طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 28

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 28

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 28، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

صفات الفقير الصادق

يصف الفقير الصادق بصفات مثل الصدق والعفة والإيثار. يجب على الفقير التحلي بهذه الصفات للتقرب من الله.

وصف جنة الله وفضل يوم المزيد

يصف جنة الله ونعيمها، ويشدد على فضل يوم المزيد الذي يرى فيه المؤمنون ربهم. يجب السعي للفوز بهذا النعيم بالعمل الصالح.

التحذير من الاستدلال بالقدر على المعاصي

يناقش ويحذر من الاستدلال بالقدر على المعاصي لأنه جهل وظلم للنفس ويستوجب عقوبة مزدوجة. القدر سر من أسرار الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، ورحمة الله وبركاته. تنبيه، قبل أن نبدأ بدرس اليوم، قرأنا في درس سابق هذا البيت: ﴿فقر مصبر هما ثوباني تحتهما قلب يرى إلفه الأعياد والجمعة الدهر لمأتم إن غبت يا أملي والعيد ما دمت لي﴾. كنا نشكل علينا الكلمة: «علي»، كلمتين أو كلمة واحدة، والظاهر أنها كلمة واحدة، «والعيد ما دمت لي» مرءًا ومستمعًا، وإن كانت لا تكتب وهكذا. لكن هذا هو. بعد أن رجع البيت في مواضع أخرى، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب «طريق الهجرتين»: «قال: من جالسه قرت عينه به، ومن رآه ذكرته رؤيته بالله، قد حمل كله، ومؤنته عن الناس، واحتمل أذاهم، وكف أذاه عنهم، وبدل لهم نصيحته، وسبل لهم عرضه ونفسه، لا لمعاوضة ولا لذلة وعجز، لا يدخل فيما لا يعنيه، ولا يبخل بما لا ينقصه». هذه هي صفة الفقير الذي صدق في افتقاره لله، وتحققت عبوديته لله عز وجل، واستغناؤه به سبحانه عما سواه، فله صفات، من تلك الصفات هذه الصفات لكونه حرص على أداء حق الله وحق خلق الله: «من جالسه قرت عينه به، ومن رآه ذكرته رؤيته بالله»، وهكذا كل ما ذكر من صفات، وهي ظاهرة، هي من علامات كمال عبوديته لله عز وجل، وأدائه لحق الرب سبحانه وحق الخلق. قال رحمه الله: «وصفة الصدق»، قال: «وصفه الصدق، والعفة، والإيثار، والتواضع، والحلم، والوقار، والاحتمال، لا يتوقع لما يبدله للناس منهم عوضًا، يعني لا ينتظر منهم عوض ولا مدحة، لا يعاتب ولا يخاصم ولا يطالب، ولا يرى له على أحد حقًا، ولا يرى له على أحد فضلا». وهذا من كملت فيه هذه الصفات، من كملت عبوديته لله بكمال افتقاره واستغنائه بالله عما سواه، تكمل عنده هذه الصفات، ولا يلقاها إلا الذين صبروا، ولا يلقاها إلا بحظ عظيم؛ لأن الإنسان يحتاج إلى وقت حتى يرتقي في سلم الإيمان ومنازل العبودية إلى أعلى المنازل حتى يصل إلى مثل هذا الوصف. قال رحمه الله: «مقبل على شأنه، مكرم لإخوانه، بخيل بزمانه، حافظ للسانه، مسافرًا في ليله ونهاره»، أو «مسافر في ليله ونهاره، وغضته ومنامه»، والمراد بالسفر: سفره إلى الله سبحانه وتعالى، فهو بهذا بخيل بزمانه؛ لأنه يرى نفسه في سفر، وسفره هذا منعه نوم الليل وراحة النهار، فإن نام