كتاب الوصية  1

كتاب الوصية 1

الدرس في كتاب الوصية 1، كتاب الوصية . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تعريف الوصية وأهميتها

الوصية تعني في اللغة الأمر والعهد، وفي الشرع هي توزيع أو صرف المال بعد الموت. الحديث النبوي يشدد على أهمية كتابة الوصية لمن يملك شيئا.

أقسام الوصية وأحكامها

الوصية تنقسم إلى واجبة ومستحبة، وتكون واجبة إذا تعلق بها حق لله أو للآدميين، ومستحبة إذا كانت في حدود الثلث ولم تضر الورثة. يُستحب كتابة الوصية للمبادرة بها خصوصًا إذا تعلق بها حق واجب.

مشروعية الوصية في حل النزاعات

الحديث يشجع على الوصية في الأمور التي قد تسبب خصومة أو تضيع الحقوق بعد الموت. يمكن للإنسان أن يقسم ماله قبل وفاته إذا كان ذلك يحل النزاع، مع الاحتفاظ بجزء منه لنفسه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: كتاب الوصية. قال حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده». قال: أخرجه البخاري في كتاب الوصايا، باب الوصايا. أورد المؤلف رحمه الله هذا الحديث في كتاب الوصية، وهو من الأحاديث المتفق عليها في الصحيحين. وعلى قاعدته فالتبويب والكتاب، قوله: كتاب الوصية، على ما بوب به في صحيح مسلم، واللفظ لفظ حديث البخاري. وقد أخرجه البخاري في الباب المشار إليه، فقال رحمه الله: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر، فذكر الحديث بلفظه. وقوله: كتاب الوصية، أي هذا مكتوب يتعلق بأحكام الوصية. والوصية معناها في اللغة مأخوذ من الأمر والعهد، ومنه قول الله جل وعلا: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾، أي أمر وعهد. وأما في الشرع، وفي اصطلاح أهل العلم من أهل الفقه والحديث، فيعرفون الوصية بأنها أمر وعهد لتوزيع أو لصرف المال من تبرع وغيره بعد الموت. وقوله رحمه الله تعالى: وقال البخاري: كتاب الوصايا، باب الوصايا، يدل كذلك أن هذا الحديث أورده البخاري رحمه الله في نفس ما بوب له في صحيح مسلم. وقد ذكره رحمه الله في مواضع أخرى، وهو ها هنا في هذا المعنى مما له تعلق بالوصية. وشاهده على الترجمة في الموضعين قوله صلى الله عليه وسلم: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده»، ففيه الأمر بالوصية لمن عنده شيء. ولهذا قال العلماء: الوصية تنقسم لقسمين: واجبة، ومستحبة. فالواجبة لمن تعلق به شيء من الحقوق، سواء حق لله أو حق للآدميين، الحق لله مثل الزكاة أو الحج أو غير ذلك من الحقوق أو نذر، والحق للآدمي كالدين والرهن وما كان بمعنى من الحقوق التي هي للآدميين. وقوله عليه الصلاة والسلام: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه»، يتضمن كذلك النوع الثاني من الوصية المستحبة، وهي مشروطة بما لا يضر الورثة وبما لا يزيد عن الثلث، فلا تكون الوصية لوارث ولا تضر الورثة ولا تزيد على الثلث. وهذا علم من أدلة أخرى عن النبي عليه الصلاة والسلام. فيستحب لمن ترك شيئًا كثيرًا لا يضر إخراج هذه الوصية بالورثة أن يتصدق على نفسه بهذه الوصية، وهي رحمة من الله عز وجل وفضل على الإنسان أن يخرج من ماله بعد موته ما يكون من أمر الوصية. وأما من كان ماله قليل فلا يستحب في حقه أن يخرج شيئًا، لقول الله جل وعلا: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾، الوصية، ومن ترك مالًا قليلًا لم يترك خيرًا. وقد صحت آثار في هذا الباب عن علي رضي الله عنه وعائشة ومعناه عن ابن عباس فيمن ترك مالًا ليس بالكثير أن الأفضل في حقه أن لا يوصي. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده»، ليس المراد بهذا الحصر والتقييد، ولكن المراد بهذا الحث على المبادرة بكتابة الوصية، الحث والمبادرة بكتابة الوصية، وأن المسلم ينبغي عليه أن يعجل، خصوصًا إذا تعلق به حق واجب، فإنه لا يدري متى تأتيه منيته، حتى لا يتعلق به شيء من حق الناس أو حق الله، فعليه أن يعجل بكتابة الوصية، فلا يفيد هذا العدد الحصر، ولهذا جاء ليلة وليلتين وثلاث. فالمقصود هو التعجيل. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «إلا ووصيته مكتوبة عنده»، فيه استحباب كتابة الوصية، وفيه كذلك ما سبقت الإشارة إليه بدروس قريبة، مشروعية كتابة الوصية من دون شهادة، وأن خط الوصي أو الموصي يقبل من دون شهادة. وكيف يجمع بينه وبين ما ورد من ذكر الشهادة في بعض الأدلة؟ يجمع بين ذلك بأن يقال: إذا كان هذا مظنة القبول فلا حاجة للإشهاد، وإن كان مظنة الرد وتخاصم الورثة فإنه ينبغي أن يشهد، جمعًا بين الأدلة الواردة في هذا الباب. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه»، حث كذلك على الوصية في كل ما قد يقع بسببه خصومة أو تضيع به الحقوق، يعني أن الأمر لا يتعلق فقط بالأمانات والرهون والديون وما كان بمعناها، بل حتى لو كان شيء مباح، يعني إذا علمت أن هذا الشيء الواضح عند بعض الناس ليس بواضح، قد يسبب إشكال وخلاف وخصومة، فقطعًا لمادة الخصومة وحلًا للنزاع وسدًا لبابه، يوصي الإنسان بوصية يكون فيها جمع الكلمة وعدم فتح باب الشيطان بين الورثة بعده. وما أحوج الناس لمثل هذا في مثل هذا الزمان، فإن الإخوة الأشقاء يتقاطعون ويتناحرون بعد موت مورثهم، ويكون السبب في هذا هو المال، فالنفوس ضعفت والدين قل إلا من رحم الله. فإذا كان الإنسان علم شيئًا ينبغي عليه أن يحل ذلك في حياته. وهل في هذا دليل على مشروعية جواز قسم التركة قبل الموت إذا علم أنه سيكون سببًا لحل النزاع؟ ليس فيه دليل. لكن هل يشرع هذا؟ الجواب في هذا تفصيل: إن استيقن حصول النزاع والخلاف أو بغي الأقوياء على الضعفاء أو نحو ذلك، فلا بأس أن يقسم، مع أن يدع لنفسه شيئًا ينفتع به في حياته. وأفتى بهذا شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله فيما هو نحو هذه المسألة. بعض الناس يعرف خصوصًا إذا كان له أكثر من زوجة وأبناء من زوجات مختلفات، وبعضهم صغار وبعضهم كبار، فهو بحسب علمه بأولاده يخاف من الكبار أن يظلم الصغار، فمثل هذا أجاز له بعض أهل العلم أن يقسم ماله، لكن يبقي لنفسه شيئًا ينتفع به في حياته، يعني لا يبقى أن يقسم أكثر المال ويجعل كل أحد يقبض ماله حتى لا يحصل خلاف ولا نزاع بعد وفاته، أو لا يحصل كذلك عدوان يعتدي الأقوياء على الضعفاء. ويستأنس بمثل هذا الحديث ونحوه من الأدلة الأخرى التي ترشد المسلم إلى اتخاذ الوسائل لحل النزاع والخصومة بعد وفاته. طيب نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم.