طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 34

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 34

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 34، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم كمال النعيم في الآخرة

يشرح الشيخ مفهوم كمال النعيم في الآخرة، موضحًا أن اللذة الحقيقية تكمن في رؤية الله تعالى وسماع كلامه وقربه ورضوانه. يستدل على ذلك بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم.

أدلة الإيمان ولذة اللقاء بالله

يتناول شرح الأصلين الثابتين بالكتاب والسنة، وهما الإيمان بالله وعبادته، ولذة اللقاء بالله في الآخرة. يستدل على ذلك بالنصوص القرآنية والنبوية وبالفطرة.

أهمية الغذاء الروحي وعلاقته بالعبودية

يشرح أهمية الغذاء الروحي المتمثل في العبودية لله عز وجل، ويبين أن هذا الغذاء يغني عن الغذاء الحسي. كما يشير إلى أن محبة الله تعالى وتعظيمه هي أعظم حاجة للإنسان.

أصل العبودية لله تعالى وضرورتها

يشير إلى أهمية أصل عبودية الله تعالى وحاجة العبد لها أكثر من حاجته للغذاء واليقوت. يُبرز عظمة هذه العبودية وضرورتها للعبد.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قال الأصل الثاني: أن كمال النعيم في الدار الآخرة أيضًا به تعالى، برؤيته وسماع كلامه وقربه ورضوانه، لا كما يزعم من يزعم أنه لا لذة في الآخرة إلا بالمخلوق من المأكول والمشروب والملبوس والمنكوح. بل اللذة والنعيم التام في حظهم من الخالق تعالى أعظم مما يخطر بالبال أو يدور في الخيال. ويضرب بعضهم لهذا مثالًا، ولله المثل الأعلى، فإن الإنسان إذا كان به حزن وشوق إلى محبوب في الدنيا، فإنه لا يجد ذوقًا لا لمأكول ولا لمشروب ولا لملبوس ولا لمنكوح، فإنه يكون في هم وغم، فإذا وجد محبوبه جاءه من الفرح والسرور والبهجة ما يذوق معه من اللذة ما هو أعظم من لذة المأكول والمشروب والملبوس والمنكوح. بل لا لذة للمأكول والمشروب والملبوس والمنكوح قبل ذلك، ولكن بعد هذا اللقاء بالمحبوب ترجع الأمور على ما كانت عليه من قبل. فإذا كان هذا في حظ الدنيا، فكيف بأمر الآخرة الذي هو أعظم؟ ولله المثل الأعلى، ولله المثل الأعلى. فالله سبحانه وتعالى أعظم محبوب، وليس شيء يحب لذاته إلا الله سبحانه وتعالى، وكل ما سوى الله يحب لله. فلذلك، كما قال رحمه الله: كمال النعيم بالدار الآخرة برؤيته وسماع كلامه وقربه ورضوانه سبحانه وتعالى، وهذا أعظم من اللذة بالمخلوقات من المأكول والمشروب والملبوس والمنكوح. قال رحمه الله: في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه الإمام أحمد في مسنده، وابن حبان، والحاكم في صحيحيهما: «وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة». وقد صح هذا الدعاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من عدة أوجه، كما جاء في التعليق. جاء من حديث عمار، وله شاهد من حديث زيد بن ثابت، وقضال بن عبيد، والصحابة وغير واحد، ومنهم الشيخ الألباني رحمه الله في «الصحيحة». والشاهد قول النبي عليه الصلاة والسلام: «وأسألك لذة...» وفي رواية: «أسألك لذة النظر إلى وجهك». فالنظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى فيه لذة أعظم من لذة الأكل والشرب وغيره، وهكذا الشوق إلى لقاء الله عز وجل أعظم من الشوق إلى كل نعيم في الجنة. وفي غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة؛ لأن من الناس من يلقى الله عز وجل والله عليه غضبان، أو يحرم الرؤية واللقاء. ولهذا قال بعده: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾، ثم إنهم لصالوا الجحيم. فعذاب الحجاب من أعظم أنواع العذاب الذي يعذب به أعداؤه، ولذة النظر إلى وجهه الكريم أعظم أنواع اللذات التي ينعم بها أولياؤه. ولا تقوم حظوظهم من سائر المخلوقات مقام حظهم من رؤيته وسماع كلامه والدنو منه وقربه، وهو كما تقدم، فهذا من أعظم وأكبر النعيم. قال: وهذان الأصلان ثابتان بالكتاب والسنة، وعليهم أهل العلم والإيمان، ويتكلم فيهما مشايخ الطرق العارفون، وعليهم أهل السنة والجماعة، وهما من فطرة الله التي فطر الناس عليها. ويحتجون على من ينكرهما بالنصوص والآثار تارة، وبالذوق والوجد تارة، وبالفطرة تارة، وبالقياس والأمثال تارة. والمعنى: الأصل الأول والأصل الثاني الذي تقدم معنا. فالأصل الأول ما أشار إليه: أن الإيمان بالله وعبادته وإخلاص العمل له هو الغذاء الذي هو أعظم من الغذاء الحسي. والأصل الثاني هذا في الدنيا، والأصل الثاني في الآخرة: لذة اللقاء بالله عز وجل ورؤيته وسماعه وقربه ورضوانه أعظم من أي لذة في الآخرة. فهذان الأصلان علما بالكتاب والسنة. أما بالكتاب: قول الله عز وجل: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، والزيادة فسرت في السنة بأنها: النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى. تأمل هذا مع قوله سبحانه: ﴿وَزِيَادَةٌ﴾، فدل أن الزيادة أعظم من الحسنة. أن الزيادة أعظم من