الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 84، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ ابن بريك معنى الحمد وعلاقته بمحاسن المحمود، موضحًا أنه لا يكون إلا لما هو موجود ويتضمن الثناء على الله بكماله. يُبين أن الحمد يكون على المحاسن الظاهرة في مخلوقات الله.
يشرح المقطع معنى امتلاء السماوات والأرض بحمد الله، ويبين أن الامتلاء يكون بحسب المالء والمملوء وقد يكون معنويًا. يُرفض التفسير التمثيلي للامتلاء ويُؤكد أن اللغة تسمح بالامتلاء المعنوي.
يتناول المقطع شرح صفات الله تعالى وأفعاله، موضحًا أنها كلها كمال وحكمة. يُبين معنى الحديث "ملأ ما شئت من شيء بعد" وأنه يتناول أسباب محمده في ذاته وصفاته وأفعاله ومخلوقاته.
يُظهر الفرق بين أهل السنة والجبرية في التعامل مع القدر، حيث يحمد أهل السنة الله على كل ما قدره لعلمهم بوجود حكمة، بينما ينفون الجبرية الحكمة والأسباب.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: «وأيضًا فالحمد هو الإخبار بمحاسن المحمود على وجه الحب له، ومحاسن المحمود تعالى إما قائمة بذاته وإما ظاهرة في مخلوقاته. فأما المعدوم المحظور الذي لم يخلق ولا خلق قط، فذلك ليس فيه محاسن ولا غيرها، فلا محامد فيه البتة. فالحمد لله الذي يملأ المخلوقات ما وجد منها وما يوجد، هو حمد يتضمن الثناء عليه بكماله القائم بذاته والمحاسن الظاهرة في مخلوقاته. وأما ما لا وجود له فلا محامد فيه ولا مذام». جعل الحمد مالئًا لما لا حقيقة له، أورد رحمه الله تعالى هذه الفقرة تبعًا لما مضى. وقد مر معنا رحمه الله أنه ذكر في تفسيره وشرحه لحديث دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في الحمد والثناء على الله في قوله: «ربنا ولك الحمد ملأ السماوات وملأ الأرض وملأ ما بينهما وملأ ما شئت من شيء بعد». ومر معنا رحمه الله أنه ذكر قولين اثنين في معنى «ما شئت من شيء بعد»، فإما أن يكون المقدر لشيء موجود لا يعلم قدره إلا الله سبحانه وتعالى مما شاءه وعلمه ولم نعلمه وهو موجود، وإما أن يكون لما يأتي بعد الوجود مما لا وجود له. وقد مر معنا أنه ذكر أوجه ترجيح القولين، ورجح رحمه الله أنه في الموجود. وهذا الموضع كذلك ترجيح آخر لمعنى أن الحمد في قوله «وما شئت من شيء بعد» أنه في الموجود لا في المعدوم، وذلك أن الحمد هو الإخبار بمحاسن محبوب، والله جل وعلا يحمد لكماله بذاته ولعظيم إحسانه بخلقه. وكماله سبحانه وتعالى في ذاته وأسباب حمده في مخلوقاته لا تعد ولا تحصى، ولا تكون محامدة حتى تكون موجودة، كما أشار رحمه الله هنا. والمعنى أنه إذا كان التقدير لشيء غير موجود فمعنى المحامد لا تظهر فيه. وهذا هو قوله رحمه الله: «وأما ما لا وجود له فلا محامد فيه ولا مذام». فجعل الحمد مالئًا له يعني بقوله في الدعاء «ملأ ما شئت من شيء بعد»، قال: «فجعل الحمد مالئًا له جعله مالئًا لما لا حقيقة له». إذن هذا ترجيح آخر في هذا المعنى. قال رحمه الله: «وقد اختلف الناس في معنى كون حمده يملأ السماوات والأرض وما بينهما. فقال طائفة: هذا على وجه التمثيل، أي لو كان أجسامًا لملأ السماوات والأرض وما بينهما. قالوا: فإن الحمد من قبيل المعاني والأعراض التي لا تملأ بها الأجسام، ولا تملأ الأجسام إلا بالأجسام». والصواب أنه لا يحتاج إلى هذا التكلف البارد، فإن ملأ كل شيء يكون بحسب المالء والمملوء. فإذا قيل: امتلأ الإناء ماء، وامتلأت الجفنة طعامًا، فهذا الامتلاء نوع، يعني نوعًا من الامتلاء الحسي. وإذا قيل: امتلأت دار رجال، وامتلأت المدينة خيلًا ورجالًا، فهذا نوع آخر، وهذا حسي ومعنوي. فامتلأت الدار رجالًا قد يكون المراد رجالًا حقيقيين فيهم معنى جنس الرجولة. وأما إذا أضيف إليه المعنى المعنوي، أي رجالًا فيهم ماذا معنى الرجولة مع جنس ماذا الرجولة، فيكون فيه حسي ومعنوي. قال: فهذا نوع آخر، وإذا قيل: امتلأ الكتاب سطورًا، فهذا نوع آخر. كذلك امتلاء الكتاب بالسطور، فهذا نوع آخر، إذ السطور حسية. وإذا قيل: امتلأ مسامع الناس حمدًا أو ذمًا له، فهذا نوع آخر، وهذا ماذا؟ هذا معنوي. امتلاء مسامع الناس بالحمد أو الذم هذا معنى ماذا؟ إذن الامتلاء بحسب المذكور، ويعرف بسياقه وسباقه. قال رحمه الله: «ما بأثر معروف: أهل الجنة من امتلأت مسامعه من ثناء الناس عليه، وأهل النار من امتلأت مسامعه من ذم الناس له». وهذا الأثر كما أشار بالتعليق إسناده صحيح، كما أشار البوصيري وغيره. قال: وقال عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود: «كنيف ملئ علمًا». ويقال: فلان علمه قد ملأ الدنيا. وكان يقال: ملأ ابن أبي الدنيا علمًا. ويقال: صيف فلان قد ملأ الدنيا فطبق الآفاق، وحبه قد ملأ القلوب، وبغض فلان قد ملأ القلوب، وامتلأ قلبه رعبًا. وهذا أكثر من أن تستوعب شواهده، وهو حقيقة في بابه، أي أن الامتلاء قد يكون امتلاءً ماذا؟ معنويًا لا حسيًا، فهو بحسب السياق والسباق وما أريد في ذلكم المعنى. قال: وجعل الملأ والامتلاء حقيقة للأجسام خاصة، حقيقة للأجسام خاصة تحكم باطل ودعوى لا دليل عليها البتة. والأصل الحقيقة الواحدة والاشتراك المعنوي هو الغالب على اللغة والأفهام والاستعمال، فالمصير إليه أولى من المجاز والاشتراك اللفظي. وليس هذا موضع تقرير هذه المسألة، إذ المقصود أن الرب تعالى أسماؤه كلها حسنى، ليس فيها اسم سوء، وأوصافه كلها كمال، ليس فيها صفة نقص، وأفعاله كلها حكمة، ليس فيها فعل خال عن الحكمة والمصلحة، وله المثل الأعلى في السماوات والأرض، وهو العزيز الحكيم، موصوف بصفات الكمال، مذكور بنعوت الجلال، منزه عن الشبيه والمثال، ومنزه عن ضد صفات كماله. فمنزه عن الموت المضاد للحياة، وعن السنة والنوم والسهو والغفلة المضاد للقيومية، وموصوف بالعلم منزه عن أضادها كلها من النسيان والدهو والذهول، وعجز بشيء عن علمه. موصوف بالقدرة التامة منزه عن ضدها من العجز واللغو والعياء، موصوف بالعدل منزه عن الظلم، موصوف بالحكمة منزه عن العبث والسفه، موصوف بالسمع والبصر منزه عن أضادهما من الصمم والبكم، موصوف بالعلو والفوقية منزه عن ضد ذلك، موصوف بالغنى التام منزه عما يضاده بوجه من الوجوه، ومستحق للحمد كله. فيستحيل أن يكون غير محمود كما يستحيل أن يكون غير قادر ولا خالق ولا حي. بل الحمد كله واجب له لذاته، فلا يكون إلا محمودًا كما لا يكون إلا إلهًا وربًا وقادرًا. فخلاصة ما أورده رحمه الله تعالى أن معنى الحديث «ملأ ما شئت من شيء بعد» يتناول أسباب المحمد في ذات الله عز وجل في صفاته وأسمائه وذاته، وهكذا كذلك في أفعاله وأثره في مخلوقاته. ومحمد ذلك لا تعد ولا تحصى سبحانه وتعالى، وهي في الموجودات لا المعدومات أو غير الموجودات. ثم كذلك أن الحمد يتناول معاني الحمد الحسية ومعاني الحمد المعنوية، وهي كثيرة تتناول الإثبات التي تقتضي نفي الضد، كما ذكر رحمه الله في الصفات التي مرت معنا. فأسباب محمده كثيرة لا تعد ولا تحصى، وهو يحمد على ذلك كله جل وعلا، كما أنه يحمد في مخلوقاته فيما خلقه من خير أو شر، لأن ما خلق من خير فهو فضل، وما خلق مما هو ليس كذلك فهو عدل. وأنه لا يحمده الحمد التام الكامل، وهذا هو المقصود من إيراد هذا المبحث إلا أهل السنة والجماعة. وأما من خالفهم وخصوصًا في باب القدر كما مر معنا قبل فصول وفقرات، فهم وإن ذكروا الحمد باللسان، لكنهم فيما يعتقدونه بالجنان وما يصدرونه بجوارحهم والأركان، فإنهم يكذبون ذلك. فالقدرية النفاة ينفون ذلك عن الله عز وجل، فحمدهم لله حمد ناقص. والقدرية الجبرية كذلك حمدهم لله حمد ناقص. وما وجه نقص حمد القدرية النفاة؟ وجهه نعم، لأنهم يقصرونه في الخير ولا يجعلونه في الشر. وأما أهل السنة فيحمدون الله فيما قدره وفيما خلقه في كونه من خير أو شر، لعلمهم أن كل ذلك لحكمة من الله سبحانه وتعالى، وأنه ليس هناك شر محض في مخلوقات الله جل وعلا. والجبرية عندك نعم، لنفيهم الحكمة والأسباب، وهذا كذلك مناف لحمد الله. إلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.