طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 35

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 35

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 35، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

التعلق بالله وحده وتجنب التعلق بالمخلوقات

يؤكد الشيخ ابن بريك على أهمية التعلق بالله وحده، مشيرًا إلى أن التعلق بالمخلوقات يسبب الضرر والعذاب بينما التعلق بالله يمنح القناعة والاكتفاء. يُبين أن الله هو الوحيد الذي يستحق التعلق به لما له من صفات الكمال.

مخاطر التعلق بغير الله ونتائجه

التعلق بغير الله يسبب الحسرة والخذلان لأن ما يُتعلق به لا يملك نفعًا ولا ضرًا. يُظهر أن التعلق بالله وحده هو السبيل للنجاة من هذه المخاطر.

التمييز بين العطاء الإلهي والعطاء المخلوق

يُفصل المقطع بين العطاء الإلهي الذي يكون خالصًا لوجه الله دون مقابل، والعطاء المخلوق الذي يكون دائمًا مقابل شيء ما. يُظهر أن عطاء الله كرم محض بينما عطاء المخلوق له غرض.

حكمة الله في تفاوت درجات الناس

يشرح أن الله قسم بين الناس معيشتهم في الدنيا ورفع بعضهم فوق بعض درجات، وهذا جزء من حكمته في خلقه. يُبين أن هذا التفاوت يعد جزءًا من إدارة الله لشؤون خلقه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. وأن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، قال الإمام بن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قال: «وهذا كمن نزل به بلاء عظيم وفاقة شديدة أو خوف مقلق، فجعل يدعو الله وتضرع إليه حتى فتح له من لذيذ مناجاته له وباب الإيمان به ولنابت إليه ما هو أحب إليه من تلك الحاجة التي قصدها أولا، لكنه لم يكن يعرف ذلك أولا حتى يطلبه ويشتاق إليه، فعرفه إياه بما أقامه له من الأسباب التي أوصلته إليه». والمعنى أن الإنسان قد يصل إلى هذه اللذة بغير قصد، وبه يعرف أن اللذة بمناجاته وعبوديته سبحانه وتعالى أعظم من كل لذة. ومن ذلك أنه قد يطلب شيئا، وهذا الشيء الذي يطلبه ليس هو بأعظم مما حصله، فهو يطلب شيئا فأعطاه الله شيئا أعظم، وهو التلذذ بعبادته سبحانه وتعالى ودعائه والإنابة إليه والخضوع والذل بين يديه سبحانه وتعالى. قال: «والقرآن مملوء من ذكر حاجة العباد إلى الله دون ما سواه، ومن ذكر نعمائه عليهم، ومن ذكر ما وعدهم به، وما وعدهم به في الآخرة من صنوف النعيم واللذات، وليس عند المخلوق شيء من هذا، فهذا الوجه تحقق التوكل على الله والشكر له ومحبته على إحسانه». ومما يوضح ذلك ويقويه أن نتعلق العبد بما سوى الله مضرة عليه، إذا أخذ منه القدر الزائد على حاجته المعين له على عبودية الله ومحبته وتفريغ قلبه له، فإنه إن نال من الطعام والشراب فوق حاجته ضره أو أهلكه، وكذلك من النكاح واللباس. وإن أحب شيئا بحيث يخاله فلابد أن يسأمه أو يفارقه، فالضرر حاصل له إن وجد أو فقد، فإن فقد تعذب بالفراغ وتألم، وإن وجد فإنه يحصل له من الألم أكثر مما يحصل له من اللذة. وهذا أمر معلوم بالاعتبار والاستقراء أن كل من