الدرس في كتاب الحج 19، الدرس التاسع عشر : من : ( 6-باب حرمة مكة ... وسيأتي تفصيله إن شاء الله ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
مكة المكرمة أول بيت وضع للناس لعبادة الله تعالى، وقد زاد الإسلام من تعظيمها وتقديسها. حرمتها مستمدة من كونها البيت الأول للعبادة.
الطاعات والمعاصي تتضاعف في مكة بحسب شرف المكان، وقد وردت أدلة من الكتاب والسنة تؤكد حرمة سفك الدماء وقطع الأشجار فيها.
مكة حرمها الله يوم خلق السماوات والأرض، وقد وردت أحداث تاريخية عن محاولات بعض الولاة تجهيز جيوش لقتال من فيها.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال الحافظ عبد الغني المقدسي، رحمه الله تعالى: باب حرمة مكة. قال الشارح، رحمه الله تعالى: حرمة مكة المكرمة مستمدة من هذا البيت المعظم الذي هو أول بيت وضع للناس لعبادة الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾، وقد بناه إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام. وما زال معظما مكرما محجوجا منذ بنيه حتى يفسد الزمان ويذهب الإيمان، يعني: سيستمر أمر العبادة في هذا البيت إلى آخر الزمان، فإذا وقع الفساد، صلت الله عز وجل من يهدم الكعبة. قال: فما دام الدين قائما، فقد جعله الله متابعة للناس وأمنا. وقد عظمه العرب في جاهليتهم، وجاءوا إليه من أقطار الجزيرة ومن ورائها، يعني: من أبعد من الجزيرة، فأكرمهم سدنتُه وقدماؤه من قريش، ومن قبل قريش، يعني: من لدن إبراهيم وإسماعيل عليهم الصلاة والسلام. قال: وجاء الإسلام فزاد من تعظيمه وتقديسه، وقد حماه الله من كل معتد. وأكبر دليل قصة أصحاب الفيل المشهورة، قال: أنزل الله عز وجل فيها قرآن، وهي آية للناس أجمعين في تعظيم حرمات الله والبيت الحرام على وجه الخصوص. قال: والمجاورة فيه من أفضل العبادات لمن رزق الاستقامة، لأن العمل عنده مضاعف إلى مئة ألف ضعف، يعني: الصلاة في الحرم. كما أن المعاصي عنده وفيه مغلظة لحرمة المكان. وهل كل الطاعات مضاعفة مئة ألف ضعف؟ الصحيح: لا، لأنه لم يرد دليل صحيح صريح يدل على أن كل الطاعات مضاعفة مئة ألف ضعف، لكن الطاعات تضاعف بحسب شرف الزمان والمكان، وهذا قد دلت عليه عمومات من الكتاب والسنة، لكن تحديد بمئة ألف ضعف هذا لا دليل عليه، والله أعلم. قال: كما أن المعاصي عنده وفيه مغلظة لحرمة المكان، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، فإرادة الإلحاد في البلد الحرام سبب لعذاب الله عز وجل في الدنيا وفي الآخرة، وهذا يدل على تغليظ المعاصي في مواضع الحرمات، ولكن لا يعني ذلك أن هذه المضاعفة لها حد محدود، لا، وإنما هذه المضاعفة بسبب شرف ذلك المكان، وهذا المعنى دلت عليه أدلة كثيرة من الكتاب والسنة. قال: رزقنا الله العمل الصالح المرضي «وجهه الكريم». قال: وجنبنا الزيغ والضلال والمحن والفتن ما ظهر منها وما بطن، آمين. وتقدم في أول الكتاب شيء من حكم الحج وأسراره، وكون الحج لهذا البيت له حكم ومناسبات أخرى، منها: أن هذا البيت ومناسكه آثار أبي الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وهي ذكريات وأعياد إسلامية دينية. قال: الحديث الرابع عشر بعد المائتين، عن أبي شريح خويلد بن عمرو الخزاعي العدوي، رضي الله عنه، أنه قال لعمر بن سعيد بن العاص: إذن لي، أيها الأمير، أن أحدث قولا قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح، فسمعته أذناي وعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلم به، أنه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إن مكة حرمها الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لرسوله ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب». فقيل لأبي شريح: ما قال لك عمر؟ قال: قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارا بدم ولا فارا بخربة. قال الشارح، رحمه الله تعالى: الغريب «إذن لي»، أصله «إذن» يعني بهمزتين، لي بهمزتين، فقلبت الثانية ياء، لأن كونها عندي كونها خطأ، لسكونها، وانكسار ما قبلها. يعني: أصلها همزتين، فقلبت الهمزة الثانية ياء، لسكونها وانكسار ما قبلها، وهذه علة صرفية وقاعدة من قواعد علم الصرف. قال: فقال أبو شريح: إن النبي صلى الله عليه وسلم صبيحة فتح مكة حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إن مكة حرمها الله يوم خلق السماوات والأرض»، وهذا اللفظ ما قلنا ليس بحديث أبي شريح، ولكن هو في حديث ابن عباس سيأتي، فهي عريقة بالتعظيم والتقديس، ولم يحرمها الناس كتحريمي الحمى المؤقت والمراع والمياه، يعني: أملاك الناس، حرمتها مؤقتة. قال: وإنما الله الذي تولى تحريمها ليكون أعظم أبلغ، فإذا كان تحريمها قديما ومن الله، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر، إن كان يحافظ على إيمانه، أن يسفك بها دما، ولا يعضد بها شجرة، وهذا زيادة بالتعظيم في حرمتها، حتى الأشجار لا تعضد. قال: المعنى الإجمالي لما أراد عمر بن سعيد بن العاص المعروف بالأشدق أن يجهز جيشا إلى مكة المكرمة، ويومئذ أمير ليزيد بن معاوية على المدينة لقتال عبد الله بن الزبير، رضي الله عنهما، جاء أبو شريح خويلد بن عمرو الخزاعي لينصحه عن ذلك. قال الشارح: الشاهد من هذا أن المؤلف، رحمه الله، ذكر المعنى العام للحديث، وأن فيه تحريم مكة، وسيأتي إن شاء الله معنى هذا التحريم وتفاصيل أحكامه فيما يؤخذ من مسائل هذا الحديث. قال: فهذا هو المعنى العام، ونتوقف هنا لانتهاء الوقت، ونكمل إن شاء الله في درس لاحق، والله تعالى أعلم.