طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 85

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 85

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 85، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في معنى الحمد لله

يبدأ الشرح ببيان معنى قولنا الحمد كله لله وأنه يعود إلى الله تعالى في كل شيء وبكل ما يحمد به المحمود. يُبين أن حمد رسل الله وأنبيائه وأتباعه يعود في الحقيقة لله عز وجل.

تفصيل معنى الحمد لله وإثبات اختصاصه بالله تعالى

يشرح المقطع معنى الحمد لله وأنه مختص بالله أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا. يُبين أن الله هو المستحق لكل حمد تام وكامل، وأن حمد المخلوقين يدخل في حمد الله لأن الله هو الذي خلق فيهم المحامد ويسرها.

إثبات عموم الحمد وكماله لله وحده

يشرح معنى "لك الحمد كله" بأنه إثبات عموم الحمد وكماله لله وحده. يُبين أن الحمد التام الكامل هو لله عز وجل، بينما حمد المخلوقين يكون ناقصًا، مع الإشارة إلى اعتقاد أهل السنة والجماعة في هذا الشأن.

خاتمة الدرس والدعاء

يشير إلى انتهاء الحديث حول موضوع معين مع الدعاء بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويُظهر التسليم بقول "الله تعالى أعلم". يُنهي الكلام بالصلاة على النبي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قال رحمه الله: «فإذا قيل: الحمد كله لله، فهذا له معنَيان، أحدهما: أنه محمود على كل شيء، وبكل ما يحمد به المحمود الحمد التام، وإن كان بعض خلقه يحمد أيضًا، كما تحمد رسله وأنبياؤه وأتباعهم، فذلك من حمده تبارك وتعالى؛ لأن حمد هؤلاء حمد لمن أرسلهم، فتعود هذه المحامد لله عز وجل، فهو كله من محامد الله. فمثلًا -وهذا في حقه- الأشياء الشرعية والكونية، فأنت حين تحمد الله أن يسر لك مثلًا نبيًا أرسل إليك، وحمدت هذا النبي أن أدى إليك ما بعث به، فالحمد يعود لمن؟ لله عز وجل. وهكذا في الأمور الكونية، أنت تحمد الله على نعمه عمومًا، ثم تشكره أن يسر لك الماء البارد والظل وغير ذلك من النعم الأخرى التي تتنعم وتعيش برفاهية وراحة بها، فتعود هذه المحامد كلها أيضًا لمن؟ لمن خلقها ويسرها ووفقك للوصول إليها، فالمحامد كلها تعود لله عز وجل، فأنت تحمد الله على كل شيء، وكل ما حولك يدلك على محامد الله سبحانه وتعالى». قال رحمه الله تعالى: «فذلك من حمده تبارك وتعالى، بل هو المحمود بالقصد الأول وبالذات، وما نالوه من الحمد فإنما نالوه بحمده، فهو المحمود أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا». ومثله لو أدى وأزاد لك إنسان شيئًا فأنت تشكره، وشكره يتضمن ماذا؟ شكر الله سبحانه وتعالى الذي يسر لك من يفرج عنك ما أنت فيه، فالشكر يعود لمن كان خالقًا ومسبِّبًا وبيده كل شيء، وهو الله سبحانه وتعالى، فالمحامد ترجع إلى الله أولًا وآخرًا. قال رحمه الله: «وما نالوه من الحمد فإنما نالوه بحمده، فهو المحمود أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا». وهذا كما أنه بكل شيء عليم، وقد علم غيره من علمه ما لم يكن يعلمه بدون تعليمه، فكذلك فهو سبحانه وتعالى يحمد على كل شيء، فلهذا نقول: «الحمد لله رب العالمين حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه». قال رحمه الله: وفي الدعاء المعثور: «اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أسألك من الخير كله، وأعوذ بك من الشر كله». والحديث -كما جاء في التعليق- فيه ضعف، لكن معناه صحيح، بعض ألفاظه صحت به السنة. فالحمد كله لله، كما أن الملك كله