كتاب الطهارة 4

كتاب الطهارة 4

الدرس في كتاب الطهارة 4، الدرس الرابع : فيه : ( وللنية في الشرع بحثان:أحدهما الإخلاص في العمل ... طاعة كان في الصورة أو معصية يختلف باختلاف النيات ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

زمن ومفهوم النية في العبادة

تناول المقطع زمن النية في العبادة واختلاف العلماء حول وقتها، وأوضح أن النية تكون مصاحبة للعمل. كما بين أن النية محلها القلب وتشمل العزم والإرادة وقصد العبادة على الوجه المقصود شرعا.

حكم التلفظ بالنية وأهميتها في العبادة

أكد المقطع أن التلفظ بالنية بدعة ونقص في العقل والدين، وأوضح أهمية النية في تمييز العبادات عن العادات وفي الاحتساب وحصول الثواب. كما أشار إلى أن الأعمال تختلف باختلاف النيات.

التأكيد على الإيمان والثبات عليه

توقف المقطع عند أهمية الإيمان والتأكيد على الثبات عليه، حيث تم التأكيد على الإكتفاء بما تم الوصول إليه من معرفة الإيمان وتكرار كلمة نؤمن للتأكيد على الثبات.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. مرة أخرى معنا بالدرس الماضي الكلام على بعض مباحث النية، وأخذنا من مباحث النية أربعة مباحث. ما هي مباحث النية؟ لا، مباحث النية العامة، هذا مبحث من مباحثها. نعم، مباحث النية العامة. أخذنا من حكم الحقيقة محل النية، تريد أن أخذنا ثلاثة: حقيقة، وحكم، ومحل. طيب، وأخذنا المقصد كذلك، المقصد؛ لأن المؤلف ذكرها، فهذه أربعة أشياء. وكذلك من مباحث النية مباحث الزمن، كما قال صاحب البيت: حقيقة، حكم، محل، زمن، كيفية، مقصود. حسن، فمن مباحث النية زمن النية. وقد اختلفوا في زمن النية، يعني وقت النية. قيل: وقتها أول العبادة، وقيل: قبل دخول العبادة، وقيل: مع دخول العبادة. وهذه الأقوال أشار إليها العلماء في كتبهم. وحاصل ما يذكر في هذا المبحث أن المقصود هو مصاحبة العمل للنية، سواء أن كانت هذه النية قبل العبادة أو كانت مقترنة بالعبادة. وعليه يحمل ما نقله الإمام الشافعي رحمه الله، كما بيّن شيخ الإسلام التيمية رحمه الله أنه قال: «لا تصح الصلاة إلا بمقارنتها التكبير»، أي النية. لا تصح الصلاة إلا بمقارنة الصلاة، أي مقارنة التكبير النية. فمراده مطلق المقارنة، سواء كان قبلها قليلا أو كان مع التكبير. وليس من شرطه أن يكون مع التكبير. وسيأتي معنا إن شاء الله أن هذا هو الذي دلت عليه الأدلة الشرعية. فإن ما ذكره الإمام الشافعي رحمه الله كلام عام، ليس بصريح. ثم هو ليس بدليل من الكتاب أو من السنة حتى يكون ملزما للناس. وقد أشار شيخ الإسلام التيمية رحمه الله أن مسألة المقارنة، أي مقارنة النية للتكبير، مسألة خلافية. وإنما المقصود هو وقوع العبادة بنية. ﴿للهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ﴾، المقصود حصول العمل بنية، هذا هو المطلوب الشرعي. وأما مسألة أنه يكون معه أو يكون قبله بقليل، فهذا لا يهم ولا يضر. سواء أكان معه أو كان قبله بقليل، المقصود هو حصول العمل بنية. فلو حصل العمل بنية فإنه لا يضر. وأشار رحمه الله تعالى إلى أن التدقيق في هذه المسألة فيه مفاسد عظيمة. من مفاسدها أن الاستحضار لها يورث الوسواس ويدخل كذلك في الشكوك، ويشغل عن الصلاة. بل نقل غير واحد من أهل العلم عن جماعة من الشافعية تقرير هذا المعنى. وهذه المسألة نفصل فيها؛ لأنها من المسائل التي يدقق فيها الشافعية ويشددون. ودخل بسببها الوسواس على