الدرس في التعليق على مذكرة على العقيدة الواسطية للعلامة العثيمين 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
درس شيخنا أبي عبد الرحمن بن مرعي في شرح مذكرة العثيمين على العقيدة الواسطية، حيث تطرق إلى معنى الإلحاد لغة واصطلاحا وأنواعه في أسماء الله وآياته. ثم بين طريقة القرآن والسنة في صفات الله من حيث الإجمال والتفصيل.
يتناول شرحًا لصفات الله تعالى الثبوتية مثل العلم والقدرة والحكمة والإرادة والمحبة، وغيرها من الصفات الذاتية والفعلية. كما يتطرق إلى الصفات السلبية التي نفاها الله عن نفسه وتتضمن إثبات كماله.
يتضمن شرحًا لأسماء الله وصفاته، مثل الأول والآخر والظاهر والباطن، والعلم والقدرة والقوة، والمشيئة والمحبة والمغفرة والرحمة. مع التأكيد على إثباتها على حقيقتها دون تحريف أو تعطيل.
يتناول البرهان العقلي الأول على امتناع تعدد الآلهة، وهو مأخوذ من الآيات التي تشير إلى أن وجود إله آخر كان سيؤدي إلى اختلاف في الخلق. يبرهن هذا على وحدانية الله تعالى.
درس فضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله في التعليق على مذكرة على العقيدة الواسطية للعلامة الفقيه محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنواصل قراءتنا في كتاب شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى، مذكرة على العقيدة الواسطية. قال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين عليه رحمة الله: الإلحاد الإلحاد لغة الميل، والصلاحا الميل عما يجب اعتقاده أو عمله، ويكون في أسماء الله لقوله تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾، ويكون في آيات الله لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾. وأنواع الإلحاد في أسماء الله أربعة: أن ينكر شيئًا منها أو مما تضمنته من الصفات كما فعل الجهمية، ثانيًا: أن يسمى الله بما لم يسم به نفسه كما سماه النصارى أبا، الثالث: أن يعتقد دلالتها على مماثلة الله لخلقه كما فعل المشبهة، الرابع: أن يشتق منها أسماء للأصنام اشتقاق المشركين العزى من العزيز. وأما الإلحاد في آيات الله فنوعان: الإلحاد في آيات الله الكونية التي هي المخلوقات، وهو إنكار إفراد الله بها بأن يعتقد أن أحدًا انفرد بها أو ببعضها دونه، وأن معه مشاركًا في الخلق أو معينًا، الثاني: الإلحاد في الآيات الشرعية التي هي الوحي النازل على الأنبياء، وهو تحريفها أو تكذيبها أو مخالفتها. قال رحمه الله: الإلحاد لغة الميل، وعلى قاعدة أهل العربية اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، فمبنى الإلحاد لحدًا يختلف عن معنى الميل مالًا، ولكن هذا تقريب للمعنى، فالإلحاد مأخوذ من لفظه، فاللام والحاء والدال تدلان على الميل بجانب. والإلحاد ميل عما يجب اعتقاده أو عمله، وهذا الاصطلاح مأخوذ من نصوص الشرع، فكل من مال عما يجب اعتقاده أو عمله فقد ألحد، ولهذا يسمى الكافر بوجود الله عز وجل ملحدًا؛ لأنه مال عن الفطرة المستقيمة. قال رحمه الله: طريقة القرآن والسنة في صفات الله من حيث الإجمال والتفصيل، طريقة القرآن والسنة هي الإجمال في النفي والتفصيل في الإثبات غالبًا؛ لأن الإجمال في النفي أكمل وأعم في التنزيه من التفصيل، والتفصيل في الإثبات أبلغ وأكثر في المدح من الإجمال. سورة الإخلاص هي «قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد»، وسميت به؛ لأن الله أخلصها لنفسه، فلم يذكر فيها إلا ما يتعلق بأسمائه وصفاته، ولأنها تخلص قارئها من الشرك والتعطيل. ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾، وسميت آية الكرسي لذكر الكرسي فيها، وهي أعظم آية في كتاب الله. معنى قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، هذه الأسماء الأربعة فسرها النبي صلى الله عليه وسلم بأن الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء. العلم: إدراك الشيء على حقيقته، والمراد بالإدراك ها هنا الإحاطة، وهذه اللفظة بعض أهل العلم لهم فيها وقفة، ولكن بحسب السياق يفهم المعنى. القدرة: يتمكن من الفعل بلا عجز، ودليلها قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، القوة: يتمكن من الفعل بلا ضعف، ودليلها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾. الحكمة: وضع الشيء في موضعه على وجه متقن، ودليل اتصاف الله بها قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾، وللحكيم معنيان: أحدهما أن يكون بمعنى للحكمة، فلا يأمر بشيء ولا يخلق شيئًا إلا لحكمة، والثاني أن يكون بمعنى الحاكم الذي يحكم بما أراد. الإرادة: تنقسم إلى قسمين: كونية وهي التي بمعنى المشيئة، وشرعية وهي التي بمعنى المحبة، فدليل الكونية قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾، ودليل الشرعية قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾. المحبة: صفة من صفات الله الفعلية، ودليلها قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾. المغفرة والرحمة: الدليل على ثبوت الصفة المغفرة والرحمة لله قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، والمغفرة: ستر الذنب والتجاوز عنه، والرحمة: صفة تقتضي الإحسان والإنعام. الرضا والغضب والكراهة والمقت والأسف: الرضا صفة من صفات الله، مختضاها محبة المرضي عنه والإحسان إليه، ودليلها قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾، والغضب: صفة من صفات