كتاب الصلاة 3

كتاب الصلاة 3

الدرس في كتاب الصلاة 3، الدرس الثالث:من( الحديث الخامس والأربعون:عن عائشة رضي الله عنها ... ومع تحفظهن من إشهار أنفسهن بالزينة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

شرح حديث عائشة في صلاة الفجر

شرح حديث عائشة حول صلاة الفجر ونساء المؤمنات اللاتي يصلين مع رسول الله، وتناول معاني الألفاظ الغريبة في الحديث. بين الشارح جواز لبس الملون للمرأة عند الضرورة واستدلاله بآيات القرآن الكريم.

تفسير آية وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ

تفسير آية وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا، وشرح معنى الزينة الظاهرة والمخفية. بين ضوابط خروج المرأة للصلاة خصوصًا في صلاة الفجر مع اختلاف العلماء حول الأفضل في وقت صلاتها.

أوقات صلاة الفجر وخروج النساء

بيان أوقات صلاة الفجر وضوابط خروج النساء للصلاة. كان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل صلاة الفجر في أول وقتها، ويجوز للنساء الذهاب للمساجد بشرط عدم الفتنة والتحفظ.

فقه الصحابة في الأعمال الصالحة

يُظهر فقه الصحابة في تحقيق التوازن بين الأعمال الصالحة والواجبات الأخرى دون إفراط أو تفريط. بين أهمية عدم إهمال الأعمال الصالحة مع مراعاة الحقوق والواجبات الأخرى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: الحديث الخامس والأربعون، عن عائشة رضي الله عنها قالت: «لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الفجر، فتشهد معه نساء من المؤمنات متلفعات بمروطهن، ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد من الغلس». قال: «المروط: أكسية معلمة تكون من خز وتكون من صوف، ومتلفعات: ملتحفات، والغلس: اختلاط ضياء الصبح بظلمة الليل». أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى هذا الحديث في سياق ذكره لأحكام الصلاة ومواقيت الصلاة على باب الخصوص. وهذا اللفظ ليس موجودًا في البخاري ولا في مسلم، ولكنه رحمه الله ذكره بمعناه. وأقرب الألفاظ إليه لفظ لمسلم، وهو في الحقيقة لا يوافقه بتمامه، فلذلك يذكر لفظان يقربان المعنى. رواه الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه، حديث 232، قال: حدثنا نصر بن علي الجهضمي وإسحاق بن موسى الأنصاري، قالا: عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إن...» بدل «لقد...» قالت: «إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي الفجر...» وبدلًا من قوله: «فتشهد»، قالت: «فينصرف نساء...» ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد من الغلس. لم تذكر «من المؤمنات» ولا «متلفعات بمرطهن». ورواه مسلم قبله في حديث 231، بإسناد آخر عن عائشة رضي الله عنها بلفظ: «لقد كان نساء من المؤمنات يشهدن الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم متلفعات بمروطهن، ثم ينقلبن إلى بيوتهن، وما يعرفن من تغليس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة». فأنت ترى أن ألفاظ البخاري ومسلم ليس فيها اللفظ الذي ذكره المؤلف رحمه الله، لكن هو معنى تلك الروايات. قال الشارح رحمه الله