لله، والخير كله بيد الله. قاله سبحانه: ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾، وقد آتى من ملكه بعض خلقه، وله الحمد، وقد آتى غيره من الحمد ما شاء. وكما أن ملك المخلوق داخل في ملكه، فحمده أيضًا داخل في حمده، فما آتى المخلوق شيئًا إلا وكان ذلك يعود فضله لله سبحانه وتعالى، فملك المخلوق من ملك الله، وحمد المخلوق وما في المخلوق من محامد، فكلها محامد لله الذي خلق هذه المخلوقات. قال رحمه الله تعالى: «وكما أن ملك المخلوق داخل في ملكه، فحمده أيضًا داخل في حمده، فما من محمود يحمد على شيء ما دق أو جل إلا والله المحمود عليه بالذات والأولية والأولوية أيضًا». فالحمد يعود لمن خلق هذه المخلوقات وجعل فيها هذه المحامد، فالمحامد ترجع لمن خلقها ويسرها وجعلها على الوجه الذي ينتفع بها. قال: «وإذا قال الحامد: اللهم لك الحمد، فالمراد به: أنت المستحق لكل حمد، ليس المراد به الحمد الخارجي فقط». والمعنى: الحمد يعود إلى الله أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا، فكل المحامد لله سبحانه وتعالى، ومراده بالحمد الخارجي -يعني الظاهر- فكله حقيقته حمد لله عز وجل، سواء في الأمور الشرعية أو في الأمور الكونية. قال رحمه الله: «المعنى الثاني: أن يقال: لك الحمد كله، أي الحمد التام الكامل، فهذا مختص بالله عز وجل، ليس لغيره شركة؛ لأن غيره ولو حمد فلا يحمد الحمد التام». كما أنه يوصف غير الله من المخلوقين بصفات، فهي صفات تليق بهذا المخلوق نقصًا، وكذلك وصفًا. فأنت تصف أعلم من في الأرض بالعلم، ولا يزال هذا الموصوف بالعلم ناقصًا، وتصف أجمل ما في الأرض بالجمال، ولا يزال هذا الجمال ناقصًا، فالجمال التام والعلم التام هو لمن؟ لله عز وجل، فكذلك الحمد، والحمد التام الكامل لله. إذن معنى «لك الحمد كله» أي مرجع الحمد كله، كما جاء في المعنى الأول، فالحمد كله لله أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا. وكذلك «لك الحمد كله» أي الحمد التام الكامل. فإذا وصف مخلوق بشيء من معاني الحمد فهو قاصر ناقص يليق بذاك النقص والقصور في وصف ذاك المخلوق. قال رحمه الله: «والتحقيق أن له الحمد المعنَيَين جميعًا، فله عموم الحمد وكماله، وهذا من فضائصه سبحانه، فهو المحمود على كل حال وعلى كل شيء، أكمل حمد وأعظمه، كما أن له الملك التام العام، فلا يملك كل شيء إلا هو، وليس الملك التام الكامل إلا له». وأتباع الرسل صلوات الله وسلامه عليهم يثبتون له كمال الملك وكمال الحمد، فإنهم يقولون: «إنه خالق كل شيء وربه ومليكه، لا يخرج عن خلقه وقدرته ومشيئته شيء البتة، فله الملك كله». وهذا من كمال ربوبيته والألوهية سبحانه وتعالى، كمال معاني الربوبية والألوهية تقتضي أن يوصف بأكمل الصفات وأتمها، فكما يقال ذلك في خلقه وفي علمه وفي ملكه، فكذلك يقال في حمده سبحانه وتعالى، فيحمده على كل ما خلق سبحانه وتعالى، وعلى كل حال، وعلى كل شيء، خير الأمور وشرها، حتى الشر. وهذا هو وجه مخالفة أهل السنة والجماعة مع القدرية النفاة والقدرية الجبرية، كما سيأتي معنا إن شاء الله تعالى. القدرية النفاة المجوسية الذين شابهوا المجوس في وجود خالق للخير وخالق للشر، والقدرية الجبرية كذلك، كلهم على ضلال في هذا المعنى، فلم يثبتوا لله حمدًا كاملًا تامًا. أما أهل السنة والجماعة فيثبتون لله حمدًا كاملًا تامًا بألسنتهم وقلوبهم، وهكذا كذلك بسائر ما يعتقدونه ويفعلونه في حياتهم، بخلاف المجوسية من القدرية والجبرية، وسيأتي معنا ذلك إن شاء الله في الدرس اللاحق. إلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.