كتاب الشركة  2

كتاب الشركة 2

الدرس في كتاب الشركة 2، تابع كتاب الشركة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام المشاركات المالية

يناقش أحكام شركة العقود والمشاركات المالية بين الأفراد، ويشرح شروطها وأنواعها مثل شركة العنان والمضاربة. يتم التركيز على كيفية توزيع الأرباح فيها وتوضيح الشروط اللازمة لصحة هذه العقود.

شروط عقد المضاربة وأنواع الشركات الأخرى

يتناول شروط صحة عقد المضاربة مثل أن يكون العقد في معنى الحلال وأن يعرف رأس المال ويكون حاضرًا ونقدًا. كما يذكر أنواعًا أخرى من الشركات مثل شركة الوجوه وشركة الأبدان وشركة المفاوضة وتوضيح شروط كل نوع.

تحريم الإضرار بين الشركاء والجار وتطبيقاته

يشرح تحريم الإضرار بين الشركاء والجار، مستدلاً بحديث 'لا ضرر ولا ضرار'. كما يوضح واجب الإمام في معاقبة من يضر بشريكه وتصحيح الوضع أو بيع العقار عند الضرورة.

أحكام الصلح مع اليهود

يتناول أحكام الصلح مع اليهود مقابل منفعة متبادلة مثل تسهيلات أو خدمات، ويبين أن هذا النوع من الصلح جائز بالتراضي. يشمل ذلك أموراً مثل إنشاء طرق أو حفر آبار.

  • 27 جمادى الآخرة 1431هـ - 09/06/2010مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، تتمة لما سبق مما مر معنا مما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى من مباحث أحكام المشاركات. قال رحمه الله تعالى: «ويجوز الاشتراك في النقود والتجارات، ويقسم الربح على ما تراضيا عليه». وهذا انتقال إلى القسم الثاني من أقسام الشراكات، وهو ما يسمى بشركة العقود. وقبل الدخول فيه، يشاره وإشارة يسيرة إلى ما يلحق بالقسم الأول من شركة الاستحقاق. وقد علمنا أن منه ما يكون بالمنافع العامة، ومنه ما يكون في منافع خاصة. فما يكون في المنافع الخاصة، وما يكون من استحقاق بغير شراكة العقود، مما يكون للناس في أصناف، وهو ينحصر في معنيين: المعنى الأول الأموال بأنواعها، والمعنى الثاني الحقوق. فمن الأموال شركة الاستحقاق أو مشاركة الاستحقاق في المال الموروث، فهذا فيه نوع من المشاركة، لكنه مشاركة خاصة، ليس في المنافع العامة. وهل هذه المشاركة مشاركة عقود؟ الجواب: لا، وإنما هي مشاركة استحقاق، كانت بالإرث. هذه مشاركة استحقاق، وليست مشاركة عقود، وهي مشاركة استحقاق خاصة لأناس مخصوصين، وليست عامة في المنافع العامة. فهي من معاني المشاركات بالاستحقاق، لكنها فيما يكون في المعاني الخاصة. فمن ذلك ما يكون بسبب الإرث، مثلا ترك أب مالًا لورثته، وهم زوجة وأبناء، فهنا هذا المال يشترك فيه من هؤلاء الورثة، هم شركاء في هذا المال، خصوصا إذا كان المال مما لا يقسم كالعقار أو كذلك بهيمة الأنعام. مثلا ترك لهم عشر من النوق، وهم أكثر من عشر من الولد وزوجة، كيف يقسم هذا؟ هنا له أحكام خاصة يذكرها العلماء في أحكام قسمة التركات، فهو نوع من المشاركات له أحكامه الخاصة في هذا الموضع. وهكذا ما يكون من حقوق تتعلق بمشاركات واستحقاق في الحقوق. الأول في الأموال، الثاني في الحقوق. مثال المشاركة في الحقوق: حد القذف مثلا، فحد القذف إذا وقعت فيه شراكة، فهو حق للجميع. مثلا قذف رجل امرأة ميتة لها أبناء، أو امرأة حية لكن ليس لها يعني ما تستطيع أن يكون لها كلام، مثلا مبتلى بمرض، فيبقى حقها عند الأبناء، فحقها عند الجميع، فهم مشتركون فيه. ومثله كذلك الحق بالنسبة للعفو في القصاص، هو لا ينحصر بواحد، إن كان له مجموعة من الورثة والأولياء ونحو ذلك من الحقوق، فهم شركاء في هذه الحقوق. العفو ما يكون من الواحد إذا كان متعلقًا به رضى الآخرين، أو ينتظر به حكم الآخرين. يعني إذا كان استحق الانتظار. وطبعا هناك تفاصيل في مسألة العفو في الدماء تذكر في موضعها إن شاء الله. وهكذا إذا كان القذف لمجموعة أو القذف من مجموعة، فالمهم هذه أنواع ذكرها العلماء ونص عليها في معاني المشاركات. المقصود الإشارة إليها لأجل أن يطلع طالب العلم والقارئ في مباحث الفقه إلى أن المشاركات لها تقاسيم. لكن المقصود في هذا الموضع في كتاب البيوع المشاركات التي تتعلق بمعنى من معاني البيع، وهو النوع الثاني: شركة العقود. وهذا النوع الثاني الذي هو شركة العقود، أول ما ابتدأ به رحمه الله بقوله: «ويجوز الاشتراك في النقود والتجارات». فشركة العقود أنواع، كما ذكر العلماء. من هذه الأنواع كما مر معنا في دروس ماضية أو سابقة في كتاب منهج السالكين: شركة العنان، وهو ما يكون بين شريكين أو أكثر، كل منهما يشترك بمال وعمل، يشتركان أو يشتركون في مال وعمل. وهذا قوله في النقود والتجارات، وهو يسمى في اصطلاح الفقهاء شركة العنان. سميت هذا النوع من الشركة بشركة العنان، لأنه يكون أهله وأصحابه أصحاب هذا النوع من الشركة كالفرسين أو أكثر إذا استويا أو استووا في السير، فإنه يسمى ذلك العنان. وقد ذكر العلماء لهذا النوع من الشركة شروط. من هذه الشروط معرفة رأس المال، إن كان ذهبًا أو كان فضة أو كان غير ذلك مما يقوم مقام الذهب والفضة. وهكذا كذلك معرفة العمل، إن كان هناك عمل يقوم به هؤلاء الشركاء. فيعرف مثلا اشترك اثنان في شراكة، قال أحدهما: أنا أدفع مئة ألف، وقال الثاني: وأنا أدفع نصف ذلك. فقال أحدهما: وأنا أصنع بما يجمع من هذا المال مثلا كذا وكذا من الطعام، قال الآخر: وأنا أصنع وكذا وكذا من الشراب، ثم يبيعان ما يصنعان. فهنا يحدد المال المشترك فيه، ويحدد كذلك العمل، ثم تعرف النسبة. وهذا هو الشرط الثالث: معرفة النسبة. إن كان في رأس المال النسبة النصف، أحدهما شارك بمال والآخر شارك بالنصف، فكذلك يعرف العمل، ما مقدار العمل؟ هل هو كذلك بالنصف؟ ثم بعد ذلك تحدد النسبة كاملة بينهما، فيقولان مثلا: الربح بيننا ثلاثة أثلاث، مثلا ثلثين لزيد وثلث لعمر. فإن اتفق على ذلك أمضيا هذا العقد. ومن هذه الشروط كونه كذلك هذا العمل وهذا المال حاضر، ولا يكون فيه سبب من أسباب الخصومة. يعني ينبغي أن يوضح العمل، ويكون المال موجودًا حتى لا تفتح بينهم أبواب الخصومات. هذا خلاصة ما ذكره العلماء في هذا النوع من أنواع الشركات أو المشاركات ما يسمى بشركة العنان. ثم قال رحمه الله تعالى: «ويقسم الربح على ما تراضيا عليه». إن تراضيا على شيء فبما تراضيا عليه، ولو أحدهما تنازل عن بعض حقه. مثلا المثال السابق أحدهما دفع كثير وأحدهما دفع قليل، ولكن لما كان العمل غير منضبط، قد يعمل أحدهما أكثر من الآخر، وقد يكون العكس. قال مثلا صاحب المال الكثير: أنا أرضى أن يكون لي مثل نصيبك، يعني الربح بيننا بالنصف. ألان حصل تسامح أم لا حصل تسامح؟ هذا التسامح رضي به هذا الطرف، فإذا بما تراضيا عليه. وقد يكون في وصف آخر أنهم يرجعان إلى العرف، يرجعان إلى العرف. فمثلا العرف يقضي في مثل هذه الحالة أن يكون ثلثان بثلث، فبما يتراضيان عليه وهكذا. قال رحمه الله: «وتجوز المضاربة ما لم تشتمل على ما لا يحل». وهذا نوع آخر من أنواع شركة العقود، أي ما يُعقد بين الناس من أنواع المشاركات فيما يدخل في معنى البيوع، وهو ما يسمى بشركة المضاربة أو مشاركة المضاربة. وسمي هذا النوع من المشاركات بالمضاربة من الضرب في الأرض، لأن معنى هذا النوع من المشاركة هو كون أحدهما يشارك بالمال والآخر بالجهد، وهذا الجهد يكون بالضرب في الأرض. فسمي شركة المضاربة. ولها كذلك عند أهل العلم شروط. ومن أهم شروطها ما أشار إليه المؤلف رحمه الله: «ما لم تشتمل على ما لا يحل»، يعني ينبغي أن يكون عقد المضاربة في معنى الحلال، ولا يجوز أن يكون في الحرام. فلا تجوز المضاربة في الحرام، أحدهم بماله والآخر بجهده. إيش جهدك؟ لابد أن يكون جهدك في الحلال. فإن كان جهدك في الحرام فلا يجوز، لا يجوز أن يجمع له مثلا ما يكون به صناعة الحرام أو ما هو حرام ويباع للناس، كجمع الحشيش أو ما يسمى بالخشخاش. بعضهم يجمعهم من الغابات، أحدهم يدفع المال والآخر يبدل الجهد، ثم ما يجمعان يباع ويكون بينهما، هذا لا يجوز لأنه في شيء حرام، ليس في شيء حلال. فلابد أن تكون المضاربة في شيء حلال. والشرط الثاني من هذه الشروط أن يعرف رأس المال، ويكون حاضرًا وكذلك نقدًا، لأن هذا هو معنى المضاربة. ليس معنى المضاربة أن يبدأ أحدهما بالمال والجهد والآخر المال في الذمة، هذا ليس بمضاربة. بل المال لابد أن يكون حاضرًا ونقدًا يعمل به ويتجر به هذا المضارب. وهكذا كذلك من هذه الشروط تحديد الجهد، لابد أن يكون هذا الجهد موصوفًا بوصف منضبط لا تحصل معه خصومة. فأنت لم تمتلك إنسانًا عبدًا يعمل معك الليل والنهار لأجل أن تنجح التجارة. لكن لابد أن يحدد الجهد، إما أن يحدد بالوقت، يعني أنت تعمل معي بالساعات في اليوم ثمان ساعات أو عشر ساعات. أنا أدفع رأس مال مثلا، تقول يقول صاحب المال: أعطيك هذا المال تفتح به محل، إما بقال أو نحوها، وأنت تشتغل بهذا المال الذي تفتح به البقالة على أن تعمل في هذه البقالة مثلا عشر ساعات أو أكثر أو أقل بحسب ما يتفقان عليه. أو يتفقان إذا لم يحصل هناك تحديد بالوقت، يكون تحديد بالجهد. ما هي مهمته؟ مهمته الإشراف على هذا المحل وتسيره، والاستعانة بعامل مثلا أو عاملين. لابد أن يحدد هذا بأوصاف منضبطة، لا يكون فيها خصوم ولا خلاف. والشرط الثالث أو الرابع من هذه الشروط: معرفة نسبة الربح بينهما، لابد من تحديد ذلك. فإن لم يحدد صار هذا العقد في معنى من معاني الغرر، لا يجوز. ثم قد يحصل خلاف بينهما. وذكر العلماء أصولا مأخوذة من عمومات الأدلة، ومن القواعد الفقهية المستنبطة من معاني الأدلة ونصوصها. فمن ذلك مثلا: إذا وقع خلاف بينهما، فالقول قول صاحب المال، إلا مسائل نص عليها العلماء، هي مستثناة. وتفاصيل ذلك في الكتب الموسعة، لكن هذه إشارات في هذا المتن المختصر، يشار بها إلى خلاصة ما يذكر في هذا النوع من أنواع المشاركات. ثم قال رحمه الله تعالى: «وإذا تشاجر الشركاء في عرض الطريق، كان سبعة أذرع». انتقل هنا