كتاب الشركة  1

كتاب الشركة 1

الدرس في كتاب الشركة 1، كتاب الشركة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في أحكام الشركة والمشاركة في الإسلام

يناقش المقطع أحكام الشركة في الإسلام، حيث يبدأ بذكر قول الناس شركاء في الماء والنار والكلأ، ويشرح كيفية التعامل مع الموارد المشتركة وتوزيعها بين الناس.

أحكام الماء والخصومات المتعلقة به

النص يشرح أحكام الماء في الإسلام، حيث يبين أن الناس شركاء في الماء وغيره من الموارد المشتركة، ولا يجوز لأحد أن يحجر على الآخرين ما هو مشاع.

ضوابط مشاركة الماء والمرعى وتطبيقاتها العملية

لا يجوز منع فضل الماء عن الناس إذا كانوا في حاجة إليه، ويجوز للإمام أن يحمي بعض المواضع لرعي دواب المسلمين في وقت الحاجة بشرط ألا يضر بالمسلمين.

ختام الدرس وتأجيل المتابعة لوقت لاحق

تم اختتام الدرس بسبب انتهاء الوقت مع الإشارة إلى أن هناك متابعة لاحقة، وتم التأكيد على أن الله تعالى أعلم بكل شيء.

  • 27 جمادى الآخرة 1431هـ - 09/06/2010مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. تعالى كتاب الشركة. قال الناس شركاء في الماء والنار والكلأ. وإذا تشاجر المستحقون للماء كان الأحق به الأعلى فالأعلى يمسكه إلى الكعبين، ثم يرسله إلى من تحته. ولا يجوز منع فضل الماء ليمنع به الكلأ. وللإمام أن يحمي بعض المواضع لرعي دواب المسلمين في وقت الحاجة. ويجوز الاشتراك في النقود والتجارات، ويقسم الربح على ما تراضيا عليه. وتجوز المضاربة ما لم تشتمل على ما لا يحل. وإذا تشاجر الشركاء في عرض الطريق كان سبعة أذرع. ولا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره. ولا ضرر ولا ضرار بين الشركاء. ومن ضر شريكه جاز للإمام عقوبته بقلع شجره أو بيع داره. أورد المؤلف رحمه الله هذا الكتاب في سياق ذكره لأحكام البيوع، فقال: كتاب الشركة، أي هذا مكتوب في أحكام الشركة. فكتاب فعال بمعنى مفعول، وهذا كثير في اللغة والشرع. ومر معنا هذا في أبواب وكتب متقدمة بما يغني عن الإعادة. وقوله رحمه الله: الشركة، الشركة لغة مأخوذة من الاختلاط، فهي مأخوذة من معنى الاشتراك الذي يكون فيه اختلاط. وأما معناه في الشرع وفي اصطلاح أهل العلم: ثبوت الحق في شيء واحد لاثنين فأكثر. ثم هذه الشركة كما ذكر العلماء وأشار إليه كلام المؤلف رحمه الله تنقسم إلى قسمين: شركة اجتماع واستحقاق، وشركة العقود. فأما شركة الاجتماع والاستحقاق فهو كل ما حصل فيه الاجتماع والاشتراك في شيء مشاع. وهو ينقسم إلى قسمين: استحقاق للعموم بالشرع، والقسم الثاني استحقاق لخصوص بأسباب خاصة أقرها الشرع. فأما الأول ما أشار إليه المؤلف رحمه الله بقوله: الناس شركاء في الماء والنار والكلأ. معناه أن هذا مما يدخل فيه الشركة، لكن كما تقدم في هذا النوع من الشركة شركة الاستحقاق أو الاجتماع في الاستحقاق، وهو من النوع الأول منه مما يكون لعموم المسلمين. وأشار في الشرح رحمه الله إلى بعض الأدلة الواردة في ذلك، منها ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام بحديث أبي هريرة وغيره: أن الناس شركاء في ثلاثة: الماء والنار والكلأ. والحديث له طرق كثيرة يشد بعضها بعضًا. وجاء عن عدد من الصحابة، وجاء كذلك موقوفًا ومرفوعًا ومرسلًا وبأسانيد فيها ضعف وأسانيد حسنة، فهو بمجموع طرقه حديث صحيح، يعني من قسم الصحيح. ومرتبته أنه حديث حسن، بل بعضهم حكم عليه بالصحة لكثرة ما روي في هذا الباب. وهل هذا حصر أم أنه ذكر للأغلب؟ الجواب الثاني: أنه ذكر للأغلب. فالناس شركاء في كل ما يحتاجون إليه من المنافع المباحة مما جعلها الله عز وجل رزقًا للعباد. فكما أنهم شركاء في الماء، فكذلك هم شركاء في كل منفعة مباحة تكون بمعنى الشرب مما رزق الله عز وجل به العباد. فيلحق بمعنى الماء كل ما يسقى الناس فيه مما ينتفعون به، كالمعتصرات من أشجار البوادي. لا يحل لأحد أن يمنع الناس منها. يعني لو كان مثلًا هناك غابات فيها ما ينتفع به مما يشرب من الأشجار، فهي من رزق الله الذي ساقه الله سبحانه وتعالى لخلقه، لا يجوز لأحد أن يحتجرها ما دامت أنها ليست ملكًا لأحد. وكل ما كان بمعنى ذلك، فالناس به شركاء. ثم نرجع إلى ما سبق في مسائل خاصة فيما يتعلق بالأرض الموات. فإذا كانت أرض مثلًا فيها مياه كثيرة، يعني أن الرجل إذا امتلك أرضًا فيها ماء لا يعني ذلك الإضرار بالآخرين. لأن الكل عنده ماء، فهنا من أحيا أرضًا مواتًا فهي له. وهكذا من سبق إلى مباح فهو أولى به، وهذا يقال في الماء ويقال في النار ويقال في الكلأ. وهكذا كذلك في النار، ليس هذا خاصًا بالنار، بل بكل المنافع التي يحتاجها الناس مما يجدونه من رزق الله المشاع في الأرض، فالناس فيه شركاء. فإذا كان هذا في النار، فكذلك والمراد بالنار الحطب، كذلك ما ينتفعون به بمعنى النار. مثلًا لو كانوا يستفيدون من بعض الأحجار في النار، وهو مشاع كذلك لا يخرج بجهد وكلفة ولا يمتلك، بل هو في أرض الله الواسعة، فالناس فيه شركاء. كالأحجار التي قد تقوم مقام الحطب، أو كذلك ما كان بمعنى النار من المنافع الأخرى التي ينتفع بها الإنسان. ربما بعض الأشجار والأعشاب، حتى بعض الحشيش كالإذخر مثلًا، هذا من المشاع. والإذخر ينتفع به في النار، وكذلك أنواع من الأشجار والأخشاب، وكذلك الأعشاب والنباتات، ربما يكون للناس فيها منافع، وهو مما كان في الأرض مشاعًا من رزق الله الواسع. فلا يجوز لأحد أن يحجر ذلك، بل الناس فيه شركاء. وهذا كما قلنا في المشاع. وهل هذا فيما امتلك وخرج بكلفة ممتلك وخرج بكلفة؟ الصحيح أن فيه التفصيل. والتفصيل أنه لا يجوز أن يمنع فضل الماء، يعني مما يدفع ضرورة الإنسان والحيوان، وهو يزيد عن ضرورة نفسه. هذا كذلك لا يجوز أن يمنع، حتى ولو خرج بكلفة. مثلًا إنسان حاضر بئر، وله جار آخر عنده بئر نشفت بئر الجار، والماء الذي عنده يزيد عن ضرورته، يعني حاجته تنتهي عنده الزيادة. هل يجوز له أن يمنع جاره من أن يشرب، وأن تشرب دوابه من بئره بحجة أنه أخرجه بكلفة؟ الجواب: لا، لا يجوز له أن يمنعه. بل إذا فعل ذلك فهو آثم وظالم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم أو نهيه عن منع فضل الماء. ما فضل من الماء لم يجوز له أن يمنعه. لكن في أيام القحط إذا كان في أيام القحط رجل ما عنده إلا ما يكفي نفسه ودوابه، فيأتي إنسان ويقول: عندي دواب ستموت، اسقها. فهو ربما يقول: أنا إن أعطيتك الماء ماتت الدواب، أنا سأعطي ما عندي وما عندك، فأنت اجتهد في إيجاد شيء لها. فمثل هذا ربما يُعذر، ما دام المقام قحطًا وهو لا يجد ما يدفع الضرورة عن دوابه، فضلًا أن يلحق الضرر بها ويعطي ما معه لغيره. وأما الإنسان فلا، بل ينبغي أن يقاسم ما معه، ويأتي الله عز وجل لهم بالفرج. وهكذا يقال بسائر المنافع الأخرى المباحة المشاعة. ما زاد عن الفضل لا يجوز منعه، ولو أخرجه بكلفة، ما دام أن غيره عنده ضرورة. وفرق بين الضرورة وبين ما زاد عن الضرورة. فما زاد عن الضرورة، صدقة إن شاء تصدق وإن شاء لم يتصدق. وأما ما تدفع به الضرورة، فهو ليس بصدقة، بل واجب، بل واجب يجب أن يؤدى. وقوله: والكلأ، أي الحشيش وما كان بمعناه. الحشيش وما كان بمعناه من النبات الذي تنتفع به الدواب. ومن باب أولى ما ينتفع به الإنسان. إذا وجد شيء من النبات ينتفع به الإنسان، وهو مشاع، فلا يجوز لأحد أن يحجر هذا، سواء في البر أو في البحر. فإنه مما يكون الناس فيه شركاء. وهذا كثير، ربما في بلاد العرب لا يعرف إلا الحشيش، لكن في غير بلاد العرب لكثرة الزروع والغابات ونحوها، ربما يكون الأمر أوسع من ذلك. فما كان من رزق الله الذي هو في أرضه الواسعة، وهو مشاع بين الناس، فالناس فيه شركاء. لا يجوز لأحد أن يحجر ذلك، إلا إذا امتلكه بكلفة، مثل أن يزرعه أو كذلك يبذل جهدًا في حمايته أو غير ذلك، فهو له الحق. لكن لا يجوز له أن يمنع ما فضل بما تدفع به ضرورة الناس. فإذا علمنا بهذا أن هذا ليس منحصرًا بهذه الثلاثة، بل بكل ما يدخل في معناها وما هو أولى منها. فالأول المشروب وما كان بمعناه، والثاني المنافع وما كان بمعناها، والثالث المآكل وما كان بمعناها. فالناس في هذا شركاء. فمثلًا هل يجوز أن يمنع الناس من الصيد من البحر؟ يأتي شيخ قبيل ويقول: البحر من هنا لهنا لي، ما يجوز لأحد أن يصطاد هنا وهنا. هل هذا يجوز؟ الجواب: لا، ما يجوز. الناس شركاء في هذا. هذه. هذه الثلاثة، وهذا من باب أولى. وهذا من باب أولى. فتحجير مثل هذا محرم في دين الإسلام. وهذا من فضائل ومحاسن هذا الدين العظيم، أنه جعل لهم مثل هذه الأحكام الشرعية التي تدفع عنهم الخصومات، وتزيل عنهم أسباب الفرق والشر. وهذا دل على أنه منزل من عند الله العزيز الحكيم. ثم قال رحمه الله: وإذا تشاجر المستحقون للماء، كان الأحق به الأعلى فالأعلى يمسكه إلى الكعبين، ثم يرسله إلى من تحته. وهو يشير بهذا رحمه الله إلى ما تقدمت الإشارة إليه في الباب الذي قبل، وفي دروس سابقة فيما جاء في قصة الزبير. وأشار كذلك هاهنا إلى ما جاء في حديث عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في سيل مهزور -اسم واد معين- أن يمسك حتى يبلغ الكعبين، ثم يرسل الأعلى على الأسفل. ونحوه قصة الزبير مع الأنصار، فيما جاء في الصحيحين في سبب نزول قول الله عز وجل: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. فقد جاء في بعض الروايات: أن السبب في أمر النبي صلى الله عليه وسلم الزبير أن يسقي حتى يبلغ الجدر، ثم يسقي بعده الأنصار: أن الزبير كان قبل الأنصار، لأن أرضه أعلى، وأرض الأنصار أسفل. والمراد بالأعلى والأسفل ليس الارتفاع والانخفاض، ولكن القرب والبعد من مكان إتيان الماء. فمثلًا المعروف أن الماء يأتي بالنسبة لنا في هذه البلاد من الجهة