الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 147، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ تنوع طرق العبادة والقربات إلى الله، ويشدد على أهمية تخصيص ورد يومي للتقرب إلى الله. يُظهر أن الطريق إلى الله واحد بينما طرق العبادة متنوعة بحسب الأشخاص والأحوال.
يُبرز أهمية الصدقة ولو بالقليل في دخول الجنة، ويُسهل على الناس أداء العبادات حسب استعداداتهم وقدراتهم. يشير إلى قصة المرأة التي تصدقت بثلاث تمرات على بناتها.
يتناول اختلاف أحوال الناس واستعداداتهم وربطه بتعدد شرائع الأنبياء مع اتحاد دينهم. يُوضح أن العقيدة وأصول الدين ثابتة بينما تختلف التفاصيل الشرعية باختلاف الزمان والمكان وأحوال الناس.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام بن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: «وأما ما يقع في كلام بعض العلماء أن الطرق إلى الله متعددة متنوعة، جعلها الله كذلك لتنوع الاستعدادات واختلافها، رحمة منه وفضلًا، فهو صحيح لا ينافي ما ذكرناه من وحدة الطريق. وكشف ذلك وإضاحه: أن الطريق واحدة جامعة لكل ما يرضي الله، وما يرضيه سبحانه متعدد متنوع، فجميع ما يرضيه طريق واحد، ومراضيه متعددة متنوعة بحسب الأزمان والأماكن والأشخاص والأحوال، وكلها طرق مرضاته. فهذه هي التي جعلها الله سبحانه برحمته وحكمته كثيرة متنوعة جدًا لاختلاف استعدادات العباد وقوابلهم، كما جاء في الحديث: «فإن من الناس من يدخل من باب الصلاة، ومن الناس من يدخل من باب الصيام، ومن الناس من يدخل من باب الصدقة، وهكذا، ومن الناس من يدخل من الأبواب جميعًا». ولما سأل أبو بكر رضي الله عنه: «أيدخل أحد منها جميعًا؟» قال: «نعم، أرجو أن تكون منهم يا أبا بكر». فهذا معناه أن الطريق إلى الله واحد، وهو الطريق المستقيم والدين القويم الذي هو الحق، وطرق الشيطان كثيرة. ثم هذا الطريق الواحد فيه من أصناف الطاعات وأنواع القربات ما يختلف باختلاف أحوال الناس وأشخاصهم وقوتهم وضعفهم، وفضل الله عز وجل عليهم بحسبهم، مع اختلاف الزمان والمكان. فربما إنسان يجتهد في الصلاة في أوقات ما لا يستطيع أن يجتهد في غيرها، ويجتهد في الصدقة ما لا يستطيع أن يجتهد في غيرها. تجد مثلًا الناس يقبلون في رمضان على الصيام والصلاة والزكاة والصدقة ما لا يكون في غيرها، ومن الناس من هو موفق في طول العام، وهو في صدقة وفي صيام وفي صلاة وفي أنواع من الطاعات والقربات. وهذا فضل الله سبحانه وتعالى ليؤتيه من يشاء، والموفق من وفقه الله. ومن أحسن ما يعين الإنسان على أن يعين نفسه على تنوع العبادات والطاعات أن يجعل لنفسه وردًا يسير عليه، فمثلًا في باب الصيام يواضب على صيام النبي صلى الله عليه وسلم، فهو يسير ومع الاستمرار يكون كثير. فهذا باب الصيام، ويواضب على الصلاة ونوافلها، ومنها صلاة الليل ورواتب الصلوات والضحى ونحوها، فيجمع الله له بابًا آخر مع أصل الفرائض. وهكذا باب الصدقة، يجعل لنفسه من كل زوج صدقة، ما أعطاه الله عز وجل شيئًا إلا وحاول أن يخرج منه شيئًا لله. كان يجعل ثلثًا أو ربعًا من كل ما أعطاه الله، إن كان من اللباس ففي كل شهر يخرج من لباسه ولو المستعمل شيئًا، ومن كذلك أكله وشرابه ولو ما يبقى شيئًا، وهكذا من ماله شيئًا. فتتنوع عنده أبواب الزكاة والصدقة مع ما يمر به في الأزمات والفزعات والنائبات التي تمر به مع الناس، فيؤدي ما استطاع. يكون مؤنسه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اتقوا النار ولو بشق تمرة»، فلا يدخل على نفسه بصدقة ولو يسيرة قليلة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في حق تلك المرأة: «أدخلها الله الجنة بتلك التمرات الثلاث»، ثلاث تمرات تصدقت بها على بناتها، فجعلها الله عز وجل سببًا في دخول الجنة، وهي ثلاث تمرات في قصة حديث عائشة المشهور، لما جاءتها المرأة الضعيفة الفقيرة ومعها ابنتان، فلم تجد في بيتها عائشة رضي الله عنها وارضاها إلا ثلاث تمرات، فأعطت هذه المرأة فأعطت المرأة كل بنت تمرة، وأخذت الثالثة، فلما رفعتها إلى فيها وأرادت أن تأكلها استطعمتها أي البنتان، فأخذت التمر الثالثة فشقتها نصفين وأعطت لكل واحدة نصفها. فأعجبها شأن هذه المرأة أي عائشة رضي الله عنها، فحكت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين عنها رضي الله عنها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد أدخلها