الحسنة، فالحسنة كل نعيم في الجنة، والزيادة شيء أعظم من ذلك النعيم كله، وهو النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى. وهكذا دلت السنة، كما صح بحديث النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم وغيره. إذن هذا قليل من كثير من أدلة كثيرة تدل على أن النظر إلى وجه الله عز وجل أعظم من كل لذة، وهكذا الإيمان به، وهكذا الإيمان به أعظم من كل ما هو في الدنيا. فحاجة الناس للإيمان والغذاء بالإيمان أعظم من كل غذاء وأعظم من كل كساء. ويدل على ذلك قول الله عز وجل: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾، فلباس التقوى أعظم من اللباس الحسي. ولباس التقوى هو الإيمان بالله سبحانه وتعالى وسائر ما يتعلق بعبودية العبد لله جل وعلا. فإذن صار أثنان الأصلان مما دل الكتاب والسنة على أنهما أعظم من كل ما دونهما. وهكذا قال رحمه الله: دل على ذلك النصوص والآثار، أي الآثار عن الصحابة، وهي كثيرة. وبالذوق والوجد تارة، بالذوق والوجد يعني بما يجده الإنسان وما يخالط نفسه مما يدل على ذلك. وبالفطرة تارة، الفطرة كذلك، فما يذوق الإنسان من لذة العبادة أعظم من لذة الأكل والشرب وغيره. ولذلك الإنسان في وقت العبادة ينسى الأكل والشرب، ولهذا لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال كما في الصحيحين، قال: «إني لست كهيئتكم»، معناه أنه يناجي ربه سبحانه وتعالى بما ينزل عليه من الوحي، فهو ينشغل به عن الأكل والشرب، فيكون له كالغذاء. وأنت ترى الصائم الذي يصوم لله سبحانه وتعالى ينسى الطعام والشراب بهذه العبادة التي يتعبدها لله عز وجل، بينما لو كان ليس صائمًا ليس عنده هذه العبادة فإنه لا يجد الصبر على الطعام والشراب. وهكذا في وقت الصلاة ولو طالت، فإن الإنسان يلتدذ، والناس يتفاوتون في هذا التلذذ بهذه العبادة، يجدون ما يشغلهم عن الطعام والشراب وسائر الغذاء الحسي الذي يحتاجه بدن الإنسان. فالغذاء الروحي بكل ما يدخل في معنى العبودية لله عز وجل يغني عن الغذاء الحسي. وهكذا كذلك في الآخرة. وقوله: وبالفطرة تارة كذلك، فطر الناس السليمة المستقيمة تعلم هذه الحقيقة: أن الغذاء بعبودية الله عز وجل أعظم وأفيد للجسم والروح والنفس والقلب من الغذاء الحسي. ومما يظهر ذلك ويؤكده: أنك قد تجد إنسان يأكل أحسن الغذاء ومع ذلك هو سقيم أو لا يجد فاقة لهذا الغذاء بسبب انكسار روحه ونفسه وقلبه، ولكن إذا انشرحت روحه وقلبه ونفسه بالإيمان بالله وطاعته، فإنه يجد من القوة والصحة والفاقة ما لا يكون إذا كان ليس كذلك. وقوله: وبالقياس والأمثال تارة، يعني الأمثال المضروبة التي تقرب هذه المعاني وتؤكدها. وقد مرت معنا بعض الأمثال بما يغني عن الإعادة، ولله سبحانه وتعالى المثل الأعلى. قال رحمه الله تعالى: وقد ذكرنا مجموعة هذه الطرق في كتابنا الكبير في المحبة الذي سميناه «المورد الصافي والضل الضافي»، وهو مذكور كما أشار في التعليق في «مفتاح دار السعادة». وفي «مفتاح دار السعادة» وهو من كذلك كتب الإمام ابن القيم رحمه الله العظيم النافع الماتعة. قال في المحبة وأقسامها وأنواعها وأحكامها وبيان وجوب تعلقها بالإله الحق دون ما سواه. وقد ذكرنا من ذلك ما يزيد على مئة وجه، يعني مئة وجه يدل على هذا المعنى، أي حاجة العبد إلى محبة الله أعظم من حاجته إلى كل محبوب في الدنيا، وكذلك في الآخرة. قال: ومما يوضح ذلك ويزيده تقريرًا: أن المخلوق ليس عنده للعبد نفع ولا ضر ولا عطاء ولا منع، بل ربه سبحانه الذي خلقه ورزقه وغصره وهداه وأسبغ عليه نعمه وتحبب إليه بها مع غناه عنه، ومع تبغض العبد إليه بالمعاصي مع فقره إليه. فإذا مسه الله بضر فلا كاشف له إلا هو، وإذا أصابه بنعمة فلا رد لها ولا مانع، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يَصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، وقال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهَا مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. فالعبد لا ينفع ولا يضر ولا يعطي ولا يمنع إلا بإذن الله، فالأمر كل لله أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا، هو مقلب القلوب ومصرفها كما يشاء، المتفرد بالضر والنفع والعطاء والمنع والخفض والرفع، كما قال سبحانه: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾، قال سبحانه: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. وهذا الوجه أظهر لعموم الناس من الوجه الأول، ولهذا خوطب به في القرآن أكثر من الأول، لكن من تدبر القرآن تبين له أن الله سبحانه يدعو عباده بهذا الوجه إلى الأول. فهذا الوجه يقتضي التوكل على الله والاستعانة به والدعاء له ومسألته دون ما سواه، ويقتضي أيضًا محبته وعبادته لإحسانه إلى عبده وإسباغ نعمه عليه. فإذا عبده وأحبه وتوكل عليه من هذا الوجه دخل في الوجه الأول. والمراد بالوجه الأول ما تقدم من أصل عبوديته سبحانه وتعالى، وحاجة العبد لهذه العبودية أعظم من حاجته لأي يقوت وغذاء طيب. والله أعلم.