طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 36

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 36

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 36، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في التعامل مع المخلوقين

يشرح الشيخ ابن بريك كلام الإمام ابن القيم حول عدم تعلق القلب بالمخلوقين وإنما بالله، ويبين ضرورة الإحسان إلى الناس لله لا لرجائهم. ينبغي للإنسان أن يتعلق قلبه بالله وحده دون المخلوقين.

تحذير من التعلق بالمخلوقين ومراقبة الله في المعاملة

يُنبه المقطع إلى خطورة التعلق بالمخلوقين الذين قد يضرونك لتحقيق مصالحهم، ويحذر من عداوة بعض الناس في صورة صداقة. ينبغي للإنسان أن يراقب الله في معاملتهم ولا يجعلهم مقدمين على طاعة الله.

التعلق بالله وحده والفوز بالدنيا والآخرة

الدنيا والآخرة بيد الله سبحانه وتعالى، فمن تعلق بالله أعطاه الله خيرهما. السعيد الرابح هو من عامل الله فيهم ولم يعاملهم في الله، وخاف الله فيهم ولم يخفهم في الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: «قصرٌ إذا تبين هذا ورأى أن أحدًا من المخلوقين لا يقصد منفعتك بالقصد الأول، بل إنما يقصد منفعته بك، وقد يكون عليك بذلك ضررٌ إذا لم يراعِ المهم، ومن يراعِ المهم بها هذه المسألة ورعاها حق رعايتها». ومعنى هذا يشير رحمه الله، كما تقدم في الفصل الذي قبله في آخره، أن المخلوق إن نفعك بشيء وهو يقصد بهذا النفع نفع نفسه أولاً، ومر معنى أمثلة على ذلك فيما تقدم، سواء كان ذلك فيما يتعلق بالمنافع الشركية كالجن والسحرة والكهنة ونحوهم، فإنهم وإن نفعوا من يعبدونهم من دون الله عز وجل، فهذه المنفعة تعود إليهم أولاً، وما يعطون فهو يسير مع ما يأخذون من الكفر والعياذ بالله وغير ذلك من الأمور الأخرى. وما كان من الشرك الأصغر أو كان من المعصية أو المكروه والمباح فهو كذلك، إما لأجل منفعة يأخذها منك كما تقدم، فقد يعطيك لأجل أن يأخذ منك، كالفقير يهدي إلى الغني لأجل أن يصل به إلى منصب أو إلى وظيفة أو إلى زواج أو إلى غير ذلك، فيكون معطيك لأجلك. وإما أن يكون لله سبحانه وتعالى، وكذلك كما تقدم ليس المقصود هذا الشخص بنفسه، فإذا تعلق القلوب بالله عز وجل هو الذي ينفع ولا يضر، وهو الذي بيده النفع الحقيقي من كل وجه. فإن نفع العبد المخلوق نفعه قاصر ناقص لا يخلص من نقص، وهو ناقص من كل وجه. وأما نفع الخالق سبحانه وتعالى فهو نفع كامل من كل وجه، وبه المنفعة الحقيقية العظيمة، فلذلك يتعلق العبد بخالقه ومولاه ويستغني به عما سواه. ولهذا قال: «فمن عرف هذه المسألة ورعاها حق رعايتها كان له حق عظيم»، أي من الفوز بالدنيا والآخرة. قال رحمه الله: «ولا يحملنك هذا على جفوة الناس وترك الإحسان إليهم وإذماء لأداهم، بل أحسن إليهم لله لا لرجائهم، وكما لا تخفهم فلا ترجوهم». والمعنى: إذا علمت هذه المسألة على ما تقدم، فكن وسطًا، لا إفراط ولا تفريط، لا يتعلق قلبك بالمخلوقين، وفي نفس الوقت لا تكون سيئ الأخلاق مع المخلوقين. فلا يحملك كونك تعلم أن المخلوق وإن نفعك فنفعه لم