بعض أتباعهم. يقول السبكي رحمه الله: «من لم يقل غيره وقع في الوسواس»، أي أن المقصود هو المقارنة العرفية. فإنه نقل عن الجويني، وهكذا كذلك البغوي، أو التقي السبكي، أنه يحمل على المقارنة العرفية. يحمل على المقارنة العرفية. وهكذا كذلك جاء عن الزركشي، الشربيني، وجماعة من الشافعية أن المقصود هو المقارنة العرفية. قصد مقارنة عرفية. ولو قيل: إن الشافعي أراد المقارنة، لا أجيب بأن المراد مقارنة عرفية، ليس عين المقارنة. يعني حين تكبر لا بد أن تكون النية مع التكبير. وهذا معناه أن الناس سيخرجون من الصلاة عشرات، يقول: «أنا حين كبرت استحضرت النية أو ما استطعت احضرت». ولهذا دخلوا في وسواس. كذلك في مسألة التلفظ بالنية، وهذا كذلك من مباحثها. مبحث كيفية هذه النية، ومر معنا أن محلها القلب، وأن زمنها مطلق المقارنة، وأن المقصود حصول العمل بنية. فكذلك مبحث الكيفية يذكره العلماء؛ لأن العلماء قد ذكروا لا لأنه شيء لا بد منه. لا الفطرة الصحيحة تكتفي بالأدلة الشرعية. وعن مثل هذا التجديد والتنطع. لكن مراد أهل العلم هو التنبيه، أي المحققين منهم، هو التنبيه على مسائل قد يطلع عليها القارئ وطالب العلم والعالم بما يحتاج أن يحقق الحق فيها. فكيفية النية هو أن النية عزم وإرادة وقصد العبادة على الوجه المقصود المطلوب شرعا. فهي روح العبادة ومنطلقها من القلب. فإذا كان كذلك، فليس من كيفية النية التلفظ بها. بل التلفظ بها كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «نقص في العقل وفي الدين». وبين ذلك بأن نقصان الدين لأنه بدعة. وكان بدعة لوجهين: الوجه الأول أنه شيء من الإحداث، اعتقاد شيء مستحب وليس بمستحب. وثانيا أنه مداومة على شيء لم يأمر الشرع بالمداومة عليه. لهذين الوجهين صار بدعة، وهو نقص بالعقل؛ لأن صاحبه بمنزلة من يتلفظ بفعله. وهو كالجنون. مثله كمثل من يأكل يرفع اللقمة، قال شيخ الإسلام: «ويقول نويت أن آخذ هذه اللقمة وأضعها في فمي وأبتلعها لأجل أن يحصل لي كذا وكذا من المعاني والمقاصد». قال: «وهذا سفه وجنون ما يقول أحد». وأما كونك تريد العبادة لله عز وجل، وأنها بالوقت الفلاني، فأنت تعرفه. أنت تعرف الآن أنك تصلي صلاة الظهر أو صلاة العصر، فهذا شيء تعرفه. فلا يحتاج أن تحدث نفسك بشيء تعرفه. لا فائدة من ذلك. فالحاصل: كيفية النية أنها محلها القلب. ولهذا يذكر العلماء أثرا عن رجل قال في حجه: «اللهم إني أريد الحج والعمرة». وروي عن عمر أنه سمع هذا الرجل، فقال له: «أتعلم الناس -يعني بما في قلبك- أو أنك تريد أن تطلع الله عز وجل؟ الله عز وجل يعلم ما في قلبك». إذن لا حاجة أن تتلفظ به أو تريد أن تعلم الناس بهذا. إن كنت تريد أن تعلم الناس، إذن أنت ما قصدت ما عند الله، وإنما أردت الرياء والسمعة. فهو كذلك عن إمام مالك رحمه الله، أنه سمع رجلا قال نحو هذا، فأخبره بنحو ذلك الكلام. فأشار إلى أنه أن الله يعلم ما في نفسه، فلا حاجة لمثل ذلك. أشار إلى ذلك ابن رجب رحمه الله في كتابه «جامع العلوم والحكم». وهكذا من مباحث النية مبحث الشرط. أن النية شرط، وكما مر معنا النية شرط في العمل في الإسلام وأعمال الإسلام. فشرط الأعمال الإخلاص والمتابعة. وكل عبادة لها شرط بحسبها. وقد يكون شرط في صحة العمل، وقد يكون شرط في ثبوت الثواب. طيب، هذه سبعة مباحث من مباحث النية. قال رحمه الله تعالى: طيب، قرأنا الثاني: «تميز العبادات بعضا عن بعض». والنية