إلى معنى آخر من معنى المشاركات في الحقوق العامة. وإلا فأنواع شركات العقود لا تنحصر في هذين المعنيين المذكورين. فقد ذكر العلماء معاني أخرى من الشركات، مرت معنا في كتاب منهج السالكين، كما أشار إلى ذلك الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله. فمن باب الفائدة تذكروا على وجه الاختصار من هذه المشاركات في العقود: شركة الوجوه. وسماها العلماء شركة الوجوه، لأن الشركاء يشتركون فيما يأخذون بوجوههم من الناس، أي يأخذون بالذمة، فهم لهم ثقتهم في السوق. فاشتركا بما يأخذان أو ما يأخذون، إن كانوا أكثر من اثنين، من الناس بوجوههم، أي بثقة الناس فيهم. وهذا يقال فيه كذلك بما ذكر معناه فيما سبق، فالربح بينهما والخسارة كذلك بينهما. فلابد من تحديد النسبة والتراضي على ذلك، وتحديد الجهد. فما كان بعد ذلك فهو عقد على شيء معلوم، وفي الشيء الحلال، فهو جائز. ومن أنواع الشركات: شركة الأبدان، وهو ما يكسبه الشركاء بأبدانهم، كجمع الحطب وجمع الحشيش ونحو ذلك. بل حتى ما يبدلونه من جهد في أعمال يعملونها، كالخياطة والنسج ونحو ذلك من الأعمال، فهو من شركة الأبدان. فهنا لابد أن يحدد الجهد، أو إن كان الجهد غير منضبط، فيحددان الوقت حتى لا تحصل الخصوم بينهما. فإن اتفق على أن يكون الوقت متحدًا، أو تراضيا على أن يتفاضل الوقت بينهما لمعاني، إما تفاوث في السن أو غير ذلك، وحصل التراضي. فلابد من معرفة النسبة بينهما. والنوع الخامس من أنواع الشركات أو المشاركات: ما يسمى بشركة المفاوضة، وهو الجامع لكل الأقسام الأربعة المتقدمة. وهذا قد يقع بين ذوي القرابات، يقع بين ذوي القرابات، مثل إخوة في بيت واحد يعملون ويأكلون مما يعملون. فيتفقون على الشراكة فيما يأتي به كل واحد منهم. فهنا لابد أن يكون هناك تراضي بالنسبة، وهكذا كذلك في الجهد. فإن حصل تسامح وتراضي في الجهد بأن كل واحد يبدل ما يستطيع وما يأتون به بينهم بالسوية، أو ينفق على كل من في البيت، فهذا جائز. فهذا يذهب مثلا يعمل ببدنه، وهذا يضارب، وهذا يضع المال، وهذا يخيط، وهذا ينسج، وكل واحد يعمل عملًا، وما يأتي به الجميع يخلطونه ويقسم بينهم بما تراضوا عليه. وبه فهذا النوع يسمى المفاوضة، يحصل فيه شراكة بجميع معاني الأقسام الأربع المتقدمة، وهو جائز بالعمومات التي ينبغي أن تضبط به. بما لا يكون فيه خصومة، ولا فيما حرم الله، ولا فيما فيه غرر. وأما ما ذكره رحمه الله تعالى: «وإذا تشاجر الشركاء في عرض الطريق، كان سبعة أذرع». ذلك كما أشار في الشرح رحمه الله تعالى، وقد مر معنا في الدرس السابق في باب الإقطاع والأرض الميت. أنه صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أمره إذا وقع الخلاف الطريق أن يجعل سبعة أذرع. والحديث أصله في الصحيحين، ولفظه أشار إليه: أنه في مسند الإمام أحمد، وكذلك عند الطبراني وغيره. وأما ما أشار إليه بعده، قال رحمه الله: «ولا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره». الحديث أن المنافع التي لا تلحق الضرر بالجار، لا يجوز أن يمنع منها الشركاء. فإذن لابد في هذا المعنى من قيود: القيد الأول أن يكون في المباح الذي حله الله، القيد الثاني أن يكون فيما لا يضر الجار، والقيد الثالث أن يكون بالضوابط الشرعية. إن كان