كتاب الحج 35

كتاب الحج 35

الدرس في كتاب الحج 35، الدرس الخامس والثلاثون : من : ( 10- باب التمتع ... والأغتباط به لأنه علامة التوفيق ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تعريف الأنساك وأفضليتها

شرح معاني الأنساك الثلاثة: التمتع، القران، والإفراد، مع توضيح الخلاف في أفضلها. التمتع هو الإحرام بالعمرة ثم بالحج في نفس العام، والقران هو الإحرام بهما معا، والإفراد هو الإحرام بالحج فقط.

جواز التمتع في أشهر الحج

بيان جواز التمتع بالعمرة إلى الحج في أشهر الحج، واستدلال بآية القرآن وفعله النبي صلى الله عليه وسلم. كما يذكر اختلاف أهل العلم في هذه المسألة وآرائهم حولها.

أحكام الهدي واستئناس أهل السنة بالرؤى

يناقش آراء العلماء حول الهدي في الحج والعمرة، ويبين أن المراد بالهدي هو البدنة أو البقرة أو الشاة، ويشرح الفرق بين استئناس أهل السنة بالرؤى واستدلال أهل البدعة بها.

خاتمة الدرس وتتمة الكلام

الإشارة إلى اكتمال جزء من الدرس مع الإعلان عن وجود تتمة في دروس لاحقة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الحامد عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: باب التمتع، الحديث الخامس والعشرون بعد المئتين، عن بحمزة نصر بن عمران الضبعي -وعندي الضبعي- قال: سألت ابن عباس عن المتعة فأمرني بها، وسألت عن الهدي قال: فيه جزور أو بقرة أو شاه أو شرك في دم. قال: وكألنا أناسا كرهوها، فنمت فرأيت في المنام كأن إنسانا ينادي: حج مبرور ومتعة متقبلة. قال: فأتيت ابن عباس فحددته، فقال: الله أكبر، سنة أبي القاسم صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى هذا الحديث في ضمن أحاديث كتاب الحج، فقال: باب التمتع، أي هذا مدخل لمعرفة أحكام التمتع، ثم ذكر الحديث. وأقرب الألفاظ إلى لفظ ما ذكر رحمه الله، ولفظ الإمام البخاري في حديث 1688 قال: حدثنا إسحاق بن منصور قال: أخبرنا النظر قال: أخبرنا شعبة قال: حدثنا أبو حمزة قال: سألت ابن عباس... الحديث. غير أنه قال فيه: وسألت عن الهدي فقال فيها جزور، بدل: فيه فقال فيها جزور، وقال: وكأن ناسا، بدل: وكأن أناسا، وبقية ألفاظه كلفظ صاحب المتن رحمه الله تعالى. قال الشارع رحمه الله تعالى: الأنساك ثلاثة: تمتع، وقران، وإفراد. أما التمتع فهو أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ثم يفرغ منها، ويحرم بالحج في عامه، هذا أحد معاني التمتع، وهو المعنى الذي استقر عليه معنى التمتع عند أهل العلم. وقد كان يطلق التمتع ويجمع بهذا اللفظ ثلاثة معاني، هذا هو أحد هذه المعاني الثلاثة. والمعنى الثاني القران، فقد كان يسمي القران تمتعا؛ لأنه قرن بين نسكين وعبادتين بسفرة واحدة، فحصل له نوع تمتع ورخاء؛ إذ أنه لم ينشئ لكل نسك سفرة لوحده. والمعنى الثالث من معاني التمتع هو فسخ الحج إلى العمرة، فسخ الحج إلى العمرة، وفيه خلاف سيأتي الإشارة إليه في موضعه إن شاء الله. قال: وأما القران فهو أن يحرم بهما جميعا، أو يدخل الحج على العمرة فتتداخل أفعالهما. القران: أن يحرم بهما جميعا. قلنا: التمتع أن يحرم بالعمرة -يعني من ميقاته- فإذا انتهى من العمرة وتحلل منها، إذا جاء يوم الثامن أحرم بالحج في نفس العام، هذا يسمى تمتعا. وأما القران فهو أن يحرم بهما جميعا من حين أن ينشئ عمرته ينشئ عمرة وحج معا، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام على القول الصحيح، وسيأتي الكلام عليه في موضعه. قال: أو يدخل الحج على العمرة فتتداخل أفعالهما، وسيأتي الكلام عليه كذلك. مثل إنسان أتى بعمرة ثم لم يستطع أن يأتي بالعمرة -كم رأى حائلا في عمرته- فلم تستطع أن تقيم العمرة حتى جاء وقت الحج، فإنها تدخل الحج على العمرة