طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 37

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 37

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 37، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم الافتقار لله والرضا بقضائه

يشرح الشيخ ابن بريك مفهوم الافتقار لله تعالى والرضا بقضائه مستدلاً بكلام ابن القيم. العبد يجب أن يكل أمره لله ويعلم أن ما يختاره الله له خير مما يختاره لنفسه.

أهمية اليقين والرضا بقضاء الله وتفويض الأمر إليه

يجب أن يكون لدينا يقين وثقة بالله أن ما يختاره لنا خير مما نختاره لأنفسنا. الله يعلم ما لا نعلمه وأن نعمه لا تنال إلا بطاعته وتدوم بشكره.

التوبة والاستغفار كوسيلة لتحويل الشكوى إلى الله

يناقش أهمية إدراك أن المصائب تأتي بسبب الذنوب والمعاصي. يحث على اللجوء إلى الله بالتوبة والاستغفار بدلاً من الشكوى إلى خلقه.

فضل اللجوء إلى الله والاستغفار في إزالة البلاء

عند اللجوء إلى الله، يفرج الله الكرب ويجيب دعوة الداعين ويقبل استغفار المستغفرين. الله يبدل السيئة بحسنة والسُوء بخير لمن يستغفره ويتوب إليه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى بكتابه «طريق الهجرتين»: قال: فصلٌ، وجماع هذا أنك إذا كنت غير عالم بمصلحتك، ولا قادر عليها، ولا مريد لها كما ينبغي، فغيرك أولى أن لا يكون عالما بمصلحتك، ولا قادرًا عليها، ولا مريدًا لها. والله سبحانه يعلم ولا تعلم، ويقدر ولا تقدر، ويعطيك من فضله لا لمعاوضة ولا لمنفعة بوجوهها يرجوها منك، ولا لتكثر بك، ولا لتعزز بك، ولا يخاف الفقر، ولا تنقص خزائنه على سعة الإنفاق، ولا يحبس فضله عنك لحاجة منه إليه واستغناء به، بحيث إذا أخرجه أثر ذلك في غناه. والمعنى منه -رحمه الله تعالى- على ما تقدم في الفصول المتقدمة: أن افتقار العبد لربه وخالقه ومولاه افتقار من كل الوجوه. وضرب هنا مثالًا آخر لتأكيد هذا الافتقار: أن العبد يكل أمره كله لله سبحانه وتعالى، وأنه لا يتم له ذلك حتى يعلم أن ما يختاره الله له خير مما يختاره لنفسه، فيرضى بكل قضاء الله وقدره، ويستقيم على أمر الله وشرعه لعلمه أن الخير كله فيما أمره الله به، وما اختاره الله له. وهذا المثال المضروب كمن كان يعلم ويثق بأن إنسانًا من المخلوقين يختار له خير مما يختار لنفسه، فمثلًا الابن مع أبيه، فالابن يعلم أن الأب أكبر منه سنًا وأكثر منه خبرة ومعرفة، فلذلك يرضى أن يختار له الأب ما يختاره لنفسه. وهكذا كذلك التاجر الصغير مع التاجر الكبير، وهكذا كذلك الزوجة مع زوجها، وهكذا كذلك كل صاحب خبرة مع من دونه، فإنه يرتضي أن يختار له من عنده خبرة ما يختاره لنفسه، فيقول: أنا ليس عندي خبرة، أرضى أن تختار لي ما تختاره لنفسك، وأثق بك، فاختر لي ما تختاره لنفسك. فإذا كان هذا في حق المخلوق الناقص، ويرتضي الناس هذا الاختيار، فكيف بالله العظيم الذي وسع علمه كل شيء، وأحاطت قدرته -جل وعلا- بكل شيء؟ فلابد أن يكون عندك يقين وثقة عظيمة بالله: أن ما اختاره الله لك -وهو خالقك ومولاك- خير مما تختاره لنفسك. وهنا تفهم قول الله عز وجل: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، فإذا كنت على يقين بأن الله عز وجل حيط بكل شيء، وعالم بكل شيء، فعند ذلك يكون عندك رضا وتسليم بأن ما اختاره الله لك خير مما تختاره لنفسك، ولو ظنت نفسك الناقص القاصرة أن الخير في غيره. قال -رحمه الله تعالى-: وهو يحب الجود والبذل والعطاء والإحسان أعظم مما تحب أنت الأخذ والانتفاع بما سألته، فإذا حبسه عنك، فعلم أن هناك أمرين لا ثالث لهما: أحدهما أن تكون أنت الواقف بطريق