يصبح لنفسه أن تعامل عامله بالجفاء وبالبخل، لا، بل أحسن في حدود ما يأذن به الشرع، وابتعد في حدود ما يأذن به الشرع، ولا تتعلق إلا بالله سبحانه وتعالى. وهذا الذي أمر به الشرع أن يتحلى الإنسان بالأخلاق الحسنة وأن يحسن إلى من يستطيع الإحسان إليه لله سبحانه وتعالى، لا لشيء عند المخلوق، وإنما رجاء ما عند الله سبحانه وتعالى. إن أحسنت إلى محسن فهذا لأن الله يحبه ولأنه محسن يستحق الإحسان، وإن أحسنت إلى غير محسن فلعلك تدعوه إلى الإحسان وأنت ترغب إليه بحدود ما يأمر به الشرع، تدعوه إلى الإحسان وتحبب إليه الإيمان وشرائع الإسلام وما يتعلق به، فتكون أعمالك لله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: «ممن يبين ذلك أن غالب الخلق يطلبون إدراك حاجتهم بك، إن كان ذلك ضارًا عليك، فإن صاحب الحاجة أعمى لا يرى إلا قضاءها، وهم لا يبالون بمضرتك إذا أدركوا منك حاجتهم، فلو كان فيها هلاك دنياك وآخرتك لم يبالوا بذلك». والناس بهذا يتفاوتون حسب إيمانهم وكفرهم وعلمهم وجهلهم وعدلهم وظلمهم، وكذلك أخلاقهم. فإن من الناس من لا حد له في الضرر ما دامت له حاجة، حتى ولو أدت إلى هلاك كبطر الطريق، لا يبالي يريد ما في يدك ولو قتلك لا يبالي، ليس في قلبه رحمة ولا عنده كرامة، وليس عنده دين. ولهذا كانوا يستحقون أشد العقوبة في الإسلام لأنهم فقدوا الدين والمروءة وكل معاني الإنسانية. فأمثال هؤلاء حقهم أشد العقوبة: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾، فهذا جزاء هؤلاء. ولما كان السارق يسرق بيده خفية استحقت يده العقوبة، وهكذا العقوبات في الإسلام بقدر هذا الاعتداء. فكذلك ما ذكر رحمه الله هنا أن منفعة الناس قد تكون مع ضرر، وهذا قرر تقاوة الناس فيه، فمنهم من هو أعمى البصر والبصيرة لا يرى إلا قضاء حاجته ولو بالمضر الكامل حتى بهلاك من يريدون أن يأخذوا المنفعة منه. فبذلك يعلم العاقل أن التعلق بالله عز وجل هو الذي ينفع العبد ولا يتعلق بمخلوق. قال رحمه الله: «هذا إذا تدبره العاقل علم أن عداوته أنه عداوة في صورة صداقة، وأنه لا أعدى للعاقل من هذه العداوة، وهم يريدون أن يصيروك كالكير تنفع بطنك وتعصر أحشاءك في نفعهم ومصالحهم». بل لو أبيح لهم أكلك لجزروك كما يجزرون الشاة، وكم وكم يدبحونك كل وقت بغير سكين لمصالحهم، وكم اتخذوك جسرًا وممرًا لهم إلى أطماعهم وأنت لا تشعر، وكم بعت آخرتك بدنياهم وأنت لا تعلم، وربما علمت، وكم بعت حظك من الله بحظوظهم منك ورحت صفر اليدين. وكم فوتوا عليك من مصالح الدارين وقطعوك عنها وحالوا بينك وبينها وقطعوا عليك طريق سفرك إلى منازلك الأولى ودارك التي دعيت إليها، وقالوا: «نحن أحبابك وخدمك وشيعتك وأعوانك والساعون في مصالحك»، وكذبوا. والله إنهم إلا أعداء في صورة أولياء، وحرب في صورة مسالمين، قطعوا طريقك في صورة أعوان. «وواغوثاه، ثم واغوثاه بالله الذي يغيث ولا يغادر». ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. وهذا كذلك من إشارات رحمه الله إلى حال تعلق الناس بالمخلوقين، فقد يتعلق قلبك بمن يظهر لك المسالمة وهو عدو، ومن يظهر لك الولاية وهو خائن، ومن يظهر لك المصالحة وهو ساعٍ في مضرتك. فإذا كان كذلك فلا يتعلق قلبك إلا بالله سبحانه وتعالى وحده. وما أشار إليه رحمه الله ليست أمثلة من باب سوء الظن، ولكنه قليل من كثير من واقع حال بني آدم، قليل من كثير من حال بني آدم. ولكن ليس معنى ذلك أن كل بني آدم على هذا الوصف، وإنما كما قلنا: الناس يتفاوتون بقدر إيمانهم وكفرهم وصلاحهم وفجورهم واستقامتهم وعوجهم وعدلهم وظلمهم. وكلما خالط من هو بعيد عن الدين والإيمان كان الضرر منهم أكثر وأعظم، وكانت الخيانة منهم كذلك أوسع وأشد. وهذا معناه أن الإنسان ينبغي عليه أن يحذر في معاملة المخلوقين، ومن باب أولى أن لا يتعلق قلبه بمخلوق، لأن المخلوق مهما كمل لا يسلم من نقص، ومن النقص أن يقدم مصالح نفسه على مصلحتك، وهو لا يمكن أن ينفعك بما يضر نفسه أبدًا. فكيف تتعلق به؟ لكن لو تعلقت بالله العظيم الكريم الرحيم الذي هو أرحم بك من الوالدة بولدها، وأرحم بك من نفسك التي بين جنبيك، فإذا هو وحده الذي ينبغي أن يتعلق به ويتوجه إليه. وهذا الذي أشار إليه رحمه الله في الفصل الذي قبله. قال رحمه الله: «السعيد الرابح من عامل الله فيهم ولم يعاملهم في الله، وخاف الله فيهم ولم يخفهم في الله، وأرضى الله بسخطهم ولم يرضهم بسخط الله، وراقب الله فيهم ولم يراقبهم في الله، وأثر الله عليهم ولم يؤثرهم على الله، وأمات خوفهم ورجاءهم وحبهم من قلبه، وحيى حب الله وخوفه ورجاءه فيه». فهذا هو الذي يكتب له النجاح وتكون معاملته لهم كلها ربحًا، بشرط أن يصبر على أذاهم ويتخذهم أغنامًا لا مغرمًا، وربحًا لا قسْرًا. وهذا ظاهر كما تقدم، إذا عاملهم بما أمره الله، فإنه سيزنله مسلك العدل الذي يحبه الله، حتى ولو كان عدوًا: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. وإذا كان ليس كذلك فيعطى من الإحسان بحسبه. ولذلك فهو يتعلق بالله عز وجل وحده، فلا يخاف من مخلوق ولا يرجو مخلوقًا، ولا يحب لذاته مخلوقًا. فإن أحب مخلوقًا فحبّه لله وبما أمر الله بحبه، كل بحسبه، فيحب الأقرباء الأقرب فالأقرب، ويحب المساكين والفقراء بحسب ما أمر الشرع بحبهم، وهكذا كل محبوب يحب بحسب ما أمر الشرع بحبه. فهو إن أحب أحب لله، وإن أبغض أبغض لله، وإن رجى رجى في الله، وإن خاف خاف في الله، ولا شيء يخيفه إلا الله، ولا شيء يرجو إلا الله سبحانه وتعالى. فبهذا يكون الربح كما ذكر رحمه الله. فالسعيد الرابح من عامل الله فيهم، ومعناه بكل شيء يراقب الله سبحانه وتعالى، ولم يعاملهم في الله، يعني لا يجعلهم مقدمين على شيء مما هو لله سبحانه وتعالى. لأن من الناس من يرجو حاجته الدنيوية ولو على حساب ما يحب الله سبحانه وتعالى. ثم الناس يتفاوتون بهذا، ممكن أن يقدم على المعصية لأجل أن يصل إلى حاجته الدنيوية، أو يتنازل عن واجب لأجل أن يصل إلى حاجته الدنيوية. وبالنهاية ماذا؟ بالنهاية لم يحصل لا الآخرة ولا الدنيا، لأن الدنيا ليست بيد المخلوق والآخرة ليست بيد المخلوق، بل الدنيا والآخرة بيد الله سبحانه وتعالى. فإذا تعلقت بالله أعطاك الله خير الدنيا والآخرة. إلى هنا والله تعالى أعلم.