تعالى: غريب الحديث، أولًا: قوله «معلمة» بفتح اللام وتجديدها. يعني نطقها كذلك وكتابتها. ومعنى معلمة: مخططة فيها خطوط، سواء الخطوط متشابكة طولًا وعرضًا كالعمائم التي نعرفها الحمراء والسوداء وغيرها. ومثل المعاوز أو التي تسمى السباعيات أو البرود، فإنها تأتي مخططة، قد تكون خطوطًا طولية أو عرضية فقط، أو تكون خطوطًا متداخلة بعضها ببعض. قال: وقول «الغلس» بفتح الغين المعجمة واللام يعني غلس. ومعنى الغلس كما بيّنه: اختلاط ضياء الصبح بظلمة الليل، لكن تغلب الظلمة. اختلاط الضياء بالظلمة لكن تغلب الظلمة، ولهذا قالت: «ما يعرفهن أحد» لأن الظلمة هي الغالبة. قال: وقول «بمرطهن»: المرط بكسر الميم، كساء مخطط بألوان. وزاد بعضهم أنها مربعة، وقد تكون غير ذلك. وأشبه ما تكون بملاحف النساء التي تسمى عمانية، مشهورة عندنا الملاحف العمانية تأتي مخططة أو فيها نقش تلبسها المرأة. وقد يقول قائل: كيف هذا وفي حديث عائشة أنهن خرجن «كالغربان من السواد» يعني لحين نزلت آية الحجاب؟ الجواب: أن هذا إذا كان في ظهور الرجال، وأما إذا كان في وقت عدم الظهور، فربما تتساهل المرأة ببعض الحجاب لأنها لا ترى أصلًا من ظلمة الليل، ليس عندهم أنوار في الشوارع مثل ما عندنا ولا مصابيح ولا شيء. فالمرأة تخرج وليس كل النساء كذلك يتيسر لهن الحجاب، ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن من لم يكن عندها حجاب فلتعيرها أختها أي من جلبابها، لأنهم كانوا في فقر وفاقة، بل ربما تلبس المرأة لبسة الرجل من شدة الفقر، ما عندها شيء تستتر به إلا أن تأخذ مثلًا بردة أو مثل ما نقول معوز وتستتر به تستر رأسها وتخرج إذا احتاجت إلى ذلك. ولهذا كان النساء لا يخرجن إلا ليلًا في الغالب، يعني إذا احتاجت أن تخرج كما ذكرت في حديث عائشة في قصة الإفك أنهن كن ما يخرجن لقضاء الحاجة - أي النساء - وما كان في بيوتهن كنف أي حمامات إلا في الليل. وهذه العادة موجودة اليوم في بعض بلادنا مثل بعض أهل البادية كأهل مأرب، وبعض كذلك أطراف بلاد شبوة وحضرموت، عندهم شيء من ذلك، ليس عندهم في بيوتهم حمامات، والمرأة ما تخرج إلا ليلًا يعني لقضاء الحاجة، ما تخرج إلا ليلًا. وكان كذلك في أول الإسلام، ثم لما اختلط المسلمون بغيرهم دخلت عليهم أشياء، فحرصوا على الأرفق بالناس، فدخلت الحمامات إلى بيوت الناس. قال رابعًا: قال قوله «متلفعات» أي متلففات، أي غطين أبدانهن ورؤوسهن، أي بهذه التي تستر بها رأسها وكتفها، ويكون الأسفل مستورًا. وهل فيه جواز لبس الملون للمرأة؟ الجواب: نعم للضرورة، للضرورة يجوز إذا اضطرت المرأة لذلك، ما عندها شيء تستتر به، الضرورات تبيح المحظورات. وإلا فالأصل أن المرأة لا تبدي زينتها للرجال الأجانب كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ الآية. وهذه زينة. وأما قوله جل وعلا: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال العلماء: ما ظهر من الزينة مما لا بد منه عند عدم وجود غيره، أو كونه ليس بزينة ولكنه عند بعض الناس زينة، بهذين المعنيين. مثاله: المرأة قد تلبس السواد، لكن بعض السواد قد يكون عند بعض الناس زينة وعند بعض الناس ليس بزينة. فليس من شرط السواد أن يكون مثلًا مغبرًا، فإن هذا كلفه مشقة، وليس الدين كذلك، ما جعل عليكم في الدين من حرج. فلو اشترت شيئًا جديدًا، هل لا تلبسه حتى تجعله بالشمس شهر أو شهرين ويصير لونه ليس فيه دلالة على النظارة؟ الجواب: لا، فهي تلبس الأسود ولو كان فيه بعض الزينة يعني زينة في نفس اللون. أما الزينة التي يفعلها بعض النساء تكلفًا ويتساءل فيها بعض الخياطين جريًا خلف الفتنة ومتابعة لأهل الفتنة، فهذا خطأ. مثلًا تعمل بعض التطريزات وتعمل كذلك بعض هذه الأزرار اللماعة وغير ذلك، فهذا ينافي إخفاء الزينة، فقد أمرت المرأة أن تخفي زينتها حتى لا يطمع الذي في قلبه مرض. وقد تظهر هذه الزينة إذا كانت المرأة ليس عندها إلا ذلك، مثل بعض النساء البادية، ليس كلهن ميسورات الحال، تستطيع تشتري حجابًا، ولا أزواجهن كذلك يتيسر لهن ذلك أو يعين على ذلك. فإن كانت تستطيع تشتري أو تأمر زوجها أن يشتري لها حجابًا أسودًا فهذا هو الواجب. فإذا لم تستطع ولم يتيسر، فماذا تفعل؟ هل لا تخرج من البيت؟ هذا ضرورة في ضرر عليها. يعني كون أن المرأة عرفت أنها ينبغي أن تلبس الأسود لأنه أستر لها عرفت الآن، لكن ليس عندها الآن حجاب. نقول لها: لا تخرج إلا لضرورة. طيب إذا وقعت الضرورة كيف تفعل؟ وهي ليس عندها سواد، هل تخرج أو لا تخرج؟ الجواب: تخرج، تخرج للضرورة، فالضرورات تبيح المحظورات. قال رحمه الله تعالى: المعنى الإجمالي: تذكر عائشة رضي الله عنها أن نساء الصحابة كن يلتحفن بأكسيتهن ويشهدن صلاة الفجر مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يرجعن بعد الصلاة إلى بيوتهن، وقد اختلط الضياء بالظلام، لكن كما سبق الظلام غالب. ومعنى أن المرأة إذا احتاجت أن تذهب إلى الصلاة فلتحرص أن تذهب في ما فيه ستر لها، أولًا لعموم ما ورد «بيوتهن خير لهن»، وثانيًا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يخرج النساء إلا قبل الرجال، وإذا خرجن يخرجن من بابهن المخصص لهن. وأنهن كذلك كن يحرصن على الذهاب في الصلوات الليلية، كما مر معنا في غير هذا الموضع. وقد رجح الحافظ ابن رجب وغير واحد من الحفاظ أنه لم يثبت أن نساء الصحابة كن يخرجن في الصلوات النهارية، بل كل الأدلة ثبتت أنهن يخرجن في الصلوات الليلية. أما الصلوات النهارية فلم يثبت في حديث واحد أنهن كن يخرجن فيها، اللهم إلا صلاة العيد فقط. وفي غير صلاة العيد ما ثبت أنهن يخرجن في شيء من الصلوات النهارية. وهذا يدل على أن الإسلام حث على ستر المرأة حتى في خروجها إلى العبادة، فكيف بغير ذلك؟ ينبغي أن تحرص على أن يكون خروجها في غاية من الستر. قال رحمه الله: إلا أن الناظر إليهن لا يعرفهن لوجود بقية الظلام المانعة من ذلك. قال: اختلاف العلماء: اختلف العلماء في الأفضل في وقت صلاة الفجر، فذهب الحنفية إلى أن الإسفار بها أفضل، لحديث «أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر». قال الترمذي: حديث صحيح، حسن صحيح. قال: وذهب الجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة إلى أن التغليس بها أفضل، لأحاديث كثيرة، منها حديث الباب. وأجابوا عن حديث «أسفروا بالفجر» إلى آخره بأجوبة كثيرة، وأحسنها جوابان: فإما أن يراد بالأمر الإسفار، تحقق طلوع الفجر، حتى لا يتعجلوا فيوقعوا الصلاة في أعقاب الليل. ويكون «أفعل التفضيل» الذي هو «أعظم» جاء على غير بابه، يعني ليس من باب الأفضلية، ولكن من باب الأحوطية، يعني حتى لا يصلوا قبل الفجر. وهذا كثير ما يقع، كثير من الناس يستعجلون في صلاة الفجر، ربما صلوا الفجر قبل وقت الفجر، ما دام ليس شيء يدعوهم إلا ذلك. الحمد لله وقت الفجر طويل، وليس معنى أن يؤخر عن وقتها، لكن معناه أنه يصليها في وقتها، يصليها في وقتها يعني عند التحقق وتيقن ذلك. وهذا الحديث حسنه بعض أهل العلم، وتكلم فيه بعضهم، ومعناه صحيح، دلت عليه أحاديث كثيرة، وسيأتي إن شاء الله الإشارة إلى ذلك في الحديث بعده. قال رحمه الله: وأحسنها جوابان: فإما أن يراد بالأمر بالإسفار تحقق طلوع الفجر. قال: الذي هو أعظم جاء على غير بابه، وهو يأتي لغير التفضيل كثيرًا، يعني يأتي «أعظم» لغير التفضيل، قد يكون لأجل الأحوط، وقد يكون لأجل كذلك التنبيه للأهم وغير ذلك. قال: وإما أن يراد بالإسفار إطالة القراءة في الصلاة، فإنها مستحبة، وبإطالة القراءة لا يفرغون من الصلاة إلا وقت الإسفار. وهذا هو أقرب الأقوال: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل الصلاة - صلاة الفجر - في أول وقتها، حتى أنه كما جاء عن عائشة: ما يكاد يكون بينه وبين الفجر إلا قدر ركعتي الفجر. وهذا حمله بعض أهل العلم على أنه في رمضان خاصة، وحمله بعض أهل العلم أنه في غير رمضان. فالمهم كان النبي عليه الصلاة والسلام يدخل في الصلاة في أول الوقت أو في أوائل الوقت. وهذا أحسن، نقول: يدخل في أوائل الوقت، وأحيانًا يطيل بالقراءة حتى يسفر، يعني يظهر الضوء، يغلب الظلام. وأحيانًا يعتدل أو يقصر بالقراءة فيخرج بغلس، فيخرج بغلس. فحديث عائشة إذن يحمل على الأحوال التي كان يحمد في القراءة أو يقصر. ونعرف اعتدال القراءة من السور التي كان يكثر من تكرارها. وفي حديث ابن مسعود أنه كان عليه الصلاة والسلام يكرر عشرين سورة، يعني يكثر من قراءاتها في صلاته، خصوصًا الفجر والمغرب. وذكر من هذه السور: «المدثر» و«المزمل» و«الذاريات» و«الطور» وهكذا كذلك «الدخان» و«الزلزلة» ونحو ذلك، يجمع بينهن في الصلاة الواحدة. فإذا قرأ بمثل هذه القراءة فإنه يكون... وهكذا «القيامة» و«الدهر»، أحيانًا يقدم «القيامة» وأحيانًا يقدم سورة «الدهر» على سورة «القيامة». فمثل هذه السور ونظائرها إذا قرأ بها خرج بغلس من الصلاة. وإذا قرأ بأطول منها مثل «الرعد» أو «النحل» ونحوها من السور، أو بـ«المؤمنين» سورة «المؤمنون»، فإنه عند ذلك يخرج وقد أسفر، أي الصبح، يعني يكون هناك الضوء غلب على الظلام. وهذا جمعًا بين الروايات، وإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما. وسيأتي إن شاء الله زيادة التنبيه في الروايات والأحاديث الآتية إن شاء الله. قال رحمه الله: ما يؤخذ من الحديث: أولًا: استحباب المبادرة إلى صلاة الصبح في أول وقتها. وسيأتي إن شاء الله معنا ما يدل على ذلك، لأنه يخرج منها بغلس، فعلم أنه كان يدخل في أوائل وقتها، يدخل في صلاة الصبح. قال: ثانيًا: جواز إتيان النساء إلى المساجد لشهود