الدرس في التقريرات السنية على المنظومة البيقونية 40، الحديث الشاذ . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل تعريف الشاذ والمقلوب كقسمين من أقسام الحديث، حيث عرف الشاذ بأنه مخالفة الثقة لمن هو أكثر منه، وتناول تفاصيل هذا التعريف وأقسامه. كما تطرق إلى تعريف المقبول وأهمية الأولوية في قبول الرواية.
يشرح هذا الفصل كيفية التعامل مع الشذوذ في الحديث، إما بالجمع بين الروايات إذا أمكن ذلك، أو بالترجيح بينها إذا لم يمكن الجمع، مع تقديم أمثلة على الشذوذ في المتن والسند. كما يبين أهمية فهم المحفوظ والشاذ في علم الحديث.
يناقش هذا الفصل حكم الطلاق بدون نية، حيث يرى أن الطلاق لا يقع بدون نية، ولكنه يوجب كفارة يمين على الشخص. يشرح الكفارة المطلوبة وهي إطعام أو كسوة عشرة مساكين أو صيام ثلاثة أيام إذا لم يستطع.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الناظم رحمه الله تعالى: وَمَا يُخَالِفُ ذَاقَةً فِيهِ الْمِلأُ فَالشَّاذُ وَالْمَقْلُوبُ قِسْمَانِ تِلْوَ أَ أورد رحمه الله تعالى هذا البيت في سياق ذكره لأقسام الحديث، وذكرها هنا: الشاذ، فعرفه بأنه مخالفة الثقة لمن هو أكثر منه، يعني من الثقات، ثم ذكر المقلوب، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله. ثم قال: قِسْمَانِ تِلْوَ أَ، والظاهر أن قوله: قِسْمَانِ تِلْوَ أَ يعود إلى الشاذ ويعود إلى المقلوب، فالشاذ على قسمين، والمقلوب كذلك على قسمين. قال الشارح رحمه الله تعالى: الحديث الشاذ، قال: قوله: وَمَا يُخَالِفُ أي راوٍ ثقة، أي عدل ضابط، وتقدم معنى الثقة في الكلام على الحديث الصحيح وما حوله، معنى الثقة فيما يغني عن الإعادة. ففسره هاهنا بأنه العدل الضابط، لأن مرتبة الثقة يكون فيها هذين المعنيين: ما يتعلق بالرواية، وما يتعلق بالديانة. وسيأتي معنى أن من أهل العلم من قال: إن الشاذ ليس فقط بمخالفة الثقة، لأن المخالف قد يكون ليس ثقة، بل هو دون الثقة. ولهذا بعضهم ارتضى تعريف بعض المتأخرين -ما نقله الحافظ ابن حجر رحمه الله- أنه مخالفة المقبول لمن هو أولى منه، وسيأتي التنبيه عليه إن شاء الله في التعليق. قال رحمه الله تعالى: وقوله: فِيهِ أي في الحديث، أي في متنه أو في سنده، بزيادة أو نقصان، أي الشذوذ أحيانا يكون في السند، وأحيانا يكون في المتن. وهذا هو قوله: قِسْمَانِ تِلْوَ أَ، أي أن الشاذ على قسمين: شاذ في السند، وشاذ في المتن. وهذا الشذوذ قد يكون بالزيادة، وقد يكون بنقصان. وسيأتي معنا أنه قد يكون الشذوذ بغير زيادة ولا نقصان، ولكن يكون بمطلق التفرد، فمطلق التفرد يكون كذلك -في قول المحققين من أهل العلم- معنى من معاني الشذوذ. ولا يعرف ذلك إلا الحذاق من أهل المعرفة والخبرة في الحديث، ولهذا صار الشاذ يختلف أحيانا عما يسمى بزيادة الثقة، ويحصل اللبس فيه لبسا شديدا، حتى ربما لم يميز ذلك من له معرفة بالحديث، فضلا عما دون هؤلاء. قال رحمه الله تعالى: وقوله: الْمِلأُ أي الجماعة الثقات فيما رووه، الأصل: الْمِلأُ الجماعة، لكن بقرينة اللفظ والسياق والمعنى، علم أن المقصود بالْمِلأُ ما كان من جنسي المذكور قبل، وهو الثقة. ولهذا قالوا: هو مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، أي من جماعة أو فرد أوثق، فقد يكون ثقات بنفس مستواه، لكنهم أكثر، فهم قولهم أرجح منه، وقد يكونوا واحدا ولكنه أرجح وأوثق، فيكونوا كذلك قوله أرجح منه. فإذن قولهم: الْمِلأُ ليس المقصود الجماعة على كل حال، ولكن المقصود هو حصول الأولوية، أي كونه أولى منه، إما لزيادة ثقته، وإما لأنهم أكثر. والصحيح أن الشاذ أدق من هذا، لأننا لو قلنا: مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، صار يوجد ما هو دون الثقة، فماذا نسميه إذا خالف الصدوق؟ وماذا نسميه إذا خالف المقبول، وهو ممن تقبل روايته؟ فاحتيج إلى عبارة أدق، فقال من قال من أهل المعرفة بالحديث: الأولى أن يقال: مخالفة المقبول لمن هو أولى منه، لأن المقبول أدنى مراتب من تقبل روايته، فلذلك قالوا: مخالفة المقبول لمن هو أولى منه. قال رحمه الله تعالى: أو من هو أحفظ أو أضبط، يعني فيه زيادة ثقة، ثقته فيها شيء من الزيادة. قال: ما عدم إمكان الجمع، لأنه إذا أمكن الجمع بين هذه المخالفة وهذه، فالأولى الجمع، كما تقدم معنا في القاعدة الأصولية، وهي تكاد تكون مضطردة: أن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما. فكذلك ها هنا، إذا أمكن الجمع، ما دام الجميع ثقة، فالأولى الجمع من أن نقول: هذا شاذ. وتفصيل ذلك سيأتي إن شاء الله، الإشارة إليه في بعض الأمثلة، وربما التفصيل الأكثر في كتب أوسع. قال رحمه الله: بأن كان يلزم من قبوله رد غيره، يعني إذا لم يمكن الجمع، فلابد من الترجيح، وإن أمكن الجمع، فلا حاجة للترجيح. وكيف يكون الترجيح؟ الترجيح بقبول من فيه معنى زائد في شروط صحة الحديث، فيقبل، والآخر الذي فيه معنى أقل يرد، فالمقبول يسمى محفوظا، والمردود يسمى شاذا. المقبول يسمى محفوظا عند الترجيح، المحفوظ يسمى مقبولا، والمردود يسمى شاذا. فإن كان الشذوذ من ضعيف، فهو منكر، كما سيأتي معنا إن شاء الله. وإن كان من ثقة، فهو شاذ، أو ممن تقبل روايته، فهو شاذ. وإن حصل الجمع بين ما ظاهره الشذوذ وبين ما ليس ظاهره الشذوذ، فيقال: هذا محفوظ، وهذه زيادة ثقة، يعني ما ظاهره المخالفة إذا أمكن الجمع، فتسمى زيادة الثقة. قال رحمه الله تعالى: فالشاذ، أي فهو المسمى عندهم بالشاذ، يعني ما كان هذا تعريفه، فهو الشاذ. وسيأتي معنا أن هذا التعريف منتقد، ويوجد ما هو أحسن منه وأدق. قال: أي فهو المسمى عندهم بالشاذ، المشترط انتفاؤه في حد الصحيح، لأنه مر معنا في الصحيح: أن لا يكون شاذا ولا معللا. قال: أما إذا أمكن الجمع، فلا يكون شاذا، ويقبل حديث الثقة حينئذ، وهذا ما يسمى بزيادة الثقة، وهو مبحث دقيق خفي، لا يعرفه إلا الحذاق من أهل هذا العلم. لأن إمكان الجمع والتفريق بين المقبول والمردود من زيادات الثقات، وما يكون في معنى الشذوذ، هذا لا يحسنه كل أحد، ولهذا قد يحصل خلاف بين أهل الحديث، فضلا عن من لا معرفة له ولا اختصاص بهذا العلم. قال: مثال الشذوذ في المتن، ما رواه أبو داود وغيره من حديث عبد الواحد بن زياد، وهو كما أشار المعلق: العبد البصري، قال: عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعا: «إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر، فليضطجع عن يمينه». فإن المحفوظ روايته من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، لا من قوله. وانفرد عبد الواحد بهذا اللفظ، بينما يعني كل من روى عن الأعمش، وهم أكثر وأوثق، لم يروه من قول من قوله، أي النبي عليه الصلاة والسلام، بل من فعل النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا رواية هذا الحديث من قول النبي عليه الصلاة والسلام شاذ، شد به عبد الواحد بن زياد، فهو من قسم الحديث الضعيف. والصواب المحفوظ هو ما رواه أكثر رواة الأعمش، ورووه من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، لا من قوله، وهذا واضح وظاهر. فصار الشذوذ هنا في كون هذا الراوي رواه من قول النبي عليه الصلاة والسلام، وغيره رواه من فعله. قال: ومثال