الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 146، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ أن الطريق إلى الله واحد وهو صراطه المستقيم، وأن الناس إما أن يعرفوا هذا الطريق ويتبعوه أو يجهلوه أو يعرضوا عنه. يشير إلى أن الله أقام الحج على خلقه بإرسال رسله وإنزال كتبه.
يفصل المقطع بين طريق الحق الواحد المستقيم وسبل الشيطان المتعددة المنحرفة، ويبين أن الإنسان إما أن يسلك طريق الحق أو الباطل مستندًا إلى الأحاديث والآيات. يشير إلى أن من لم يتبع طريق الله فهو على طريق الشيطان.
يشرح أن الظلمات متعددة ومصدرها الحجب، بينما النور مصدره الله تعالى، ويوضح أن الظلمات تضاف إلى الله إضافة مخلوق وليس من صفاته. يتطرق إلى تفوق الناس في الظلمات بحسب تعمقهم فيها.
يتحدث عن تعمق الإنسان في الظلمات حتى يصل إلى النفاق، وهو أسفل دركات النار، ويتفاوت الناس في هذه الظلمات بحسب تعمقهم فيها.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام بن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: «قاعدة شريفة: الطريق إلى الله واحد». قال: «الناس قسمان: علية وسفلة، فالعلية من عرف الطريق إلى ربه وسلكها قاصدًا للوصول إليه، وهذا هو الكريم على ربه. والسفلة من لم يعرف الطريق إلى ربه ولم يتعرفها، فهذا هو اللئيم الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾، ووصفه باللؤم والمهانة؛ لأنه قد أعطي أسباب الكرامة، ولكنه أعرض عنها. الله عز وجل أقام الحج على خلقه بإرسال رسله وإنزال كتبه، وقيام حججه وآياته في كتابه وكلام رسله، حججه الشرعية والكونية، فمن بعد ذلك يصر على الإعراض، فهو الذي يستحق هذا الوصف، كما قال الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾، أي: أعطاهم الحجج الكافية التي تعينهم على الهداية، فأبوا ذلك، كما قال سبحانه: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ﴾. الله عز وجل أعطاهم أسباب الهداية، ولكنهم رفضوها وأعرضوا عنها، وأحبوا العمى عن طريق الهدى، ومن كان كذلك استحق الإهانة، «وجعل الذل والصغار على من خالف أمري»، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «والطريق إلى الله في الحقيقة واحد لا تعدد فيه، وهو صراطه المستقيم الذي نصبه موصلاً لمن سلكه إليه». قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾. والصراط هو الطريق الواسع الذي يتسع لكل من يسير فيه، يسترط أن يبتلع من سعته كل من يسير فيه، فطريق الله واسع، ولهذا سمي صراطًا ولم يسمى طريقًا، تأكيدًا على سعته ووضوحه. وكذلك هو مستقيم، ليس فيه عوج، واضح حسًا ومعنًى، فهو واسع حسًا ومعنًى، ومستقيم حسًا ومعنًى. قال: «فوحد سبيله؛ لأنه في نفسه واحد لا تعدد فيه، وجمع السبل المخالفة؛ لأنها كثيرة متعددة». كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خط خطًا، ثم قال: «هذا سبيل الله»، ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن يساره، ثم قال: «هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه»، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾. وهذا الحديث واضح، حديث المسعود وأنس وغيره، كما أشار في التعليق، وهو يدل على تأكيد المعنى المتقدم من أن طريق الحق واسع واضح بين مستقيم، وطرق الشيطان صغيرة متعوجة منحرفة وكثيرة، كافية بإضلال من لم يأخذ بذاك الصراط المستقيم. هما أمران لا ثالثة لهما: إما أن تأخذ بالحق، أو أنت آخذ بالباطل، فمن لم يأخذ بالحق فهو آخذ بالباطل ولا محالة، من لم يأخذ طريق الله فهو آخذ طريق الشيطان لا محالة، من لم يطع الله أطاع الشيطان لا محالة. فانظر أين أنت يا أيها الإنسان، إن لم توحد الله فقد أشركت وكفرت به