كما فعلت عائشة رضي الله تعالى عنها. قال: وأما الإفراد فهو أن يحرم بالحج مفردا له عن العمرة -يعني من غير عمرة- حج فقط، يأتي إلى الميقات ويحرم بالحج فقط. قال: واختلف العلماء في أفضلها، ويأتي إن شاء الله في الأحاديث القادمة. يأتي في الأحاديث القادمة أي هذه الأنساك أفضل، والصحيح أنه التمتع كما سيأتي بدليله إن شاء الله. قال رحمه الله تعالى: الغريب: الجزور هو الذكر والأنثى من الإبل، ولكنه يطلق غالبا على الصغير من الإبل. قال: الشاة: هو الذكر أو الأنثى من الضأن أو المعز، فهو جنس يشمل نوعين، يشمل الضأن ويشمل المعز. قال: وقوله شرك أي مشاركة في ذبيحة من البقر أو الإبل، كما سيأتي بموضع إن شاء الله: أن المشاركة تكون سبع في بقرة أو في ناقة أو نحوها. قال: المعنى الإجمالي: كان العرب في الجاهلية يعدون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، ويقولون: إذا عفى الأثر وبرئ الدبر وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر، ويريدون بذلك أنه لا تصح العمرة في أشهر الحج. قال: حتى جاء الإسلام فأبطل هذه العقيدة بقوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، ومعنى العمرة في أشهر الحج. وأشهر الحج معروفة في الجاهلية وفي الإسلام، وإن كانوا كما مر معنا في الأبواب المتقدمة كانوا يختلفون في الأشهر حتى كان على أحد القولين أن حجهم لم يكن في شهر ذي الحجة، وهو من التأخير الذي فعلوه في الأشهر. قال: وألغاها فعل النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذا اعتمر في أشهر الحج بعمرة مفردة، وجمع بينها وبين حجته؛ لأنه أحرم قارنا. قالوا: مع هذا فقد بقيت بقية من تلك العقيدة في نفوس بعض المسلمين من أهل الصدر الأول. ولهذا سأل أبو حمزة ابن عباس عن التمتع بالعمرة إلى الحج فأمره بها، ثم سأله عن الهدي المقرون معها في الآية، فأخبره أنه جزور وهي أفضله، ثم بقرة ثم شاه أو سبع البدنة أو البقرة مع من اشتركوا فيها للهدي أو الأضحية. وسيأتي الكلام على هذا إن شاء الله في موضعه. فكأن أحدا عارض أبا حمزة بتمتعه، فرأى هاتفا -يعني مناد ينادي هاتفا يناديه في المنام- حج مبرور ومتعة متقبلة. فأتى ابن عباس يبشره بهذه الرؤية الجميلة. ولما كانت الرؤية الصالحة جزءا من أجزاء النبوة، فرح ابن عباس بها واستبشر أن وفقه الله تعالى للصواب، فقال: الله أكبر، هي سنة أبي القاسم صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومعناه أن الرؤية المنامية وافقت فتوى ابن عباس. قال: ما يؤخذ من الحديث أولا: جواز التمتع والإتيان بالعمرة في أشهر الحج، كمن عقد عليه الإجماع فيما بعد. وكان بهذه المسألة خلاف بين أهل العلم؛ فإنهم اختلفوا في أول الأمر، فنقل عن بعض الصحابة -نقل عن أبي بكر وعمر وعثمان- أنهم كانوا ينهون عن التمتع. وقد اختلف ما هو هذا الذي نهى عنه عمر، هل هو عين التمتع الذي أمر به النبي عليه الصلاة والسلام؟ واختلف لماذا نهى عنه؟ وسيأتي الكلام عليه في موضعه إن شاء الله. وهكذا كذلك قال كثير من أهل العلم بالنهي عن التمتع؛ لما رأوا وظنوا أن التمتع كانت رخصة فقط للجيل الأول -أي للصحابة رضي الله تعالى عنهم- وأنها كانت مؤقتة. واستدلوا بذلك بأدلة، فاستدلوا بحديث أبي ذر الذي رواه مسلم رحمه الله تعالى قال: «كانت المتعة في الحج لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم» ويريد بذلك الفسخ. وهذا الحديث وإن كان صحيحا لكنه ليس بصريح في الدلالة على أن هذا من خواص الصحابة مما يختص بحكمه للصحابة فقط. واستدل بعضهم بحديث ضعيف روي عن الحارث بن بلال عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «فسخ الحج خاصة لكم». سئل عن الفسخ: هل هو لنا خاصة أم للناس عامة؟ فقال: «إنه لهم خاصة» -أي للصحابة خاصة- رواه النسائي وهو ضعيف؛ فالحارث بن بلال مجهول. وقد ضعف هذا الحديث وأعله الإمام أحمد كما في مسائل أبي داود. وهكذا كذلك ابن حزم، وذكره الشيخ العلامة الألباني في الضعيفة في المجلد الثالث. والقول الثاني: أنه عام لكل الناس وإلى أبد الأبد، وهذا هو الراجح، وهذا الذي دلت عليه الأدلة؛ لحديث سراقة بن مالك وهو في الصحيحين أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه العمرة وهذا التحلل الذي أمرهم به: ألعامهم ذلك أم هو لأبد الأبد؟ فأخبرهم أنه لأبد الأبد، وأن العمرة دخلت في الحج إلى يوم القيامة. وهذا ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله، وجماعة من أهل الحديث، وبه قال الظاهرية. ثم اختلفوا: هل هذا للوجوب أو للجواز؟ فالجمهور للجواز، وبعض أهل العلم للوجوب، ومنهم ابن عبد البر. وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله في موضعه. قال رحمه الله تعالى: الثاني: أن المراد بالهدي المذكور في قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ البدنة أو البقرة أو الشرك فيها أو فيهما، أو الشاة؛ لأنه قال: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. ما هو هذا الذي استيسر؟ البدنة مقبولة؛ لأنه من سنة النبي عليه الصلاة والسلام كاملة. وقد أهدى النبي صلى الله عليه وسلم بمئة بدنة، أهدى بها النبي عليه الصلاة والسلام عن نفسه والمسلمين، فالواحدة يجوز، بل والأكثر كذلك يجوز. وهذا يدل عليه عموم الآية: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. وهكذا البقرة أو الأكثر، أو الشرك فيهما -أي في البدنة والبقرة- كما جاء في حديث جابر، وهو السبع. أو الشاة كما مر: معز أو ضأن. قال: ثالثا: الاستئناس بالرؤية فيما يقوم عليه الدليل الشرعي تأييدا بها. وهذا ضابط وفرق عظيم بين أهل السنة وأهل البدعة؛ فأهل البدعة من الباطنية والمتصوفة والقبورية لا يستأنسون بالرؤى، ولكنهم يستدلون بها. انظر الفرق: أهل السنة عندهم أن الرؤية حق، وهؤلاء المبتدعة يقولون: الرؤية حق، لكن الفرق أن أهل السنة يستأنسون بالرؤية لا يستدلون بها، فلا يستدلون تأسيسا، وإنما استئناسا. وهكذا كذلك يستأنسون بما يقوم عليه الدليل الشرعي. أما هؤلاء يثبتون بها الأحكام. ولازم هذا أن الوحي لم ينقطع، والوحي قد انقطع، قال الله سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. قال رحمه الله تعالى: الاستئناس بالرؤية فيما يقوم عليه الدليل الشرعي تأييدا بها؛ لأنها عظيمة القدر في الشرع، وجزء من ست وأربعين جزءا من النبوة، كما جاءت بذلك الأحاديث الكثيرة عن النبي عليه الصلاة والسلام. وقد جاء في الصحيحين معناه من حديث أبي هريرة، ومن حديث عبادة. وجاء كذلك في البخاري من حديث أبي سعيد، وفي مسلم من حديث ابن عمر قال: قال ابن دقيق العيد: هذا الاستئناس والترجيح لا ينافي الأصول -يعني لا ينافي الأدلة الشرعية-؛ فإن الاستئناس هو فقط التأييد والاستبشار، هذا هو المعنى، وليس معناه أن يستدل بها ابتداء وتأسيسا وانفرادا، لا ليس هذا من فهم ولا مذهب ولا كذلك طريقة أهل السنة والجماعة. ولا ينافي الست والأربعين ما جاء: سبعين جزءا؛ فإنه كما فسره بعض أهل العلم -كالنووي وغيره- أنه بحسب يقين وإيمان صاحبه؛ فإن قوة الرؤية بقوة إيمان صاحبها وقوة يقينه، فإنه إذا قوي ذلك قويت الرؤية، فكانت سبعين جزءا أو ستة وأربعين جزءا على الروايات. قال: رابعا: الفرح بإصابة الحق والاقتباس به؛ لأنه علامة التوفيق، وليس الفرح من باب الغرور، ولكن من باب الوصول إلى الحق الذي أحبه الله لعباده. طيب، نكتب بهذا، وسيأتي معنا في دروس لاحقة تتمة ما يتعلق بهذا الباب، والله تعالى أعلم.