الشمالية إلى الجهة الجنوبية حيث البحر. فإذن الأراضي التي تكون في الجهة الشمالية هي التي ستسقي أولًا، حتى تأخذ حاجتها. وحاجتها كما جاء في بعض الروايات: إلى الكعبين، يعني إلى ما يرتفع الماء إلى الكعبين. والزائد يسمح به، يمشي للأرض التي بعده. وجاء في بعض الروايات: أنه يكون إلى الجدر. وجدر الماء فيما تعارف عليه الناس لا يزيد عن ذراع في الغالب. في عرف الناس جدر الأرض لا يزيد عن ذراع. هكذا أو أحد يجد عرف آخر فيما علمت: أنه لا يزيد عن ذراع. فإذا كان هناك عرف فيجري على ما جرى العرف. وإذا لم يكن هناك عرف واختلف الناس، فيقضى إن كان لهم جدر يتعارفون عليه، فيمشون على هذا الجدر، يعني الجدر السوم الذي يحيط بالأرض. وإن لم يكن لهم سوم متساوي، بعض السوم مرتفع، وبعضه منخفض. فقد صاحب المنخفض يصيح، يقول: كيف أنا سأسقي قليل، وذاك سيسقي كثير؟ فعند الخلاف يقول لهم: إلى الكعبين، ليس لكم إلا إلى الكعبين. وما زاد يرسله الأعلى للأسفل. وهكذا فإن قال الأخير: أنا إذن بهذا السيل هذه السنة قليل، وأنا ما سيصلني شيء. لو قال هذا. الجواب: هذا رزق الله، كما أنه قد لا يأتي السيل أصلا، إذن لا أحد يسقي. نعم، وقد يأتي أقل من هذا، إذن كذلك سيكون الذي سقى اليوم لن يسقي في اليوم الذي كان أقل. فهذا فضل الله يؤتيه من يشاء. فإذن عند الخصومة يرجع إلى هذا الحد الشرعي. وإن كان هناك عرف، فإنه يقضى بما يكون مما تعارف عليه الناس. ويؤيد ذلك قصة الزبير كما تقدمت في الصحيحين. وعند الخلاف يحد بهذا الحد فيما جاء في حديث عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أنه يمسك حتى يبلغ الكعبين. يعني يبلغ الماء إلى مبلغ الكعبين. وما زاد يرسل إلى الأسفل. وهو يشير بهذا المؤلف رحمه الله: أنه إذا وقعت الخصومة بعد ذلك، فإنه يرجع إلى ما جاء في الشرع، إن كان في الشرع حكم، أو بما كان في العرف إذا كان بين الناس في العرف حكم. وقد مر معنا في الدرس السابق: أن الشرع جعل حدًا في أنواع من الخصومات، وسيأتي معنا بعضها. ففي الطريق سبعة أذرع، وفي البئر خمسون ذراعًا للبئر القديمة، وخمسة وعشرون ذراعًا للبئر الجديدة، كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في الأحاديث، وسبقت معنا. وهكذا كذلك في حرمة الأشجار: أن حرمتها بطول أغصانها، وغير ذلك مما جاء في الشرع وجاء فيه النص. فإن لم يكن هناك نص، فيرجع عند ذلك للعرف، يرجع عند ذلك إلى العرف. وما تعارف عليه الناس يقره الشرع إذا كان به تحل الخصومات. وقد ذكر العلماء الفقه والأصول والقواعد الفقهية: أن الرجوع للعرف أصل أقره الشرع إذا لم يخالف الشرع. قال الله عز وجل: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، فسر: وعاشروهن بالمعروف، المعروف الشرعي من الإحسان وغير ذلك، والمعروف العرفي من مقادير النفقة والكسوة وغير ذلك مما لا يعلم إلا بالعرف. فمثلًا لو قيل: كم نفقة المرأة؟ يقال: يرجع إلى العرف. فنفقة المرأة نفقة مثلها. ففي البلاد التي تعودت المرأة على نفقة عالية، فإن الزوج تلزمه إذا كان مستطيعًا نفقة عالية. وفي البلاد التي تعود أهلها نفقة يسيرة، فيلزم الزوج نفقة يسيرة. وما زاد فهو فضل، وما زاد فهو فضل. فيرجع ذلك إلى العرف. وهكذا في الكسوة لو قيل: كم يجب على الرجل أن يكسو زوجته؟ هل يجب عليه أن يكسوها كسوة في السنة أو كسوتين أو أكثر أو أقل؟ الجواب: يرجع في هذا إلى العرف. لأن مثل ذلك لم يأت تحديده تقديره بالشرع، ولكن جاء في الشرع إقرار ما جرى في عرف الناس مما لا يخالف الشرع. فإن ابتلي مجتمع بالبخل، الشرع ما يقر بالبخل. لو قالوا: واحد، نحن ما عندنا في عرفنا أن المرأة لها ثوب إلا يوم العرس، نقول: هذا عرف منحرف، عرف فيه شح، الشرع لا يقر مثل ذلك. لكن عند وجود مثل هذا يرجع إلى أقرب عرف يكون فيه الاعتدال. وهكذا العكس لو قال: إنسان، نحن عرفنا أن المرأة يلزمها ثوب في كل عرس من أهلها، وثوب وثوب كذلك في كل شهر، وفي كل حفلة ثوب جديد، ربما عرف عند بعض المترفين. هذا من الإسراف والتبذير، لا يقر مثله الشرع. فالشرع يقر العرف المعتدل الذي هو عرف غالب الناس، لا ما شد من طوائف شاذة في المجتمع، فلا إفراط ولا تفريط. وهكذا كذلك يقال في مثل هذه المسائل التي قد تقع فيها خصومات. ثم قال رحمه الله تعالى: ولا يجوز منع فضل الماء ليمنع به الكلأ. وهذه مسألة أخرى من مسائل هذا النوع من أنواع الشركات والمشاركات: أنه لا يجوز منع فضل الماء ليمنع به الكلأ. يشير بذلك رحمه الله إلى ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة، كما تقدم الإشارة وسبقت الإشارة إليه: «لا تمنع فضل الماء لتمنع به الكلأ». وفي رواية مسلم: «لا يباع فضل الماء ليباع به الكلأ». وفي لفظ للبخاري: «لا تبيع فضل الماء لتمنع به الكلأ». وفي رواية أخرى عند أحمد: «ولا يمنع فضل الماء بعد أن يستغنى عنه». ومعنى هذه الأحاديث ما سبقت الإشارة إليه: أنه لا يجوز للمسلم أن يمنع فضل الماء عن إخوانه المسلمين. بل حتى عن الدواب، بل حتى عن الكفار. فما تدفع به ضرورة الإنسان والحيوان لا يجوز للمسلم أن يمنع فضل الماء. والفضل ما زاد عن ضرورته، فإذا زاد شيء عن ضرورته وحاجته، فلا يجوز له أن يمنع هذا الزائد من ينتفع به. وأما ما كان ذلك من باب الإحسان، يعني ليس بهم ضرورة ولا شيء، لكن يرى بهم شحًا، فهنا ينبغي يحسن عليهم ويعطيهم مما وسع الله عز وجل عليه. لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. وهذا وللأسف صار كما قال بعض أهل العلم: لا تجده إلا في كتاب، يعني صعب أن تجد مثله في الواقع. لكن لن يعدم المسلمون من أهل خير وإحسان وإن قلوا، فهم بإذن الله موجودون. فلا يجوز الإنسان أن يمنع فضل الماء. هذا في حال الضرورة، وما زاد عن الضرورة، فالإحسان يقضي أن يعطي وأن يتفضل على غيره بما وسع الله عز وجل عليه. وما كان زائدًا عن حاجة الناس مما ينتفعون به في تجارة وغيرها، يجوز للإنسان أن يبيع لهم، يجوز للإنسان أن يبيع لهم. وهذا من المنافع التي يتبادلها الناس. فإذن الفضل هذا ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم يجب فيه الإعطاء، وهو ما تندفع به الضرورة. وقسم يستحب فيه الإعطاء، وهو ما تكون فيه حوائج الناس مما يزيد عن الضرورة. وقسم يكون مباحًا فيه التجارة، وهو ما زاد عن ذلك. والثاني قد يدخل فيه، ولكن الأفضل هو ماذا؟ الإحسان. ثم قال رحمه الله تعالى: وللإمام أن يحمي بعض المواضع لرعي دواب المسلمين في وقت الحاجة. وهذه مسألة أخرى من المسائل التي تدخل في القسم الأول من أقسام أنواع المشاركات، وهي ما يجوز أن يحجز عن الناس مما فيه مصالحهم، مما تكون به لهم فيه مصلحة، أو لبيت مال المسلمين. وذلك كما ذكر رحمه الله: لرعي دواب المسلمين في وقت الحاجة. وهكذا كذلك ما كان بمعناه مما يجعل لكما يقال: أوقات الأزمات والضرورات. وكذلك ما قد يكون لأموال الدولة إذا كان مثلًا لبيت مال المسلمين دواب، كأبل الصدقة ونحوها، فيجوز أن يخص لها مكان، أو كذلك تخص بعض الأماكن للمفاجآت التي قد تبتل بها المجتمعات. وأشار إلى دليل ذلك إلى ما جاء في حديث ابن عمر وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم حمل بقيع للخيل خيل المسلمين. وهكذا كذلك والحديث وإن كان بإسناده ضعف، لكن معناه صحيح بما يأتي من الأحاديث الأخرى. وجاء كذلك في حديث الصعب من جثامة -وأصله في البخاري- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا حِمَى إلا لله ورسوله». وأشار إلى الزيادة التي في البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم حمل بقيع، وأن عمر حمى سرف وربدة. فهذه الروايات مع الآثار الكثيرة المروية عن عمر رضي الله عنه وغيره من الصحابة تدل على مشروعية وجواز هذا الأصل: أن أموال المسلمين العامة وما لهم فيه مشاركة، يجوز أن يقطع منه شيء بما لا يضرهم. لابد من هذا الشرط، لابد من هذا الشرط. فقد ذكر العلماء لهذا شروط، وهي ثلاثة شروط: الشرط الأول: أن يكون بما لا يضر المسلمين، يعني ليس أن يحمي مثلًا الاسم حمى للمسلمين، ثم يبقى المسلمون يتكلفون يعلفون دوابهم بكلفة ومؤنة، يشترون القضب ويشترون كذا. والأرض عندهم موجودة للرعي، يحتجزها من يقوم على الولاية ويقول: هذا حمى للمسلمين، للضرورات الآن. ضرورة، ما دام الناس الآن يتضررون بالشراء، فينتفعون. لكن يقال: يجوز الحمى بشرط أن لا يكون في ذلك إضرار بالمسلمين، يعني يأخذ الزائد أو ما لا يضر على أقل الأحوال. والشرط الثاني: أن يكون لأجل الحمى، يعني لشيء شرعي صحيح، لا لأغراض خاصة، لا لأغراض خاصة. والشرط الثالث: أن لا يذهب سرفًا، وفي المسلمين من يحتاج إليه، يعني ما في فائدة. إنسان يقول مثلًا: هذه القطعة من الأرض ممنوع الرعي فيها، هي لحمى المسلمين. ثم لا ينتفع بها حتى تذهب وتجف، ولا ينتفع بها أحد، فهذا نوع آخر من الإضرار بالمسلمين. وفي هذا إشارة إلى أن أهل الإسلام ينبغي أن يعتنوا بهذه الترتيبات التي يكون بها قضاء مصالح الناس عند وقت الحاجة، عند وقت الحاجة. فينبغي لأهل الإسلام أن يعدوا العدة في إيجاد أماكن لسد حاجات المسلمين عند الأحوال الضرورية. فهو أصل يدل على غيره مما يوجد في عصرنا أو في واقعنا المعاصر من وسائل كثيرة يمكن أن تتخذ لأوقات الضرورة. مثلًا أن يكون هناك أماكن خاصة ترتب من أموال المسلمين، تبنى للضرورات، كأشياء تحت الأرض، أو كذلك بنيان يكون كذلك لحال وقوع الكوارث أو نحو ذلك مما يكون فيه منفعة الناس. لأن هذا الحديث يدل على هذا المعنى. فكل ما كان بمعناه فإنه يلحق به. والشرع لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق كذلك بين مجتمع. طيب نقف عند هذا الحد لانتهاء الوقت، ونترك الباقي إلى درس لاحق. والله تعالى أعلم.