في الشرع بحتان. والنية تميز العبادة عن العادة. قرأنا، وقرأنا بعده: «والنية بالشرع بحتان». طيب. قال رحمه الله: «والنية بالشرع بحتان: أحدهما الإخلاص في العمل لله وحده». والمعنى الأسمى. وهذا يتحدث عنه علماء التوحيد والسير والسلوك. وقد مر معنا الكلام على الإخلاص. قال: «الثاني: تميز العبادات بعضها عن بعض». وهذا يتحدث عنه الفقهاء. وقد علمنا في مسألة مقصود النية الكلام على الأعمال، وأن من الأعمال ما يحصل فيها اللبس، فتحتاج لتمييز. تمييز العبادات بعضها عن بعض. قال: «وهذا من الأحاديث الجوامع». هذا مبحث الثاني. فالأفعال التي يحصل فيها اللبس تحتاج لتمييز العبادات بعض عن بعض، والعبادات عن العادات. وهكذا كذلك يحتاج الأمر أو يحتاج للنية في أمر الاحتساب وحصول الثواب. فمثلا ترك الحرام ليس كل الناس يؤجرون على ترك الحرام، إلا من تركه محتسبا. من ترك الحرام محتسبا أجر عليه. وهكذا ليس كل من يفعل المباح يؤجر عليه، بل من فعله محتسبا أجر في فعل المباح. قال: «وهذا من الأحاديث الجوامع التي يجب الاعتناء بها وتفهمها». فالكتابة القليلة لا تؤتيه حقه. يشير بهذا إلى أن مباحث الحديث طويلة. مباحث هذا الحديث طويلة. قال: «وقد افتتح به الإمام البخاري رحمه الله تعالى صحيحه؛ لدخوله في كل مسألة من مسائل العلم وكل باب من أبوابه». لأنه كما قلنا: ما من عمل إلا ويفتقر إلى النية. قال: «ما يؤخذ من الحديث أولا: أن مدار الأعمال على النيات صحة وفسادا، وكمالا ونقصا، وطاعة ومعصية». فمن قصد بعمله الرياء أثم. ومن قصد بالجهاد مثلا إعلاء كلمة الله فقط، كمل ثوابه. ومن قصد ذلك والغنيمة معه نقص ثوابه. ومن قصد الغنيمة وحدها لم يأثم، ولكنه لا يعطى أجر المجاهد. انظر إلى هذه اللفتة الدقيقة. قال: «فالحديث مسوق لبيان أن كل عمل طاعة كان في الصورة أو معصية يختلف باختلاف النيات». ومن المباحة التي ينبه عليها هنا: أنه جاء بالشرع التفريق بين الهم والإرادة الجازمة. فالهم الذي ليس معه عمل، لا قول ولا فعل ولا حركة، فإنه لا يؤاخذ عليه الإنسان. وأما الهم الذي يريد به الإرادة الجازمة الذي معه قول أو فعل، فإنه يؤاخذ عليه الإنسان. وبهذا يزول الإشكال فيما ورد في الأحاديث التي قد يظن الظان أن فيها تعارض، وليس فيها تعارض. مثلا قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إذا اقتتل المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار». قالوا: «هذا القاتل فماذا للمقتول؟» قال: «كان حريصا على قتل صاحبه». فهو عنده نية وهم، لكن معه ماذا؟ معه عمل، سعى لقتل صاحبه. فذاك سبقه وقتله. فكلاهما في النار. كلاهما في النار. وعلى هذا كذلك يحمل حديث ابن عباس: «فهما في الإثم سواء». للرجل الذي عمل السوء عنده مال، فأطلق يده في المعصية. والآخر الذي قال: «لو أن لي مثل مال فلان لعملت مثل ما عمل». ما الذي منعه؟ هو عدم وجود المال. عدم وجود المال. لو وجد المال لماذا؟ لفعل مثل ما فعل فلان. فهذا ليس عنده هم فقط، إنما عنده هم مع سعي. لكن ما تيسر له. مثل السارق يأتي يريد أن يسرق، يجد الباب مغلقا يرجع. يأثم ولا يأثم؟ يأثم؛ لأنه قد سعى. بخلاف الذي يهم في قلبه فقط، ثم يتوب. يهم بالمعصية ثم يتوب. الهم في القلب، فهذا، فهذا إن تركها كما جاء في حديث ابن عباس، وبمعناه في حديث أبي ذر في الصدقة، فإنه تكتب له حسنة واحدة. تكتب له حسنة واحدة. طيب، نكتفي بهذا ونؤمن. نؤمن. نؤمن.