نام ليستيقظ، وإن استيقظ استيقظ ليصل، فحياته كلها سفر. قال رحمه الله: «لا يضع عصا السير عن عاتقه حتى يصل إلى مطلبه»، ومطلبه في الدنيا أن يصل إلى أعلى مراتب العبودية، وفي الآخرة رضى الرب سبحانه وتعالى وفضله. قال: «قد رفع له علم الحب فشمر إليه، وناداه داعي الاشتياق فأقبل بكليته عليه، أجاب منادي المحبة إذا دعاه: حي على الفلاح، وواصل السراء في بيداء الطلب، فحمد عند الوصول مسرورًا». وإنما يحمد القوم السراء عند الصباح، والمعنى: يتعب؛ لأنه يعلم أن هذا التعب له حمد، يحمد نفسه، ويحمده ربه سبحانه وتعالى بما يكون من الثمار الحسنة في الدنيا بحسن الخاتمة والآخرة: الحمد لله بفضل الله سبحانه وتعالى ورضوانه وجنته وواسع رحمته سبحانه وتعالى، نسأل الله من فضله. قال رحمه الله تعالى: «فحي على جنات عدن فإنها منازلك الأولى وفيها المخيم، ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلم؟ وحي على روضاتها أو نسلم، وحي على روضاتها وخيامها، وحي على عيش بها ليس يسأم». وهذا هو وصف الجنة، سبحانه وصف جنة الله سبحانه وتعالى. وأما الإنسان في هذه الدنيا فهو السبيل؛ لأنه يريد أن يرجع إلى منزله، منزله الحقيقي وهو الجنة، منها أخرج آدم وبنوه، ومنها لمن وفق سيرجع، وإنما أخرج منها بسلب العدو، من هو العدو؟ الشيطان هو الذي أخرج آدم وذريته، فهم بهذه الدنيا في سبي ينتظرون الرجوع، ولا يمكن أن يرجع إلا بأن يسلك طريقًا غير طريق العدو. قال رحمه الله تعالى: «وحيَّى على يوم المزيد وموعد المحبين طوبى للذي هو منهم، وحيَّى على وادٍ بها هو أفيحٌ وتربته من أذفر المسك أعظم». ويوم المزيد: يومًا يرون الرب سبحانه وتعالى للذين أحسنوا الحسنى وزيادة، وهو فضله سبحانه وتعالى ورضوانه، وهكذا ما يذكر بهذه الأبيات وبعض صفات جنة الله سبحانه وتعالى العظيمة. قال: «منابر من نور هناك وفضة، ومن خالص العقيان لا يتفصم، يرون به الرحمن جل جلاله كرؤية بدر التم لا يتوهم، أو الشمس صحوًا ليس من دون أفقها وبابٌ ولا غيمٌ هناك يخيم، وبينهم في عيشهم وسرورهم وأرزاقهم تجرى عليهم وتقسم». والمعنى: أنهم يرون الرب جل وعلا عيانًا كما جاء في الحديث: «كما ترون البدر لا تضامون في رؤيته»، أو «الشمس صحوًا»، ليس يعني دونها غمام ولا ضباب ولا شيء. قال رحمه الله: «إذا هم بنورٍ صاطعٍ قد بدى لهم فقيل ارفعوا أبصاركم فإذا هم بربهم من فوقهم، وهو قائلٌ: سلامٌ عليكم، طبتموا وسلمتموا، فيا عجبًا ما عذر من هو مؤمنٌ بهذا ولا يسعى له ولا يقدموا، فبادر إذا ما دام في العمر فسحةٌ وعدلك مقبولٌ وصرفك قيمُ، فما فرحت بالوصل نفسٌ فما فرحت بالوصل نفسٌ مهينةٌ، ولا فاز قلبٌ بالبطالة ينعمُ، فجد وسارع واغتنم ساعة السراء ففي زمن الإمكان يسعى ويغنمُ، وسر مسرعًا فالسيل خلفك مسرعٌ، وهيهات ما منه مفرٌ ومهزمُ، فهن المنايا أي وادٍ نزلته عليها القدوم أو عليك ستقدمُ». وإن تكن قد عاقتك سعداه فقلبك: «المعنى رهينٌ في يدها مسلَّم، فقد ساعدت بالوصل غيرك فالهوى لها منك والواش بها يتنعم، فدعها