وآمنت بغيره. وهكذا قل في كل خصلة من خصال الدين، عظيمة كبيرة أو صغيرة. كذلك كل إنسان لا بد له من أحد هذين الأمرين. قال: «ومن هذا قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾، فوحد النور الذي هو سبيله، وجمع الظلمات التي هي سبل الشيطان، فهما أمران لا ثالث لهما: إما أن تأخذ بالنور، أو تأخذ بالظلمات. ومن خرج عن النور لا بد أن يأخذ بالظلمات؛ لأنه لن يقع في ظلمة واحدة، بل ظلمات بعضها فوق بعض: ظلمة الجهل المنافية للعلم، وظلمة الشرك المنافية للتوحيد، وظلمة الكفر المنافية للإيمان، وظلمة النفاق المنافية للإخلاص، وظلمة البدعة المنافية للسنة، بل بدع وخرافات منافية للتوحيد والسلامة وصحة العقيدة، وهكذا ظلمة المعاصي المنافية للتقوى والطاعة». قال: «ومن فهم هذا فهم السر في إفراد النور، ويجمع الظلمات في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾، فالنور واحد والظلمات كثيرة». والظلمات كثيرة، قال: «مع أن فيه سرًا ألطف من هذا، يعرف من عرف منبع النور كله، ومن أين فاض، وعن ماذا حصل، وأن أصله كله واحد. وأما الظلمات فهي متعددة بتعدد الحجب المقتضية لها، وهي كثيرة جدًا، لكل حجاب ظلمة خاصة، ولا ترجع الظلمات إلى النور الهادي جل جلاله أصلاً، لا وصفًا ولا ذاتًا ولا اسمًا ولا فعلاً. فالنور مرده إلى الله، نور السماوات والأرض، وهو مصدر كل نور. والظلمات مصدرها الظلمات التي لا يحصيها إلا الله، فهي كثيرة، ولهذا فالشياطين كثر، كما قال الله عز وجل: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ﴾، ليس الشيطان واحدًا، بل شياطين كثيرة يضلون هذا الإنسان بأنواع الظلمات وأنواع الوساوس، وكذلك المفسدات». قال رحمه الله تعالى: «وإنما ترجع إلى مفعولاته سبحانه، وجاعل الظلمات ومفعولاته متعددة متكثرة بخلاف النور». فالظلمات تضاف إلى الله إضافة مخلوق، فهي من مخلوقات الله ومفعولاته، وليس من صفاته سبحانه وتعالى. قال: «فإنه يرجع إلى اسمه وصفته جل جلاله، أي النور، تعالى أن يكون كمثله شيء، فهو نور السماوات والأرض». قال ابن مسعود: «ليس عند ربكم ليل ولا نهار، نور السماوات والأرض من نور وجهه». والمعنى -كما ذكره الدارمي عنه- أن الله عز وجل نوره مصدر كل نور، فليس عنده سبحانه وتعالى شيء من الظلمة. قال: «وفي صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، هل رأيت ربك؟ قال: «نور أن أراه». والمقصود أن الطريق إلى الله واحد، وأراد بهذا الحديث أن يبين ويؤكد أن الله عز وجل نور، وأن الظلمة لا تضاف إليه وصفًا ولا فعلاً، وإنما تضاف إليه خلقًا ومفعولاً». قال: «والمقصود أن الطريق إلى الله واحد؛ فإنه هو الحق المبين، والحق واحد، مرجعه إلى واحد. وأما الباطل والظلال فلا ينحصر، بكل ما سواه باطل، وكل طريق إلى الباطل فهو باطل، فالباطل متعدد، طرقه متعددة. فإذا كان كذلك فكل باطل يتوصل إليه بأنواع من الباطل، فالشرك لا يصل الإنسان إليه إلا بخطوات ودرجات حتى يصل إلى الشرك، والكبيرة لا يصل إليها إلا بخطوات ودرجات كلها من الباطل والظلمات التي يصل بها إلى الكبيرة، وهكذا. ولهذا كانت خطوات للشيطان، وكل خطوة من ذاك الباطل وتلك الظلمة. ولا يزال الإنسان يتعمق في تلك الخطوات، فيتعمق في تلك الظلمات، من ظلمة إلى أعظم منها، ومن باطل إلى أبطل منه، ومن ظلال إلى ما هو أظل منه، وهكذا حتى يصل إلى أدرك وأعمق الظلمات والضلالات، وهو النفاق: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾، أسفلوا النار، أسفلوا الظلمات، وأسفلوا كذلك الظلمات والكفريات. وهكذا كذلك في الدنيا، فالدنيا الناس يتفاوتون في هذه الظلمات والضلالات بتفاوت تعمقهم فيها. إلى هنا والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.