الدرس في كتاب الطهارة 51، الدرس الحادي والخمسون:من( الحديث التاسع والعشرون:عن عائشة رضي الله عنها ... فإنه يكفيه هو وعائشة إناء واحد يغترفان منه جميعا ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ حديث عائشة رضي الله عنها في وصف غسل النبي صلى الله عليه وسلم من الجنابة، مع مقارنة بين رواية الحافظ عبد الغني المقدسي ولفظ الإمام البخاري في صحيحه. يُفصّل الشيخ كيفية غسل النبي صلى الله عليه وسلم وترتيب أفعاله أثناء الغسل.
يُفصّل الشارح كيفية غسل النبي صلى الله عليه وسلم من الجنابة، ويشرح معاني بعض الكلمات مثل التخليل والإفاضة، ويبين أن النبي كان يبدأ بغسل اليدين ثلاثا ثم يتوضأ وضوء الصلاة، ثم يغسل رأسه وشعره حتى يصل الماء إلى أصول الشعر.
يجيب الشارح على سؤال حول وجوب نقض الضفائر عند غسل المرأة، ويبين أن الكلام حول الاكتفاء بالغسل الكامل سيأتي لاحقا، وأنه يجزئ إن شاء الله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: قال الحديث التاسع والعشرون، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم يخلل بيديه شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده. وقالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد نغترف منه جميعا. أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله هذا الحديث في سياق كلامه على أحكام الغسل وأقرب الألفاظ إليه. ولفظ الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه: قال: حدثنا عبدان، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة... فذكرت الحديث. وقد أورده رحمه الله البخاري مقطعا بإسناد واحد، فهو رواية بإسناد. وإن كان هو ليس حديثا واحدا، فقد رواه برقم 272 و273 إلى قوله: «نغترف منه جميعا»، مع اختلاف يسير في بعض الأحرف. فقد قال في لفظ البخاري: «غسل يديه وتوضأ وضوءه للصلاة» بدلا من «ثم توضأ». قالت: «وتوضأ»، هكذا لفظ البخاري. وظاهر الفرق بين «الواو» و«ثم»، فقولها: «توضأ ثم توضأ» يفيد أن الوضوء كان بعد الغسل. لكن قوله: «وتوضأ» لا يستلزم أن الوضوء كان بعد الغسل، لأن «الواو» لا تفيد الترتيب. وهذا هو الصحيح أن الوضوء كان ويكون قبل الغسل بعد الاستنجاء، كما سيأتي بحديث ميمون إن شاء الله. وهكذا في لفظ البخاري: «ثم توضأ وضوءه للصلاة ثم اغتسل»، فزاد ذكر الاغتسال بلفظة «ثم». وهذا يؤكد أن الاغتسال كان بعد الوضوء. وفي لفظ البخاري: قالت: «ثم يخلل بيده شعره»، ولم تقل: «بيديه» باليد الواحدة. وقد يكون على وجه التناوب، يخلل باليد اليمنى ويصب باليد اليسرى. وهذا الغالب ما كان عندهم، مثل ما عندنا الماء يصب عليك. وإن شيء تخللت باليدين، وإن شيء تخللت بيد لا، إنما هو يصب على نفسه. فإن صب باليمنى خلل باليسرى، وإن صب باليسرى خلل باليمنى. ومعنى التخليل سيأتي إن شاء الله. ورواه مسلم بنحو هذا اللفظ في حديث رقم خمسة وثلاثين، فاصل ثلاثمائة وستة عشر. قال الشارح رحمه الله تعالى: غريب الحديث. قال أولا: قولها «إذا اغتسل من الجنابة» يعني أراد ذلك. قال الزمخشري: عبر عن إرادة الفعل بالفعل، لأن الفعل يوجد بقدرة الفاعل عليه وإرادة له، والقصد الإيجاز في الكلام. قال ثانيا: ثم يخلل بيديه شعره، التخليل إدخال الأصابع بين أجزاء الشعر، يعني هكذا يدخل من تحت فيدخل الماء. وهذا يستعمل من كان شعره كثيفا أو كثيرا. والنبي عليه الصلاة والسلام كان ذا جمة، يعني شعره كثير يضرب إلى منكبيه. فالمرأة من باب أولى أنها تحتاج إلى تخليل الشعر. قد تسأل المرأة وتقول: إذا دورت رأسي بدوائر أو جعلته كذلك ضفائر، هل يجب أن أنقض الضفائر؟ الجواب: إذا كانت تظن أن الماء يصل إلى هذه الضفائر والدوائر فلا بأس، لقول عائشة: «حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات». فإن كانت المرأة كذلك فلا بأس. قال ثالثا: قولها «قد أروى بشرته» أي أوصل الماء إلى أصول الشعر والبشرة المرادة هنا، يعني أصول الشعر. ظاهر الجلد المستور بالشعر، وهذا واضح. قال الرابع: قولها «إذا ظن»، الظن يراد به هنا معنى الرجحان، إذ لا دليل على أنه لابد من اليقين. والظن قد صح التعبد به في الأحكام. لكن المراد الظن الغالب، فيكون هنا على ظاهره «حتى إذا ظن» أي غلب على ظنه. وهذا هو الظن الذي يدخل في معنى العلم. فالعلم يدخل فيه اليقين، ويدخل فيه كذلك غلبة الظن. وهذا هو المراد. قال رحمه الله تعالى خامسا: «أفاض عليه» أي أسال الماء على شعره، وهذا ظاهر. والإفاضة تكون بالصب. فمن فعل ذلك فهو على خير. ومن استعمل الحنفيات اليوم فهو كذلك إن شاء الله على خير. قال: المعنى الإجمالي: تصف عائشة غسل النبي صلى الله عليه وسلم بأنه إذا أراد الغسل من الجنابة بدأ بغسل يديه لتكونا نظيفتين حينما يتناول بهما الماء للطهارة. وقد مر معنا أنه كان من هديه عليه الصلاة والسلام إذا قرب له ماء لا يغمس يديه مباشرة في الماء، وإنما يفعل ماذا؟ يكفأ على يديه. ومعنى يكفأ: أي يصب على يديه من هذا الماء. فإن كان في وعاء كبير أكفأه وأكفأه، يعني هزه هزا يسيرا حتى يخرج منه شيء من الماء ويغسل يديه. فإن كان صغيرا أو معه ما يستطيع أخذ شيء من الماء أخذ بالمغراف أو نحوه فيغسل يديه. ثم يتوضأ وضوءه للصلاة. وهذا الغسل لليدين ثلاثا في حال غير الاستيقاظ من النوم هو مستحب. وفي حال الاستيقاظ من النوم فهو واجب على القول الصحيح كما تقدم. قال رحمه الله تعالى: وتوضأ كما يتوضأ للصلاة. ولكونه صلى الله عليه وسلم ذا شعر كثيف، وسيأتي الحكمة في الوضوء قبل الغسل إن شاء الله. قال: ولكونه صلى الله عليه وسلم ذا شعر كثيف، فإنه يخلله بيديه، وفيهما الماء. وكما قلنا: ليس التخليل باليدين معا إلا إذا أحد يصب عليه. لكن إذا كان لا أحد يصب عليه، فرواية البخاري: «ثم يخلل بيده شعره» يد واحدة والثانية تصب، وهذا أفضل. قال رحمه الله تعالى: حتى إذا وصل الماء إلى أصول الشعر وأروى البشرة أفاض الماء على رأسه ثلاث مرات، بعد وصول الماء إلى البشرة، ليس ثلاث مرات يوصل الماء إلى البشرة، ولكن بعد أن يصل الماء إلى البشرة يصب ثلاث مرات. وهذا لأجل أن يتيقن أن الرأس والشعر قد أصابه الماء. قال: ومع هذا الغسل الكامل، فإنه يكفيه هو وعائشة إناء واحد يغترفان منه جميعا. إناء واحد، ما ظنكم بإناء يحمل الماء؟ كان من قبل يحمل، فما ظنكم بإناء يكفي اثنين يحمل؟ فكان النبي عليه الصلاة والسلام كما سيأتي إن شاء الله يغتسل بالماء اليسير، ليس كثيرا. ولهذا قيل: إنه كان يتوضأ بالمد ويغتسل بنصف صاع، يعني مدين. وهو في بعض الروايات بالصاع، يعني أربعة أمداد. ووضوؤه بالمد الواحد، المد يعني شيء يسير يملأ كف الرجل المعتدل. فهذا كان بعض هدي نبينا عليه الصلاة والسلام. ومن تأسى به في هذا الباب، فقد أخذ بسنة عليه الصلاة والسلام، وبركته حصل الخير الكثير. إذا كان إنسان عنده غسل من الجنابة ينوي الغسل والوضوء معا، فيغتسل ويذهب إلى الصلاة بهذه الكيفية. وإذا كان لا يجزئ هذا، فماذا عليه فيما صلاه من سابق؟ سيأتي إن شاء الله الكلام عليه، وأنه إذا اغتسل غسلا كاملا فيجزئه إن شاء الله.