وسلِّ النفس عنها بجنَّةٍ من الفقر في روضاتها الدر يبسم، ومن تحتها الأنهار تخفق دائماً، وطير الأمان فوقها يترنَّم، وقد ذُلِّلت منها القطوف فمن يُرِد جُناها ينله كيف شاء وينعم، وقد فتحت أبوابها وتزيَّنت لفطَّابها، فالحسن فيها مقسم، أقام على أبوابها داع الهدى فلمُّ إلى دار السعادة تغنم، وقد طاب منها نزلُها ومقيلُها فطوبى لمن حلُّوا بها وتنعم، وقد غرس الرحمن فيها غراسه من الناس والرحمن بالغرس أعلم، فمن كان من غرس الإله فإنه سعيدٌ وإلا فالشقى متحتِّم». فيا مسرعين السير بالله ربكم قفوا بي على تلك الربوع وسلِّموا، وقولوا: «محبٌ قاده الشوق نحوكم قضى نحبه فيكم تعيش وتسلموا، قضى الله رب العالمين قضيةً بأن الهوى يُعمِي القلوب ويُبكم، وحبُّكم أصلُ الهدى ومدارُه عليه وفوزٌ للمحب ومغنمُ، وتفنى عظام الصب بعد مماته وأشواقه وقفٌ عليه محرَّم». فيا أيها القلب الذي ملك الهوى عِنَّته حتام هذا التلوَّم وحتى ما لا تصوم؟ وقد قرب المدى ودقت كؤوس السير والناس نوَّم، بل سوف تصحُحين ينكشف الغطى ويبدُّ لك الأمر الذي كنت تكتمو. ويا موقِدًا ويا موقِدًا نارًا لغيرك ضوءها وحرُّ لضاها بين جنبيك يضرمُ، أهذا جن العلم الذي قد غرسته؟ وهذا الذي قد كنت ترجوه تطعم؟ وهذا هو الحظُّ الذي قد رضيته لنفسك في الدارين لو كنت تفهم، وهذا هو الربحُ الذي قد كسبته لعمرُك لا ربحٌ ولا الأصل يسلم، بخلت بشيءٍ لا يضرُّك بذله وجُدت بشيءٍ مثله لا يقوَّم، وبعت نعيماً لن قضاء له ولا نظير ببخسٍ عن قليلٍ سيُعدم، فهلَّى عكست الأمر إن كنت حازِمًا، ولكن أضعت الحزم لو كنت تعلم، وتهدم ما تبني بكفِّك جاهداً فأنت مدى الأيام تبني وتهدم، وعند مراد الحق تفنى كميِّت، وعند مراد النفس تزدي وتلحم، وعند خلاف الأمر تحتج بالقضاء ظهيرٍ على الرحمن للجبر يزعمُّ، يُنزِّه تلك النفس عن سوء فعلها، وتعتب أقدار الإله وتظلمُّه، وتزعمُّ مع هذا بأنك عارفٌ، كذبت يقيناً ﴿فِي الَّذِي أَنْتَ تَزْعُمُّ وَمَا أَنْتَ إِلَّا جَاهِلٌّ ثُمَّ ظَالِمٌّ وَإِنَّكَ بَيْنَ الْجَاهِلِينَ مُقَدَّمُّ إِذَا كَانَ هَذَا نُصْحَ عَبْدٍ لِنَفْسِهِ فَمَن ذَا الَّذِي مِنْهُ الْهُدَى يُتَعَلَّمُّ﴾. وفي مثل هذه الحال قد قال من مضى وأحسن فيما قاله المتكلمُّ، فإن كنت لا تدري فتلك مصيبةٌ، وإن كنت تدري فالمصيبة أعظمُّ. هذه الأبيات ذكر فيها كما نرى بعض صفة الجنة وحال أهلها، ثم ذكر بعض العوائق التي تعيق هذا الإنسان عن الوصول إلى جنة الله عز وجل، ومن أعظمها الغفلة والانشغال بالشهوات والأهواء وتغيان الهوى على النفس بالتسويف والأمان، فإذا كان كذلك فلا تسأل عن الأغشية والأغطية التي تغطي على الإنسان البصيرة الصحيحة التي تعينه إلى إصلاح نفسه وإصلاح خاتمته وآخرته. ثم ذكر رحمه الله تعالى حال هؤلاء من ابتلوا بهذه الغفلة أنه يصحو حين لا ينفع الصحو، وأنه ينكشف له الغطاء حين لا ينفع الندم، وذكر كذلك رحمه الله أن من الناس من يوقظ نارًا لغيره وضوءها وحرها ولظاها بين جنبيه يضرمون، يعني