في السند، ما رواه حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن عوسجة، أن رجلا توفي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يدع وارثا إلا مولى هو أعتقه. فإن المحفوظ فيه ما رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة من طريق ابن عيينة، عن عمرو، عن عوسجة، عن مولاه ابن عباس. فإذا صار رواية حماد بن زيد لهذا الأثر مرسلا خطأ، خالف فيه ثقات ممن رووا عن عمرو بن دينار، كابن عيينة وغيره ممن وافق ابن عيينة، كابن جريج وجماعة. ولهذا قال أبو حاتم: المحفوظ حديث ابن عيينة. وهذان المثالان يذكرهما كثير من ألف في كتب المصطلح في علم المصطلح وفي مباحثه. وقد أشار بالتعليق أنه ذكر -يعني معناه- في النزهة، وهكذا كذلك ذكر في التدريب، وبغيره من كتب المصطلح. فهذه المخالفة من حماد بن زيد، وهو أحد الثقات، كانت في السند، لأنه رواه مرسلا، ورواه غيره عن ابن عباس. فرجحوا رواية من رواه عن ابن عباس، عن رواية من رواه عن عوسجة، وهم أوثق وأكثر، كابن عيينة وابن جريج وجماعة. وسيأتي إن شاء الله في التعليق زيادة إيضاح لمباحث هذا النوع من أنواع الحديث. قال رحمه الله: ويقابل الشاذ المحفوظ، وحكم الأول الضعف، بخلاف المحفوظ فالقبول، يعني المحفوظ يقبل، كالمثالين السابقين، والشاذ يرد، كما هو في المثالين السابقين. قال: لاجتماله على صفة مقتضية للترجيح، ككثرة عدد، أو قوة حفظ، أو ضبط، فقد يكون الترجيح بسبب كثرة العدد، وقد يكون الترجيح بسبب قوة الحفظ والعدالة، وقد يكون بكل الأمرين. وهذا يقع مثل المثال الثاني، فإن ابن عيينة ومن معه هم أكثر عددا، وفيهم من هو أكثر ضبطا. وقد يكون مستوي الأمر إذا كان بين اثنين كلاهما سواء في الضبط والثقة، لكن زاد آخر، فرجح هذا الآخر قول الثاني عن الأول. هذا سائل يقول: هل الحديث المضطرب أو الشاذ ينفعان بالشواهد والمتابعات؟ وجزاكم الله خيرا. الحديث الشاذ من قسيم المعل والمعل، لا ينفع بالشواهد والمتابعات، ولكن علته ظاهرة، ولا يكون شاذا إلا وهو ليس له متابعة ولا شاهد. لكن قد يكون للحديث الشاذ معنى صحيح، دلت عليه بعض الأحاديث، فهنا نقول: هو ضعيف من جهة الرواية، ومعناه صحيح. ومثله المضطرب، يقول الرجل: تخاصم صاحبي في العمل، فقال: حرام علي إن فعلت كذا، فزوجتي طالق ثلاثا. مسكين زوجته، ما ذنبها في البيت تخدمك وتفعل وتفعل وتفعل وتقوم بأولادك، ثم تختلف أنت ورجل وتطلقها، ما رأيكم بهذا؟ ليس ظلم عظيم؟ هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ وهذا يجازيها بمثل هذه الإساءة العظيمة. وللأسف الكثير من العوام، بل وربما بعض من ينتسب إلى العلم من يفعل هذا، يقول: ومضى على ذلك أسبوع، ولم يفعل ذلك الشيء، لكن عمله يتطلب منه أن يعمله، فماذا عليه؟ عمله، إنه الطلاق، فعمله، فزوجته طالق، ما له حيلة إلا هذا، إلا أن لا يعمل العمل. مثل الرجل لو قال لزوجته: أنت طالق، ثم جاء يسأل: أنا غضبت وقلت لزوجتي أنت طالق، إيش الحل؟ نقول: ما لك حل، أنت طلقت، إيش نعمل لك حل؟ أنت قلت لزوجتك طالق، وفي الشرع من قال لزوجته طالق، زوجته تطلق، إيش نفعل؟ إذا كان يمكن نرد الزمان إلى الوراء، رددنا الزمان إلى الوراء، وقلنا: الكلمة ما خرجت، لكن كلمة خرجت. وهكذا الذي قال: إن فعلت كذا فزوجتي طالق، إنه والطلاق، فزوجته تطلق، ولا حيلة له غير هذا. وأما من لم ينو الطلاق، وإنما أراد التهديد أو أراد التأكيد، فهنا زوجته لا تطلق، ولكن عليه أن يكفر كفارة يمين، يكفر كفارة يمين: يطعم عشرة مساكين، أو يكسوهم، فإن لم يستطع، يصم ثلاثة أيام. طيب إلى هنا، والله تعالى أعلم.