مصالحك، وأنت المعوق لوصول فضله إليك، وأنت حجر في طريق نفسك. وهذا الأمر هو الأغلب على الخليقة، فإن الله سبحانه قضى فيما قضى: بأن ما عنده لا ينال إلا بطاعته، وأنما استجلبت نعم الله بغير طاعته، ولا استديمت بغير شكره، ولا عوقت وامتنعت بغير معصيته. وكذلك إذا أنعم عليك ثم سلبك النعمة، فإنه لم يسلبها لبخل منه، ولا لاستئثار بها عليك، وإنما أنت السبب في سلبها عنك، فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، كما قال سبحانه: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، فما أزيلت نعم الله بغير معصيته، كما قال القائل: إذا كنت في نعمة فرعها، فإن الذنوب تزيل النعم. فآفتك من نفسك، وبلاؤك منك، وأنت بالحقيقة الذي بالغت بعداوتك، وبلغت من معادات نفسك ما لا يبلغ العدو منك، كما قيل: ما يبلغ الأعداء من جاهل ما يبلغ الجاهل من نفسه. ومن العجب أن هذا شأنك مع نفسك، وأنت تشكل محسنًا، البريء عن الشكاية، وتتهم أقداره، وتعاتبها وتلومها، فقد ضيعت فرصتك، وفرطت في حفظك، وعجز رأيك عن معرفة أسباب سعادتك وإرادتها، ثم قعدت تعاتب القدر بلسان الحال والقال. فأنت المعني بقول القائل: وعاجز الرأي مضياع لفرصته، حتى إذا فات أمر عاتب القدر. ولو شعرت بداءك، وعلمت من أين دهيت، ومن أين أصبت، لأمكنك تدارك ذلك، ولكن قد فسدت الفطرة، وانتكس القلب، وأطفأ الهوى مصابيح العلم والإيمان منه، فأعرضت عمَّا أصل بلائك ومصيبتك منه، وأقبلت تشكو من كل إحسان دقيق أو جليل وصل إليك فمنه. فإذا شكوته إلى خلقه، كنت كما قال بعض العارفين: فقد رأى رجلًا يشكو إلى آخر ما أصابه ونزل به، يا هذا تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك. وإذا عرت مصيبة فاصبر لها صبر الكريم، فإنه بك أرحم. وإذا شكوت إلى ابن آدم، إنما تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحمه. وإذا علم العبد حقيقة الأمر، فعرف من أين أتى، ومن أين الطرق، وغير على سرحه، ومن أي ثغرة سرق متاعه وسلب، استحي من نفسه إن لم يستحي من الله أن يشكو أحدًا من خلقه، أو يتظلم، أو يرى مصيبة وآفته من غيره، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾. هذا هو الوجه الأول -كما أشار -رحمه الله- من الأوجه التي يكون بها جواب من أشكل عليه شيء ممن حرم شيئًا ظن أنه يستحقه. فأول هذه الأمور أن تنظر إلى الأمر بهذا المنظار: أن هذا الذي ظننت أنك تستحقه، حرمته بسبب نفسك، أي بسبب ذنوبك ومعصيك، ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾، فإذا تحققت هذه المعرفة، فإنه على العبد أن يعالج هذا السبب، فإذا زال السبب بطل العجب، كما قيل. وعند ذلك يأتيك بإذن الله الفرج من الله سبحانه وتعالى. وإذا تحققت هذه المعرفة، فكما قال -رحمه الله- من الخطأ أن تشكو ما أصابك؛ لأنك تشكو إلى من لا يرحمك، ولا يملك لك نفعًا ولا ضرًا. فإذا أصابك شيء، فالجأ إلى الله سبحانه وتعالى. فإذا لجأنا إلى الله، أزال الله عنا ما أصابنا بشيئين اثنين: الأمر الأول التوبة والاستغفار، وإصلاح ذلكم الأمر بإصلاح الذنب الذي به أصيب. والأمر الثاني بأن نلتجئ إلى الله وحده، ولا نلتجئ إلى غيره. فإذا لجأنا إلى الله، فرج الله عز وجل عنا، كما قال سبحانه: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾، وكما قال الله سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، فالله عز وجل يجيب دعوة الداعين، ويقبل استغفار المستغفرين. فإذا استغفر الله عز وجل العبد، ولجأ إلى ربه وخالقه ومولاه، أبدل الله سبحانه وتعالى السيئة حسنة، وكذلك السوء خيرًا. وهذا فضل الله سبحانه وتعالى. إلى هنا -إن شاء الله-.