حال من يضيء بالعلم لغيره فيحرق نفسه كالشمعة، وهذا حال صنف من الناس أعطاه الله عز وجل علمًا ولم يعمل به. وهكذا ذكر أصناف أخرى ممن حرموا التوفيق في سيرهم إلى الله سبحانه وتعالى وسفرهم، ومن ذلك من تعلق بالقدر، وكذلك من ظلم نفسه بالتجاهل والإعراض عن التسليم لله عز وجل في شرعه وقضائه وقدره. ثم ذكر ما وقفنا عليه في قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا جَاهِلٌّ ثُمَّ ظَالِمٌّ وَإِنَّكَ بَيْنَ الْجَاهِلِينَ مُقَدَّمُّ﴾، وهذا حال المستدلين بالقدر على المعاصي، وهذا من الظلم والجهل؛ لأنه جهل أولاً حقيقة الشرع، وظلم نفسه لأنه كان بمكيالين، فكما أنه لا يرضى لنفسه الاستدلال بالقدر، كذلك لا ينبغي أن يرضى في شرع الله عز وجل الاستدلال بالقدر، فلا يجوز الاستدلال بالقدر على المعايب. ثم قال: «وفي مثل هذا الحال قد قال من مضى وأحسن في مقال المتكلم»، يعني قوله: «فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة»، وهذا حال الجاهل فيمن يخوض بالقدر، «وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم»، وهذا حال المجادل في الاستدلال بالقدر؛ لأن الذين استدلوا بالقدر على المعايب هم صنفين: صنف منهم جاهل مقلد، وهذه مصيبة؛ لأنه أخذ دينه الباطل المنحرف بالجهل والتقليد، وآخر يدري أنه على خطأ ولكنه بسبب الهوى صار يجادل ويستدل بالباطل على ما يعلم في قلبه أنه باطل، وهذا هو قول: «وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم»؛ لأنه مماري ومجادل بالباطل. وضرب ابن القيم رحمه الله مثلاً بهذا في رجل استدل بالقدر على ما هو عليه من الباطل والمعاصي، فلما نصحه الناصح قال: «إنما فعلت ذلك بقدر الله»، فأخذ يده فلطمه، قال: «لما لطمتني؟» قال: «إنما هو بقدر الله»، فقال: «كذبت وإنما فعلت ذلك أنت»، فقال: «وكذلك كذبت إنما فعل ذلك أنت»، يعني لا تستدل بالقدر، وأنت تعلم أنه لا حجة لك في القدر، والقدر سر الله سبحانه وتعالى. ويضرب العلماء في توضيح القدر وأمره العظيم بمثل: ولله المثل الأعلى، قالوا: كرجل له أبناء وعلم بما خبر من أبنائه، أو آخر له عمال وعلم بما خبر من عماله، من سيحسن ومن سيسيء في اختبار يختبرهم به، فإذا اختبرهم فأحسن محسنهم وأساء مسيئهم، فعلم المختبر بما كان من جواب المختبر قبل اختبارهم، فاستدل المسيء على إساءته بخبر المخبر المختبر بما كان منه من خبره، وقوله: «أن فلانًا سيسيء»، فهل يصح؟ فإن كان لا يصح فإنه كذلك ها هنا، لا يصح، لله المثل الأعلى. فالأول يستحق العقوبة مرتين: المرة الأولى على إساءته، والمرة الثانية على استدلاله بما لا يصح الاستدلال به؛ لأنه يعد من المجادلة بالباطل. وكذلك من استدل بالقدر على معاصيه وعلى معايبه فإنه يستحق العقوبة مرتين: المرة الأولى لأجل معصيته، والمرة الثانية لأجل مجادلته بما لا يصح المجادل به، والقدر سر الله سبحانه وتعالى. إلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد، آله وصحبه وسلم. نترك هذا أظهر في العشاء إن شاء الله.