لها ضوابط في الشرع، أو بما جرى بين الناس في العرف. فمثلا لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره، الخشبة في الجدار بمثابة المسمار اليوم في الجدار. يعني الخشبة يعلق عليها شيء أمتعة أشياء نحو ذلك. فاليوم في عرف الناس في شيء مسموح، وفي شيء ممنوع بالجملة. المسموح كل ما لا يضر بالجار. مثلا اشتركت أنت وجارك بجدار، أنت في شقة وهو بشقة. طيب أنت تحتاج أن تضرب مسمار في جدارك، لك مصالح بهذا المسمار، هل يجوز الجار يمنع أن تضرب مسمار بحجة أن هذا يضر بجداره؟ الجواب: لا، ما يجوز. ويستدل بهذا الحديث. لكن إذا كان هذا المسمار كبير، وأنت علمت من الضرب ومن أثره إلى الجدار الآخر أنه يضر بجدارك ويشققه، فهل يجوز لك أن تمنعه؟ الجواب: نعم، يجوز أن تمنعه من ذلك، لأن فيه ضرر عليك. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرر». فجرى العرف بأن يسمح بمثل ذلك، بما لا يلحق الضرر بالجار. وهكذا كذلك الشرع. وقس على ذلك أشياء كثيرة قد يحصل فيها الخصومة، لكن تضبط بمثل هذه الضوابط. ومنه مثلا رفع الجدار، اشترك أي الجاران في جدار. فأراد أحدهما أن يرفع بناءه على جاره، فهل يجوز أن يرفع؟ الجواب: يجوز أن يرفع، بشرط أن لا يضر به، يعني لا يكن له نافذة تكشف على بيته، ولا يكن له جدار يكشف على بيته. يريد أن يرفع، ارفع، لكن استر كل الجهة التي تكشف على البيت، لا بد من هذا القيد والشرط. فلا ضرر ولا ضرار. وهكذا في كل معاني يحصل فيها الشراكة بين الجيران. ولهذا أتبع رحمه الله بقوله: «ولا ضرر ولا ضرار بين الشركاء»، أي ولا يجوز حصول المضارة بين الشركاء، لا فيما تقدم من أنواع المشاركات في العقود، ولا فيما يكون بين الجيران وأهل الطريق. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «قال ولا ضرر ولا ضرار بين الشركاء، ومن ضار شريكه جاز للإمام عقوبته بقلع شجره أو بيع داره». قوله: «لا ضرر ولا ضرار بين الشركاء»، لعموم الأدلة الواردة في هذا الباب. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لا ضرر ولا ضرار». وقد روي عن عدد من الصحابة هذا الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام. وأشار في الشرح إلى ما نقله عن ابن كثير في هذا الحديث: أنه روي عن عدد من الصحابة، منهم عبادة بن الصامت، وابن عباس، وأبي السعيد، وغيرهم من الصحابة. فهو حديث حسن بمجموع طرقه، وإن كان لا يخلو طريق من هذه الطرق إلا وفيها كلام، لكن يشد بعضها بعضًا، فترتقي إلى الحسن. وهذا عام: «لا ضرر ولا ضرار» في كل شيء، وفي الشراكة كذلك. فلا يجوز أن يضر أحد الشركاء بالآخر بأي نوع من أنواع الضرر، سواء كان الضرر في أصل العقد، أو كان الضرر في تطبيق هذا العقد، أو كان الضرر كذلك بما يحصل من تخلف أو زيادة شروط أو غير ذلك. فكل ذلك لا يجوز. ولا يؤمن كذلك أحدنا حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. وقد يختلف الناس في ميزان ومعيار الضرر، فيراه أحد الشركين ضررًا، ويراه الطرف الآخر أنه ليس بضرر. فهنا يرجع إلى الشرع، فإن لم يكن فإلى العرف. فيكون إلى العرف. فمثلا لو أن مضاربا عمل في مال مضاربه، فقال المضارب بالمال: أنت بهذا تضرني، وضررتني. فزعم المضارب بالجهد والعمل: أن هذا في صالح العمل. فاختلف، وهنا