الله، مختضاها كراهة المغضوب عليه والانتقام منه. المجيء والإتيان: من صفات الله الفعلية، وهما ثابتتان لله على الوجه اللائق به، ودليلهما قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾. الوجه: صفة من صفات الله الذاتية الثابتة له حقيقة على الوجه اللائق به، ودليله قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾. اليد: إن يدي الله من صفاته الذاتية الثابتة له حقيقة على الوجه اللائق به، يبسط ما يشاء ويقبض به ما شاء، ودليله قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾. العين: إن عيني الله من صفاته الذاتية الثابتة له حقيقة على الوجه اللائق به، ينظر به ما يشاء ويرى، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾. السمع: صفة من صفات الله الثابتة له حقيقة على الوجه اللائق به، وجليله قوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، وينقسم إلى قسمين: الأول بمعنى الإجابة، وهذا من الصفات الفعلية، والثاني بمعنى إدراك المسموع، وهذا من الصفات الذاتية. الرؤية: صفة من صفات الله الذاتية الثابتة له حقيقة على الوجه اللائق به، وتنقسم إلى قسمين: أحدهما بمعنى البصر، وهو إدراك المرئيات والمبصرات، ودليلها قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾، والثاني بمعنى العلم، ودليلها قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾. المكر والكيد والمحال: معنى هذه الكلمات الثلاث متقارب، وهو التوصل من أسباب خفية إلى الانتقام من العدو، ولا يجوز وصف الله بها وصفًا مطلقًا، بل مقيدًا؛ لأنها عند الإطلاق تحتمل المدح والذم. العفو: هو المتجاوز عن سيئات الغير، وهو من أسماء الله، ودليله قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾. الصفات السلبية: سبق لك أن صفات الله ثبوتية وهي التي أثبتها الله لنفسه، وسلبية وهي التي نفاها عن نفسه، وأن كل صفات سلبية فإنها تتضمن صفة مدح ثبوتية. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، فلا تجعل لله أندادًا، والسمي والكفء والند معناها متقارب، وهو الشبيه والنظير، ونفي ذلك عن الله يتضمن انتفاء ما ذكر وإثبات كماله. ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾، فأمر الله بحمده لانتفاء صفات نقص عنه، ويتخذ الولد ونفيه عن الله يتضمن مع انتفائه كمال غناه. ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، والتسبيح تنزيه الله عن النقص والعجز، وذلك يتضمن كمال صفاته. ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، ففي هذه الآية نفي اتخاذ الولد ونفي تعدد الآلهة، وتنزيه الله عما وصفه به المشركون. ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، وهذه المحرمات الخمس أجمعت عليها الشرائع، وفيها إثبات الحكمة وإثبات الغيرة له. قال الشيخ رحمه الله: معنى قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، هذه الأسماء الأربعة فسرها النبي صلى الله عليه وسلم بأن الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء. العلم: إدراك الشيء على حقيقته، والمراد بالإدراك ها هنا الإحاطة، فليس في هذا السياق معنى مذموم، وإنما المراد به الإحاطة. مفاتح الغيب: فسرت بهذه الآية، كما ذكر الشيخ رحمه الله تعالى، وختمت بالعليم الخبير الذي يتضمن معرفته سبحانه ببواطن الأمور. القدرة والقوة: وغيرها من الأسماء والصفات، فالأسماء تتضمن صفات، والصفات تتضمن أفعالًا، فنشتق من كل اسم صفة وفعل، ونشتق من كل صفة فعل. حكمة الله: نوعان: شرعية وكونية، فالشرعية ما كان منها في الشرع مما جاء به الرسل من الوحي، فهو كله متقن محكم، والكونية ما كان في مخلوقاته مما يكون فيه من الإتقان والإصلاح. أحكام الله: شرعية وكونية، والشرعية ما يكون بها التقدير والخلق، والكونية ما يكون به القضاء في الشرع. رزق الله: عام وخاص، فالعام ما يقوم به البدن من طعام وغيره، وهو شامل لكل مخلوق، والخاص ما يصلح به القلب من الإيمان والعلم والعمل الصالح. المشيئة: واحدة وهي بمعنى الإرادة الكونية، وننتبه لهذا؛ لأن منهم من يغلط فيجعل المشيئة مشيئتان، وهذا خطأ. المحبة: صفة من صفات الله الفعلية، فالله يحب ويحب عقيدة نعتقدها، دلت عليها دلة الكتاب والسنة. المغفرة والرحمة: نثبتها على حقيقتها مع إثبات معناها على حقيقته، فالمغفرة: ستر الذنوب والتجاوز عنها، والرحمة: صفة تقتضي الإحسان والإنعام. الرضا والغضب: نثبته على ما هو معلوم من معناه، بما يليق بجلال الله وعظمته، ولا نحرفها، فنقول: الانتقام أو إرادة الانتقام، بل هذا مقتضاها. المجيء والإتيان: نثبته على ما يليق بجلال الله وعظمته، أثبته الله لنفسه في كتابه، ونبينا صلى الله عليه وسلم في سنته. الوجه واليد والعين: نثبتها لله على ما يليق بجلال الله وعظمته، من غير تحريف ولا تعطيل، من غير تكيف ولا تمثيل. السمع والرؤية: نثبتها على ما يليق بجلال الله وعظمته، ونقول: أنها على ظاهرها وحقيقتها كما يليق بجلال الله وعظمته. المكر والكيد والمحال: صفات وردت مقيدة، يجب تقييدها كما وردت. الصفات السلبية: تؤت بها لإثبات كمال الضد، كما تقدم وسبق الكلام عليه. البراهين العقلية لامتناع تعدد الآلهة: ذكر البرهان الأول المأخوذ من الآيات، لو كان معه إله لنفر عن الله بما خلق، وهذا لم يكن في الحس ولا في العقل، فدل على أنه إله واحد. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.