الصلاة مع الرجال، مع عدم خوف الفتنة، ومع تحفظهن من إشهار أنفسهن بالزينة. فالمرأة يجوز لها أن تأتي إلى المسجد بثلاثة شرط: الشرط الأول: أن يكون ذلك مع عدم خوف الفتنة عليها. والثاني: أن تكون متحفظة في حجابها وزينتها. والثالث: أن لا يكون ذلك كذلك مما يقتضي مفسدة. فمن المفسدة: ضياع حق الزوج، أو ضياع حق الأبناء. ولا شك أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح. فإذا كان كذلك، لا يجوز للرجل أن يمنع امرأته من الذهاب إلى المسجد «لا تمنعوا إماء الله» أي عن بيوت الله ومساجد الله. أما إذا وجد اختلال في أحد هذه الخصال الثلاث، جاز للولي - ولي أمر المرأة - أن يمنعها من ذهابها إلى المسجد، بل هذا الواجب. لأن الأدلة يجمع بينها، لا تهمل الأدلة. مثلًا: امرأة تحب الخير، لكن المسجد الذي تريد الذهاب إليه لا يصلح أن تذهب إليه، لوجود فتنة فيه، إما بفتنة شهوات أو فتنة شبهات. يمنعها من الذهاب إلى المسجد حفاظًا على دينها. أو العكس: المسجد طيب، لكن المرأة غشيمة، كأن تكون امرأة بنت صغيرة في بداية الشباب، وفيها طيش بسبب رفق رفيقات السوء، فيها طيش، يعني ربما في ذهابها وإيابها، وكثرة ذهابها وإيابها يحصل ما هو شر منها. فمثل هذا لا بأس أن يمنعها أبوها، كما كان الصحابة يمنعون أي ذوات الخدور - أي الأبكار الصغيرات - من كثرة الخروج، حفاظًا عليهم. وهذا أدب قل من ينتبه له. وهكذا كذلك إذا فيه تضييع للحق، ما شاء الله تريد تطلب علم وتضيع الأولاد، هذا خطأ. كما أنه من الخطأ أن يجعل الزوج الاعتناء بالأولاد حجة لمنعها من العلم، بل ينبغي أن يعينها على العلم، وكذلك يذكرها ويقوم بما يلزم، وتقوم بما يلزم في حق الأبناء. وهكذا قل في الحقوق الأخرى. وفي الحديث فوائد أخرى كثيرة، من أهمها نذكر فائدتين اثنتين: فيه حرص الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ونساء الصحابة رضي الله عنهم على الخير، حتى أنهن كن يشهدن صلاة الفجر. وشهود صلاة الفجر ليس بالسهل، معناه أنها تستيقظ قبل الفجر. وتأمل هذا وتأمل مع بعض أزواج طلبة العلم، فضلًا عن غيرهم، متى يصلين الفجر؟ بعض زوجات طلبة العلم ربما تصلي الفجر إلا بعد شروق الشمس، ما تصلي إلا بعد شروق الشمس. وبه تعرف فضل الصحابيات رضي الله عنهن وفضل الصحابة. وهكذا كذلك في هذا الحديث: اعتناء الصحابة رضي الله تعالى عنهم بهذا الدين عملًا وفقهًا، كما يحرصون على العمل الصالح، فهم ينظرون في العلل وفي فقه الشريعة. انظر عائشة ذكرت هذا الخروج وقيدته بقيد خفي، وهو قولها رضي الله عنها: «ما يعرفهن أحد من الغلس»، كأنها تقول: «لو كنا يعرفن من الغلس ما خرجنا إلى هذه الصلاة»، مع أنها صلاة تحبها المؤمنة وتريدها وتحرص عليها. لكن إذا كان به مفسدة، فالمؤمنة تترك الخير لماذا؟ لأن الخير يترك لما هو أخير منه، ولما هو أوجب منه. وهذا من فقه الصحابة: لا إفراط ولا تفريط، لا زهد بالأعمال الصالحة، ولا كذلك حب للأعمال الصالحة بعاطفة على حساب المفاسد، وعلى حساب كذلك الواجبات والحقوق الأخرى. والله تعالى أعلم. انتهى الوقت، واعتدائنا على وقت الإخوة والنساء في الدروس. نترك الأسئلة إلى وقت لاحق، والله تعالى أعلم.