الدرس في التقريرات السنية على المنظومة البيقونية 24، الدرس الرابع والعشرون : الحديث المرسل . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الحديث المرسل يُعرَّف لغة بالإطلاق وعدم التقييد بجميع الرواة، واصطلاحًا بسقوط الصحابي من الإسناد. يُعتبر سقوط الصحابي لا يضر لكونهم كلهم عدول وثقات.
الحديث المرسل ضعيف عند جمهور أهل العلم لعدم معرفة الساقط، ولا فرق بين مراسيل كبار التابعين وصغارهم في الضعف. بعض الأئمة اعتبروا مراسيل كبار التابعين ولكن ليس دائمًا بشكل صحيح.
يتم التفريق بين كبار الرواة وصغارهم بناءً على طبقاتهم في الرواية، حيث يعتبر من يروي عن الصحابة مباشرةً كبيرًا ومن يروي عن التابعين عن الصحابة صغيرًا.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الناظم رحمه الله تعالى: ومرسل منه الصحابي سقط. قال الشارح رحمه الله تعالى: الحديث المرسل، قال: قوله «ومرسل» بصيغة اسم المفعول، لغة مأخوذ من الإرسال، وهو الإطلاق، فكأن الراوي المرسل أطلق الإسناد ولم يقيده بجميع الرواة. ووجه تسميته مرسلًا أنه كأنه أرسله وتعدى بذلك أناسًا، فلهذا قال: أطلق الإسناد ولم يقيده بجميع الرواة. والمعنى أن المرسل أرسل إلى من لم يسمع منه، ولهذا سمي مرسلًا. وسيأتي إن شاء الله أنه لأجل هذا المعنى صار المرسل ينقسم إلى قسمين: مرسل جلي، ومرسل خفي. وهذا الذي نحن في صدده هو المرسل الجلي، أي المرسل الظاهر. وأما المرسل الخفي، فسيأتي الكلام عليه إن شاء الله. قال رحمه الله تعالى: واصطلاحًا هو الحديث الذي منه -أي لما قال «ومرسل منه» قال- أي من إسناده الصحابي سقط، قال: بأن رفعه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأسقط الصحابي. قال: وهذا خلاف الصحيح عندهم -يعني عند أهل علم مصطلح الحديث- لأن سقوط الصحابي لا يضر، فالصحابة كلهم عدول وثقات، فسقوط الصحابي لا يضر. ولو تأكدنا أن الساقط هو الصحابي لم يضر ذلك في الحديث، لكن لعدم علمنا بالساقط كان ذلك سببًا في رد الحديث المرسل، كما سيأتي إن شاء الله الكلام عليه. ولهذا قال: وهذا خلاف الصحيح -يعني تعريف الناظم قاصر-، وصوابه كما سيأتي أنه ما قال التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وهذا خلاف الصحيح عندهم، إذ له علم أن الساقط هو الصحابي، لما ساغ لأحد أن يختلف في حجيته، ما أن الجمهور على ضعفه وعدم حجيته -يعني حديث المرسل-، جمهور أهل العلم أنه من قسم الضعيف، بغض النظر عن الإسناد قبل التابعي. يعني إذا كان الإسناد قبل التابعي ضعيفًا فهو يزداد ضعفًا لأجل الإرسال ولأجل ما قبل الإرسال من ضعف. وإذا كان إلى التابعي صحيحًا فهو ضعيف لأجل الإرسال. وهذا هو الصحيح، وهو قول جمهور أهل العلم، وذلك لأن الساقط غير معلوم. وبالتتبع وجد -كما سيأتي إن شاء الله- أنه سقط أكثر من تابعي في بعض ما يرويه التابعون عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث المرسلة. وعلى هذا فالصحيح لا فرق بين كبار التابعين وصغار التابعين، فالأحاديث المرسلة لكبار التابعين وصغار التابعين كلها من قسم الضعيف لعدم علمنا بالساقط. فإذا هو ما قال التابعي مطلقًا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا هو الحديث المرسل. وقولنا مطلقًا يعني سواء كان صغيرًا أو كان كبيرًا، لا فرق على الصحيح. وأما ما يرويه من أن بعض الأئمة اعتبر بعض مراسيل كبار التابعين حجة، فهو يوجه بأحد توجيهين: إما أن ذلك في قضية عين، كما يرويه عن الإمام الشافعي في النهي عن بيع اللحم بالحيوان، جاء مرسلًا من حديث سعيد بن المسيب. والصحيح أن الإمام الشافعي لم يصحح لكونه رواية عن سعيد بن المسيب مرسلًا وكونه من كبار التابعين، ولكن الصحيح كما ذكر الخطيب البغدادي وغيره أنه لأن للحديث شواهد تؤيد هذا المرسل وفتاوى -أي للصحابة-، فالمرسل مما يصلح للاعتضاد إذا عضده ما يعضده من مراسيل أخرى أو أحاديث يشتد بها هذا المرسل. إما أن يكون ليس هو لقضية عين بعينها، ولكن لأجل تتبع واستقراء بحسب علم هذا العالم أن فلانًا من التابعين إذا روى مرسلًا فهو يكون غالبًا من المراسيل التي تقبل، لكونه لا يسقط إلا صحابيًا، ولا يروي إلا فيما سمعوا عن صحابي. وهذا الذي ادعاه بعض أهل العلم في رواية سعيد بن المسيب وغيره، مما سيأتي إن شاء الله الإشارة إليه. وهذا لو قيل لا يلزم منه التسليم، لأنه قد يعارض بأن ما الدعي فيه هذا القول ليس مسلمًا، فيثبت غير من يقول هذا القول أن هذا الإمام من التابعين، ولو كان من كبار التابعين ثبت أنه روى شيئًا عن غير الصحابة وهو مرسل. فالخلاصة الصحيح أنه لا فرق بين مراسيل كبار التابعين وصغار التابعين. قال رحمه الله: فالصحيح أن يقال: إن المرسل هو ما رفعه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كان التابعي كبيرًا -وهو من كان أكثر روايته عن الصحابة كسعيد بن المسيب- أو صغيرًا كمحمد بن شهاب الزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري. قال في «طلعة الأنوار»: ما رفع التابعي مرسلًا، وقيل: كبيرهم، لكن ذاك المستطيل. وكما قلنا: الصحيح لا فرق بين مرسل صغير ومرسل كبير، فمرسل الصغير والكبير سواء، فكل مرسل حكمه الضعف كما تقدم، وقول جمهور أهل العلم. وعلمنا التفريق بين الصغير والكبير كما ذكر رحمه الله تعالى: فالذي يروي غالبًا عن الصحابة فهو كبير، والذي يروي عن التابعين عن الصحابة غالبًا فهو صغير. وسيأتي إن شاء الله زيادة بيان في التعليق على التعليق في درس لاحق. وإلى هنا والله تعالى أعلم.