الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 83، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يفسر المقطع معنى الحمد ملء السماوات والأرض بتفسيرين لعبارة 'ملأ ما خلقته وملأ ما تخلقه بعد ذلك'. يُرجح التفسير الأول الذي يفيد الحمد الكثير العظيم.
يتم الجمع بين القولين بتفسير الحمد على اعتبارين: عدم العلم بوجود الشيء المقدر، وباعتبار وجوده غير المعلوم. يُفسر الحمد بأنه يملأ ما هو موجود وما سيخلقه الله.
يفسر المقطع معنى الحمد المطلق ويبين عظمته التي لا يمكن تقديرها إلا من قبل الله سبحانه وتعالى، ويرد على القدرية النفاة والجبرية.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: والمعنى «لك الحمد ملأ ما خلقته، وملأ ما تخلقه بعد ذلك»؛ يعني حمدًا كثيرًا عظيمًا ملأ الموجود من المخلوقات على كثرتها، وغير الموجود مما لا يعلمه إلا الله، مما ستخلقه يا ربنا العظيم. قال الثاني: أن يكون المعنى «ملأ ما شئت من شيء يملأه حمدك»، أي: يقدر مملؤًا بحمدك، وإن لم يكن موجودًا. والمعنى شيئًا لا نستطيع حصره، لا يعلم عظمه وحصره إلا أنت، الذي لا يسع مخلوقاتك إلا أنت؛ يعني علم مقدار ذلك. كأنه يقول: نحمدك حمدًا كثيرًا عظيمًا ملأ ما لا نعلمه وتعلمه من مخلوقاتك العظيمة. قال: لكن قد يقال: المعنى الأول أقوى؛ لأن قوله «ما شئت من شيء بعد» يقتضي أن شيء يشاؤه، وما شاء كان؛ لأن قوله «بعد» يقتضي شيء موجود، وشيء سيأتي بعد هذا الموجود. ولهذا كان المعنى الأول أقرب -كما ذكر رحمه الله- من المعنى الثاني. قال: لأن قوله «ما شئت من شيء بعد» يقتضي أنه شيء يشاؤه، وما شاء كان؛ فالمشيئة متعلقة بعينه، لا بمجرد ملء الحمد له، فتأمل. لكنه إذا شاء كونه، فله الحمد ملءه؛ فالمشيئة راجعة إلى المملؤ بالحمد، فلابد أن يكون شيئًا موجودًا يملأه حمده. وهذا ترجيح أنه لا يعني أن الاحتمال الثاني بعيد وغير متصور، بل هو متصور؛ لأن الحمد لما يمكن الملء به، وهذا يقتضي شيئًا موجودًا -كما ذكر رحمه الله-. والجمع بين القولين أن يقال: أن المقدر الموجود لا يعلم؛ فباعتبار عدم علمه فهو لم يكن شيء بعد، فهو يدخل في الذي سيأتي أو الذي يمكن أن يلحق بالموجود. وباعتبار أنه موجود، ولكنه غير معلوم، يكون ملءه بشيء موجود؛ فكل المعنيين يصح بهذا أو بهذين التقديرين، والله أعلم. قال رحمه الله أيضًا: فإن قوله «من شيء بعد» يقتضي أنه شيء يشاءه سبحانه بعد هذه المخلوقات، كما يخلقه بعد ذلك من مخلوقاته من القيامة وما بعدها. ولو أريد تقدير خلقه لقيل: «وملء ما شئت من شيء مع ذلك»؛ لأن المقدر يكون مع المحقق. وأيضًا، فإنه لم يقل: «ملء ما شئت أن يملأه الحمد»، بل قال: «ما شئت». والعبد قد حمد حمدًا أخبر به، وأنشأه، ووصفه بأنه يملأ ما خلقه الرب، وما يشاءه بعد ذلك. وأيضًا، فقوله: «وملء ما شئت من شيء بعد» يقتضي إثبات مشيئة تتعلق بشيء بعد ذلك. وعلى الوجه الثاني قد تتعلق المشيئة بملء المقدر، وقد لا تتعلق. وأيضًا، فإذا قيل: «ما شئت من شيء بعد ذلك»، كان الحمد مارئًا لما هو موجود يشاءه الرب دائمًا، ولا ريب أن له الحمد دائمًا في الأولى والآخرة. وأما إذا قدر ما يملأه الحمد، وهو غير موجود؛ فالمقدرات لا حد لها، وما من شيء منها إلا يمكن تقدير شيء بعده، وتقدير ما لا نهاية له كتقدير الأعداد. ولو أريد هذا المعنى لم يحتجل تعليقه بالمشيئة، بل قيل: «ملء ما لا يتناهى». فأما ما شاءه الرب تعالى فلا يكون إلا موجودًا مقدرًا، وإن كان لا آخر لنوع الحوادث، وبقاء ما يبقى منها؛ فهذا كله مما يشاؤه بعد. وهذا ترجيحًا منه -رحمه الله- أن أقرب الأولين أنه في شيء موجود، ولكن هذا الموجود لا يعلم عظمه، لا يعلم عظمه وقدره إلا الله. ولهذا قيل: «ما شئت من شيء بعد»، «ما شئت من شيء بعد». وهذا كما سمعنا، وكذلك أشار إليه: هو الأقرب. والمعنى يحتمل الأمرين جميعًا بالتقدير والتفسير الذي سبقت الإشارة إليه؛ فيكون لا معارضة بين المعنى. والخلاصة: أن المقصود أن هذا الحمد حمد عظيم يملأ ما نراه من المخلوقات العظيمة التي لا نهاية في سعتها بضعفنا وعجزنا، وكذلك ما هو أعظم منها مما لا نعلمه وعلمته وشئته في مخلوقاتك العظيمة الواسعة؛ فهو حمد عظيم كبير كثير، لا يحصيه إلا الله سبحانه وتعالى. فهو من أحسن الفاضي وصيغي الحمد التي يحمد بها الرب سبحانه وتعالى. ولهذا كان يدعو بهذا الدعاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والشاهد -كما تقدم من إيرادي معنى الحمد- وهذا الأصل الثالث: ما هو الشاهد؟ عند من السؤال: جواب عندك: لماذا أورد الحمد هنا؟ نحن نتكلم على القضاء والقدر. عند من يريد الرد على القدرية النفاة والقدرية الجبرية؛ لأن حمد القدرية النفاة والقدرية الجبرية حمد ناقص -كما سبق-، تقدمت الإشارة إليه في الدرس الماضي. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.