أحب شيئا دون الله لغير الله، فإن مضرته أكثر من منفعته، وعذابه بأعظم من نعيمه. أما قوله رحمه الله: «أن الضرر حاصل له إن وجد أو فقد»، فكما أشار رحمه الله قبل ذلك، فقبل وجوده هو في حسرة وفي ألم، فإذا وصل إليه ووجده فهو لم يجد أن ما وجده يغطي ما كان من رغبته، فلذلك لا يشبع الإنسان في هذه الدنيا إذا وصل إلى غرضه إلا وإذا علم بغيرها طلبها. مثل الطعام والشراب، إذا كان الإنسان جائعا فإن شهوته ورغبته في الطعام تؤلمه وتجعل له من الأسى والضيق وشدة الرغبة ما يدفعه للبحث عن الطعام مثلا، فإذا حصله وعلم بغيره لم يكتفي بما في يده، فلا يزال يطلب غيره. هذا إذا وجد، وإذا فقد كما سبق، ثم إذا وجد وأخذ فوق حاجته كذلك أصابه من الألم، فلا هو بالذي اكتفى بما في يده، ولا هو بالذي انتفع إذا أخذ أكثر من حاجته. فإذا أخذ أكثر من حاجته تضرر، وإذا أخذ قدر حاجته لم يقنع، وإنما ما زال يطلب غيره مما هو نظيره، وهكذا لا يشبع الإنسان في هذه الدنيا ولا يقنع، فهو في عذاب مستمر لأنه ينشغل بهذا المطلوب. وأما الأمر مع الله سبحانه وتعالى فهو أعظم، فإن من انشغل بعبادة الله وأقام معنى هذه العبودية بحق، فإن ذلك يؤنيه عن كل ما سوى الله ويجعله معتدلا، فلا يأخذ من هذه الدنيا إلا قدر حاجته، وتكون عنده قناعة. قال رحمه الله تعالى: «قال يزيد ذلك إضاحا: أن اعتماده على المخلوق وتوكله عليه يوجب له الضرر من جهته، فإنه يخذل من تلك الجهة». وهذا أيضا معلوم بالاعتبار والاستقراء، فإنه ما علق العبد رجاءه وتوكله بغير الله إلا خذل من تلك الجهة، ولستنصر بغيره إلا خذل. قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾، «كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا». والمعنى أن من تعلق بغير الله، سواء التعلق الشركي كحال المشركين مع مألوهاتهم، أو كذلك التعلق غير الشركي كالتعلق الذي لا يكون شركا أكبر ولكن فيه نصيب من الشرك الأصغر كالتعلق بالأسباب أو كذلك ببعض الملذات، فتضيع هذه الملذات على ما أمر الله عز وجل به من عبوديته والقيام بدينه، فتكون سببا للحسرة والخذلان. أفرأيت من اتخذ إلهه هواه؟ وهكذا كذلك حتى المحبة والخلة. قال: وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ * لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾. وقال تعالى عن إمام الحنفاء إنه قال للمشركين: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾. ولما كان غاية صلاح العبد في عبادة الله وحده واستعانته به وحده، كان في عبادة غيره والاستعانة بغيره غاية مضرته، لأن هذا الغير لا يملك شيئا، وهذا الغير إذا تعلق به العبد خذله الله بأن وكله إلى نفسه التي لا تملك شيئا، وإلى ما تعلق به الذي يضره أعظم مما ينفعه. فمن تعلق بغير الله وكل إليه، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «فكيف إذا تعلق بما يضره؟ وكل ما سوى الله لا يملك نفعا ولا ضرا، بل بعض ما سوى الله مما يتعلق به يضر، إذا تعلق بالجن لم يرضوا بك متعلقا إلا أن يذلك وتضرك، وهكذا كذلك لو تعلق بمخلوق، فإن هذا المخلوق لن يرضى بك أن تتعلق به إلا أن يذلك ويضرك، وإن تعلق بالجمادات فهي لا تنفع ولا تضر، وهذا هو الواقع». قال: «ومما يوضح الأمر في ذلك ويبينه أن الله سبحانه غني حميد كريم رحيم، فهو محسن إلى عبده مع غناه عنه، يريد به الخير ويكشف عنه الضر، لا لجلب منفعة إليه سبحانه ولا لدفع مضرة، فالرحمة وإحسانه وجوده محض، فإنه رحيم لذاته، محسن لذاته، جواد لذاته، كريم لذاته، كما أنه غني لذاته، قادر لذاته، حي لذاته». ومعنى «لذاته» أي حقيقة مستمرة لا تنقطع ابتداء ولا انتهاء، فهو الأول ليس قبله شيء، والآخر ليس بعده شيء سبحانه، والظاهر ليس فوقه شيء، والباطن ليس دونه شيء جل وعلا. قال: «بإحسانه وجوده وقره ورحمته من لوازم ذاته، أي لا تنفك عن الذات لحظة، كما أن لله ذاتا لا كالذوات، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فله صفات سبحانه وتعالى لا كالصفات، لا تنفك عن تلك الذات جل وعلا». فهو الأول ليس قبله شيء في ذاته، وكذلك هو الأول ليس قبله شيء في صفاته، وهو الآخر ليس بعده شيء في ذاته، وهو كذلك الآخر ليس بعده شيء في صفاته، ليس لصفاته ابتداء ولا لصفاته انتهاء، وليس لصفاته نقص ولا تنتهي إلى نقص، بل كلها كمال في كمال، ملازمة لذات كاملة من كل وجه، فهي صفات كاملة من كل وجه. ومن كان هذا وصفه سبحانه وتعالى، فهو الذي يتعلق به، لا يتعلق بما سواه، لأن كل ما سواه ناقص، فقير إلى خالقه ومولاه، وهو الله سبحانه وتعالى وحده. قال رحمه الله: «لا يكون إلا كذلك، كما أن حياته وقدرته وغنى من لوازم ذاته، فلا يكون إلا كذلك». وأما العباد فلا يتصور أن يحسنوا إلا لحظوظهم، فأكثر ما عندهم للعبد أن يحبوه ويعظموه ويجلب له منفعة ويدفع عنه مضرة. وحتى هذه المنفعة والمضرة لا يملكونها، لو أراد الله نزع منهم تلك المنفعة وصد منهم تلك المضرة. ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. وفي الحديث: «لو اجتمعت الإنس والجن على أن ينفعوك بشيء فلن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت الإنس والجن على أن يضروك بشيء فلن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك»، فلو شاء الله لم ينفعك أحد مهما أراد، ولو شاء الله لم يضروك أحد مهما أراد. قال: «وذلك من تجسير الله وإذنه لهم به، فهو في الحقيقة ولي هذه النعم ومزكيها ومجريها على أيديهم». ومع هذا فإنهم لا يفعلون ذلك إلا لحظوظهم من العبد، فإنهم إذا أحبوه طلبوا أن ينالوا غرضهم من محبته، سواء أحبوه لجماله الباطن أو الظاهر. والمعنى أن عطاء المخلوق لا يكون إلا بمقابل، عطاء المخلوق لا يكون إلا بمقابل، ثارة يكون هذا المقابل ما يكون من الجمال الظاهر، جمال الجسد أو جمال ما في اليد من المال أو الجاه أو المنصب أو غير ذلك. فهذا الذي يعطي الغني هو غني، ومع ذلك يعطيه ويهديه لماذا؟ طمعا بما عنده من مال، أو يعطي الرئيس ومن كان مثله من أهل المناصب وهو أغنى منه لماذا؟ طمعا بما عنده من منصب أن يقربه أو غير ذلك. وهكذا الذي يعطي من عنده جمال في الجسد ماذا يريد؟ يريد أن يستحوذ هذا الجمال لنفسه، إما زوجة يطمع بها أو ذات يمين أو نحو ذلك، ولو بالوجه الحرام. فهذا حال أهل الدنيا، وأما الباطل يعني إن كان هناك اعتبارات أخرى كأن يكون عنده علم أو يكون عنده حكمة أو يكون عنده كذلك رأي أو غير ذلك، فإنه كذلك كان له مقابل. هذا حال أهل الدنيا، وأما العطاء الذي هو لله سبحانه وتعالى فهذا شيء آخر، هذا يعطي وينفع الفقير لله وينفع المسكين لله وينفع اليتيم لله وهكذا. والشاهد يريد أن يبين رحمه الله أن كل عطاء فهو له مقابل، وليس شيء يعطي بدون مقابل إلا الله سبحانه وتعالى، ثم كل عطاء يرد ويصل لا يصل إلا إذا شاء الله، وإذا لم يشأ الله لم يصل هذا العطاء ولم يصل هذا الإنعام. قال رحمه الله: «فإذا أحبوا الأنبياء والأولياء فطلبوا لقاءهم، فهم يحبون التمتع برؤيتهم وسماع كلامهم ونحو ذلك، وكذلك من أحب إنسانا لشجاعته أو رياسته أو جماله أو كرمه، فهو يحب أن ينال حظه من تلك المحبة، ولولا التلذذ بها لما أحب ذلك». وهذا هو ما ذكر، إما لشيء باطن كالصفات من الكرم وكذلك الشجاعة أو العلم أو الحكمة أو نحو ذلك، أو الأمور الظاهرة مثل الرياسة والمال والجمال ونحو ذلك. قال: «وإن جلبوا له منفعة منفعة كخدمة ومال أو دفعوا عنه مضرة كمرض وعدو ولو بالدعاء، فهم يطلبون العوض، إذا لم يكن العمل لله، فأجناد المملوك وعبيد المالك وأجراء المستأجر وأعوان الرئيس كلهم إنما يسعون في نيل أغراضهم به، ولا يعرج أكثرهم على قصد منفعة المخدوم، إلا أن يكون قد علم وهذب من جهة أخرى فيدخل ذلك في الجهة الدينية». وهذا ما تقدم أن كل عطاء يكون من المخلوق له عوض وله غرض، وأما ما هو من الله فهو محض كرم منه سبحانه وتعالى. واستثنى رحمه الله الدين منها، والدين لله جل وعلا، لله جل وعلا، فهو كونه ديني كذلك لا يخرج أن له غرضا، لماذا؟ لأن هذا الذي يعطي يريد شيئا من الله سبحانه وتعالى، ولو كان لا يريد شيئا من المخلوق وهو يريد شيئا من الله سبحانه وتعالى. هذا الذي يعطي الفقير والمسكين وغيره يريد شيئا من الله سبحانه وتعالى. فإن قال قائل: كيف العطاء يكون من كافر لمثله، ولكن لأجل مسكنته لأجل فقره وحاجته، فهو لا يريد شيئا من الله لأنه ربما لا يؤمن بالله أصلا؟ فالجواب: أنه يحسن لأنه يريد الإحسان، لأنه جرب في هذه الدنيا أن الإحسان لهؤلاء سبب للإحسان، وأن هذا من الخلق الجميل، والخلق الجميل له جزاء جميل. وكذلك أن هذا من مما ينبغي أن يكون عليه كامل بني آدم، وكل هذه مطالب يطلبها وهو وجود هذا الكمال في بني آدم. قال: «أو يكون فيه طبع عدل وإحسان من باب المكافأة والرحمة، وإلا فالمقصود بالقصد الأول هو منفعة نفسه». هذا هو من منفعة النفس في هذا الوجه، أنه عنده طبع العدل والإحسان، فينتظر وجود أثر هذا العدل والإحسان. قال: «وهذا من حكمة الله التي أقام بها مصالح خلقه، إذ قسم بينهم معيشتهم بالحياة الدنيا، ورفع بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخرية». هذه حكمة الله سبحانه وتعالى من جعل الناس على طبقات ودرجات مختلفة.