الله عز وجل الجنة بذلك» أو كما قال عليه الصلاة والسلام. وما أكثر القليل الذي نستقله، وربما يكون ذاك القليل سببًا في دخولنا الجنة. نستطيع أن نتصدق بأكثر من ثلاث تمرات في يومنا وليلتنا، فيكون ذلك عولًا لنا على باب من أبواب دخول الجنة وطريق من طرق الطاعات وأصناف وأنواع القربات، وهو يوصل إلى الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: «فكلها طرق مرضاته، فهذه هي التي جعلها الله سبحانه برحمته وحكمته كثيرة متنوعة جدًا لاختلاف استعداد العباد وقوابلهم. ولو جعلها نوعًا واحدًا مع اختلاف الأذهان والعقول وقوة الاستعدادات وضعفها لم يسلكها إلا واحد بعد واحد. ولكن لما اختلفت الاستعدادات تنوعت الطرق ليسلك كل مرئن إلى ربه طريقًا يقتضيها استعداده وقوة قبوله. هذا وجه، ووجه آخر: أن نفس الشخص نفسه تتفاوت، وقوته تتفاوت، ورغبته وضعفه ونشاطه يتفاوت، فتارة ينشط لقيام الليل، وتارة ينشط للصدقة، وتارة ينشط للصيام، وهكذا. فمن فضل الله عز وجل أن جعل أصنافًا من العبادات والقربات والطاعات تكون كالروضة يتنقل فيها هذا الإنسان الضعيف من بستان إلى بستان، ومن موضع إلى موضع، بما يذهب عنه السآمة والملل، وبما يكون به حسب قوته ورغبته ونشاطه، وكذلك زمانه ومكانه. فربما إنسان مثلًا إذا ذهب إلى العمرة يجد رغبة للصلاة والتعبد والاعتكاف والتفرغ لله عز وجل في مسجده، بينما إذا كان في بلده مشغولًا بالقيام بالعيال وأنواع الأعمال، وربما حتى طلب العلم، فيكون هذا بابًا من أبواب الخير يفتحه الله عز وجل على نفس الشخص، لكنه يفتح له في زمان دون زمان، ومكان دون مكان، وفي حال دون حال. وهكذا في وقت المرض مثلًا يجد الإنسان من ذكر الله عز وجل بلسانه، وكذلك بحاله، ما لا يجده في وقت الصحة، فيكون ذلك تذكيرًا له وعونًا له أنه إذا أعطاه الله العافية والصحة أن يتذكر مثل هذه النعمة التي ربما غفل عنها، وغير ذلك من أحوال الناس وما يمر بهم في الشخص الواحد، فضلًا كما ذكر رحمه الله عن اختلاف الناس في أحوالهم، وكذلك استعداداتهم. قال رحمه الله: «ومن هنا يعلم تنوع الشرائع واختلافها مع رجوعها كلها إلى دين واحد، بل تنوع الشريعة الواحدة مع وحدة المعبود ودينه. ومنه الحديث المشهور: «الأنبياء وأولاد علات، دينهم واحد». فأولاد العلات: أن يكون الأب واحدًا والأمهات متعددة، فشبه دين الأنبياء بالأب الواحد، وشرائعهم بالأمهات المتعددة، فإنها وإن تعددت فمرجعها كلها إلى أب واحد». وهذا من وجهين: الوجه الأول: باب العقيدة واحد عند الأنبياء جميعًا، فكلهم يدعون إلى توحيد الله عز وجل في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، فهذا الباب لا خلاف بين دين الأنبياء جميعًا. والثاني: دين الأنبياء واحد في أصول وثوابت الدين، كتحليل الطيبات وتحريم الخبائث، والأمر بالعدل والنهي عن الظلم، ومراعاة أعلى المصلحتين بدفع أشدهما، وغير ذلك مما هو متفق عليه عند الأنبياء جميعًا. أما أعيان المحرمات والواجبات، فهذا يختلف باختلاف الزمان والمكان، وباختلاف كذلك حال الناس. بل ربما في دين النبي الواحد يكون الحرام متدرجًا في تحريمه بحسب أحوال الناس، مثل الخمر لم يحرم في أول الإسلام، ولكنه حرم في آخر الإسلام. وهكذا نكاح المتعة لم يحرم في أول الإسلام وحرم في آخره، وأشياء كثيرة تدرج الإسلام في تحريمها، وواجبات تدرج في فرضها وإيجابها. فعض الواجبات ما أوجب إلا قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بعام، مثل الحج، ما فرض الحج وهو أحد أركان الإسلام الخمسة، لم يفرض الحج إلا في السنة التاسعة. فلله حكمة في تدرج الواجبات والمحرمات. وهكذا كذلك دين الأنبياء يختلف في مثل هذه التفاصيل بحكمة من الله سبحانه وتعالى كما ذكر. فهذان وجهان في كون دين الأنبياء على هذا الوجه: الأنبياء أولاد علات، دينهم واحد، وأمهاتهم مختلفات. ومعنى أولاد علات: يعني أبناء زوجات مختلفات لأب واحد، فالأب واحد، وهو كما قلنا أصل الدين من وجهين: من باب العقيدة وذوابث الدين وأصولها، وأمهاتهم مختلفات: يعني التشريع مختلف، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ شريعة مختلفة ومنهاج مختلف بحسب الزمان والمكان والحال والمآل وما تقتضيه المصلحة. ولهذا كان اختلاف دين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام نكتب بهذا القدر إلى هنا، والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.