلهم، وكذلك ما كانوا عليه من السابقة، رضي الله عنهم أرضاهم. ولمن أراد أن يتفهم وأن يقف على كلام أهل العلم والتحقيق في تلك القضايا، فهناك كما تقدم معنا كلام العلماء فيما سبقت الإشارة إليه. ومن أحسنها كما سبق «كتاب العواصم من القواصم» لابن العربي، ومثله لابن الوزير، رحمهم الله تعالى جميعًا. ومما ينتبه له كذلك أن يحذر كذلك من بعض مواضع الغلو التي حذر منها العلماء، وقد تكون خفية لا يستشعرها بعض الناس، حتى ولو في بعض العبارات، مثل قول بعض الناس: «علي كرم الله وجهه»، يخصون عليًا بهذا اللفظ دون سائر الصحابة، هذا من الغلو فيه رضي الله عنه أرضاه. فليس هو فقط من لم يعبد الأصنام، فهناك كثير من الصحابة من لم يعبد شيئًا من الأصنام، ولكن هذا موضع من مواضع الغلو. وهكذا كذلك أشياء أخرى، فينبغي الحذر منها. وقد كان بعض العلماء ولأئمة يرون بعض هذا اليسير من التشيع، يرون بعض هذا اليسير من التشيع فيحذرون منه. فلذلك ينبغي المسلم أن يحذر من بعض ما قد يكون قد دخل على الناس بسبب تساهل مثل هذه العبارة ونحوها من الأمور الأخرى. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.