يرجعان إلى الشرع، فإن كان هناك توضيح لما هم عليه، وإلا فالعرف، أهل الخبرة في ذلك. وأما قوله رحمه الله: «ومن ضار شريكه جاز للإمام عقوبته بقلع شجره أو بيع داره». أشار في الشرح إلى حديث سمر بن جندب، وهو حديث ضعيف، لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما أشار المعلق ونقله عن غير واحد من أهل العلم. ولكن معناه صحيح لعموم ما تقدم: «لا ضرر ولا ضرار». وإذا أضر أحد بالآخر، وكان فيه نوع من التعدي، فوجب القصاص منه. يعني كان له الحق أن يأخذ ما له بقدر مضرته، ما دام فيه تعدي. ومن الذي سيأخذ هذا الحق؟ هو الإمام، الإمام هو الذي سيأخذ له الحق. وأما قوله: «بقلع شجره أو بيع داره»، ليس شرطًا أن تكون العقوبة قلع الدار وقص الشجرة، بيع الدار وقلع أو قص الشجرة. ولكن بحسب الضرر، فإن كان الضرر فيما كان فيه شجرة، فيزال الضرر، وهو هذه الشجرة التي هي ضرر، فتزال. مثلا اشترك اثنان في زراعة أرض، فقام أحدهما فغرس شجرة لنفسه في هذه الأرض المشتركة. فلما قيل له في ذلك، زعم أن هذا لا ينافي الشراكة، وأنها تبع، يعني أن الشجرة لن تأخذ شيء يضرب الأرض، ويزعم أنه يخدمها كما يخدم الأرض، ولا تنقص خدمته إذا خدمها من الشراكة. كما لا تأخذ شيء ينافي الشراكة. فإذا أثبت الشريك أن في هذه الشجرة ضرر عليه، واشتك ذلك للإمام، جاز للإمام أن يقلع شجرته، لأنه اعتدى واعتدى بهذه الشجرة. فهي تستحق القلع، كما أنه لو أن إنسان غرس شجرة في أرض غيره، فهو متعدي، جاز للمتعدى عليه أن يشكيه إلى الإمام، والإمام يقلع هذه الشجرة. لكن إذا كانت الخصومة في مال، فما شأن الشجرة تقلع؟ إنما المراد ما هو ظاهر، كل ما كان معنى من معاني الضرر والتعدي، فإنه يجوز دفع هذا الضرر والتعدي. إن كان شجرة بقلعها، أو بيت ببيعه، أو بناء بهدمه، ونحو ذلك، بحسب الضرر والتعدي الذي حصل. مثال البيت: لو حصل الضرر بعدم بيع البيت، بعض الورثة ما يريد يبيع البيت، وبعضهم يريد يبيع البيت، وكان الإضرار على من لا يريد البيع، ولم يبع له بينما ليس فيه ضرر على من يريد البيع، فهنا يلزم الإمام ببيع البيت حتى لا يضر الورثة بعضهم بعضًا. أو كان العكس: أحد الورثة ساكن في البيت امرأة ضعيفة، والورثة يريدون قسمة المال، فيضرونها. فهنا يقال: «لا ضرر ولا ضرر»، اسكنوا معها، وإلا فلا تضرها، وهي تسدد لكم، أو يعانوا من بيت المال، أو غير ذلك من الأوجه التي لا يكون فيه ضرر على هذه المرأة. أو حتى تمهل حتى تجد مكانًا آخر، المهم هذا الحديث وإن لم يصح، فليس معناه إلغاء الحكم، لأن الحكم يستفاد من معاني أخرى. طيب في شيء في معنى ما ذكر في الشراكة، هذا يقول بعض الناس: يمنع الناس من أخذ الأحجار من بعض الجبال، لأن الأخذ يبيعها ويتاجر بها، ويزعم أن الجبل له. فهذا مما يدخل فيه الشراكة، فهو بمعنى الحطب. الأحجار من أرض الله، لا يجوز أن يمنع الناس منها، خصوصا إذا كان سينتفع لنفسه. وأما إذا كان سيتاجر بها، وصار في هذا إضرار بالناس، ممكن أن يقال له مثلا: أهل المنطقة يتضررون بهذا، فخففوا عنهم هذا الضرر بدفع شيء لهم. أو يعانتهم في شيء، كأن يجعل لهم طريق في مقابل الاستفادة من هذه الأحجار، أو يحفر لهم بئر، أو نحو ذلك مما يكون صلح وتراضي في هذا. إلى هنا والله تعالى أعلم.