طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 32

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 32

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 32، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية التوحيد وعبادة الله وحده

يؤكد الشيخ على أهمية إفراد الله بالعبادة وصلاح القلب والروح بعبادته وحده. ويوضح أن حاجة العبد إلى الله أعظم من حاجة الجسد إلى روحه.

عواقب الشهوات والمعاصي

المعاصي والشهوات المحرمة تسبب العذاب وتؤدي إلى التفرق والتمزق الاجتماعي والأمراض النفسية. وتحرم أصحابها من طريق الحلال وتسبب الألم.

مضار التلذذ بالمحرمات ومحبة غير الله تعالى

التلذذ بالمحرمات ومحبة غير الله يؤدي إلى العذاب والألم، والعلاقات المحرمة تنقلب إلى عداوات. بينما الزواج الشرعي يسبب المودة والرحمة.

إحاطة الله تعالى بكل شيء وعلمه

الله سبحانه وتعالى محيط بكل شيء وعليم به، ولا تحدث نجوى بين الناس إلا وهو معهم أينما كانوا.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام بن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قال: إذا عرف هذا، فاعلم أن حاجة العبد إلى أن يعبد الله وحده، ولا يشرك به شيئًا في محبته، ولا في خوفه، ولا في رجائه، ولا في التوكل عليه، ولا في العمل له، ولا في الحلف به، ولا في النذر له، ولا في الخضوع له، ولا في التذلل والتعظيم والسجود والتقرب، أعظم من حاجة الجسد إلى روحه، والعين إلى نورها؛ لأن الجسد إذا فارق الروح مات موتًا حسيًا، وأما إذا فارق هذه العبادات، مات الموت المعنوي الذي به النعيم أو العذاب، فيكون بذلك المصير الذي تكون به الحياة الأخرى، إما في جنة ونعيم، وإما في نار وجحيم، والعياذ بالله. فلهذا قال: أعظم من حاجة الجسد إلى روحه، والعين إلى نورها. كون الرجل أعمى، لكنه من أهل الجنة، خير له من أن يكون عنده البصر، ولكنه من أهل النار. ولهذا قال: أعظم من حاجة الجسد إلى روحه، والعين إلى نورها. كون أن الإنسان يموت وهو من أهل الجنة، خير له من أن يمد له في حياته، وتبقى روحه معه، وهو من أهل النار. قال رحمه الله: بل ليس لهذه الحاجة نظير تقاس به، فإن حقيقة العبد قلبه وروحه، ولا صلاح لها إلا بإلهها الذي لا إله إلا هو، فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره، وهي كادحة إليه كدحًا فملاقيته، ولا بد لها من لقائه، ولا صلاح لها إلا بمحبته وعبوديتها له، ورضاه إكرامه له. ولو حصل للعبد من اللذات والسرور بغير الله ما حصل، لم يدم له ذلك، بل ينتقل من نوع إلى نوع، ومن شخص إلى شخص، ويتنعم بهذا في وقت، ثم يتعذب به. بل حقيقة الأمر أنه ليس بنعيم، هو عذاب. هذا الذي يتنعم في الملذات في الدنيا على حساب عبادة ربه وطاعته، هو في عذاب؛ لأن الله وكله إلى نفسه الأمارة بالسوء، فيرميه. وإن رأى في الظاهر أنه يتلذذ، فهو بالحقيقة ليس بتلذذ، إنما هو ينتقل من عذاب إلى عذاب. كتلذد الحيوان الجسد بما يأكل من القاذورات، هل هو يتلذذ؟ لا، لا يتلذذ، إنما يأكل ليسد حاجة الجسد، وإلا فهو ليس بتلذذ. وهذا هو حال من حرم طريق الاستقامة، فإن تلذذ بالمعاصي، أعطى الجسد ما يرغب على حساب دينه ودنياه. ولهذا كانت العواقب السيئة في هذه الدنيا، فالذي يأخذ المال بغير حق، نهاية هذا الظلم إما السجن، أو القتل، أو المصائب، وغير ذلك. وهذا من العذاب العاجل غير الآجل. وهذا الذي يتلذذ بالمحرمات من الفواحش وغيرها، يبتليهم الله عز وجل بالأدواء التي لم تكن في الأمم السابقة. وهذا قليل من كثير من عذاب الله عز وجل. وكذلك يحرم طريق الحلال. ولذلك انظروا إلى ملل الكفر كيف حرموا طريق الحلال، فهي أشد الأمة عذابًا بهذا. لا يكاد يعرفون طريق الزواج الحلال، وهم منغمسون في طريق الحرام. ماذا أثمر ذلك؟ أثمر فيهم أمراضًا لا تعرف في غيرهم من الأمم الأخرى، وأثمر فيهم تفرقًا وتمزقًا اجتماعيًا وأسريًا يضرب به المثل. لا تكاد تجد أسرة مجتمعة أبدًا، كل الأسر متمزقة متفرقة، لا يوجد أسرة تستمر الحياة الأسرية بين الأب والأم والأبناء على وجه الدوام أبدًا. لو أردت أن تبحث لا تجد حتى واحدًا في المليون، كل الأسر فيها تفرق. إن حصل زواج فالنهاية طلاق، وإن حصل اجتماع فالنهاية تفرق، فتجد الابن في جهة، والبنت في جهة، والأب في جهة، والأم في جهة. هذا من شؤم المعاصي، وهذه الشهوات التي قدموها. فتكون البنت سلعة رخيصة كما كانت الأم، ويكون الابن كذلك في غير ميتة كما كان الأب، وهكذا يستمرون في هذا الضياع. ثم لا تسأل عن انقطاع النسل، الكثير منهم لا يرى من النسل فائدة لماذا؟ لأنه عبء يراه عبء، ما يجد منه فائدة. فكل منهم يفضل تربية الكلاب والحيوانات على أن يربي ابنًا أو بنتًا. وهذا الذي أثمرته تلك الملذات والشهوات المحرمة. وغير ذلك كثير، فإذن هي في الحقيقة ليست كذلك بسبب سرور، بل سبب حزن. ولهذا يحاولون أن يتناسوا هذا الحزن بالانتقال، ينتقلون ويجربون وينتقلون وهم في عذاب، فما يجدون أين النعيم؟ ولكن النعيم في طاعة الله، في الاستقامة بدين الله عز وجل. يكثر فيهم الانتحار، تكثر فيهم الأمراض النفسية، يكثر فيهم التمزق والتفرق والتشاحن والتباغض، تكثر فيهم الجريمة. مع التطور الذي وصلوا إليه، إذا انطفأت الكهرباء دقائق، تجد آلاف الجرائم. لماذا؟ لأن الناس ما عندهم مراقبة لله، لأن الناس ما عندهم استقامة على دين الله. وغير ذلك من شؤم تلك المعاصي، فهي ليست ملذات ولا سبب سرور أبدًا، بل هي سبب عذاب بالدنيا قبل الآخرة. قال رحمه الله: ولو حصل للعبد من اللذات والسرور بغير الله ما حصل، لم يدم له ذلك، بل ينتقل من نوع إلى نوع، ومن شخص إلى شخص، ويتنعم بهذا في وقت، ثم يتعذب به ولا بد في وقت آخر. وكثيرًا ما يكون ذلك الذي يتنعم به ويلتذ به غير منعم له ولا ملذ، بل قد يؤذيه اتصاله به ووجوده عنده. وهو كما قال رحمه الله: هذه الحقيقة أن ما يتنعم به فيما يظن ينقلب إلى أذية وعذاب. قال: ويضره ذلك، وإنما يحصل له بملابسته من جملة ما يحصل للجرب من لذة الحك الذي يحكه. صدق رحمه الله، ونعم المثل الذي ضربه. هذا الذي يحك جلده من الجرب، هذه الحكة يتلذذ بها، ولكن هذه الحكة سبب لماذا؟ بخروج الدم، بحصول الجرح الذي به هلاكه. قال: فهي تدمي الجلد وتخرقه -أو تحرقه- في نسخة: تخرقه، وفي نسخة: تحرقه. يبدأ أول الحك حرقه، ونهاية الحك ماذا؟ خرق وجرح. قال: وتزيد في ضرره، وهو يؤثر ذلك لما له في حكها من اللذة. يصير مثل المدمن، هذا الذي عنده هذا الحك يصير كالمدمن، ما يستطيع ينقطع. ولذلك ماذا يصنع بصاحب الجرب؟ يلبس الكمامة، ويربط على يديه حتى لا يجرح نفسه؛ لأنه خلاص تضيع عليه ما في جسده من شدة طلب للحكة، مع ما يتلذذ به، ولو إنه جرح جلده، ولو خرج الدم، صار لا يبالي بهذا. وبالحقيقة يؤذي نفسه، يؤذي نفسه، يؤذي نفسه. لكن هذا هو حقيقة حال من يتلذذ بالمحرمات في الدنيا. قال رحمه الله: وهو يؤثر ذلك لما له في حكها من اللذة. وهكذا ما يتعذب به القلب من محبة غير الله، هو عذاب عليه ومضرة وألم في الحقيقة. وهذه هي محبة أهل المحرمات، هذا الذي يحب على وجه المحرم، محبة قليلة تنقلب إلى عداوة، فيتمتع بامرأة قليلًا، ثم تنقلب عدوًا له، وينقلب هو عدوًا لها. وهكذا تستمر العداوات، بل يحصل بينهما القتل بسبب هذه العلاقات المحرمة. بسبب هذه العلاقات المحرمة. أما علاقة أهل الإسلام بالزواج الشرعي الحلال، فإنها سبب للمودة والرحمة والألفة والتعاون وحمل المسؤولية وتوزيعها. أما هؤلاء لا يعرفون هذا أبدًا، كالحيوانات، يقضي وطرًا، ثم ينتقل إلى آخر، وتنتقل إلى آخر، ثم يأتي من الحزن والضيق والغيرة ما يورث العداوات، وغير ذلك من حزن القلب وعذابه. ولهذا تنقلب إلى مصائب وجرائم في نهاية الأمر، إما جرائم في الحال، وإما جرائم في المآل. وهذا هو حال أهل الكفر والمعاصي. قال رحمه الله تعالى: وهكذا ما يتعذب به القلب من محبة غير الله، هو عذاب عليه ومضرة وألم في الحقيقة، لا تزيد لذته على لذة حك الجرب. والعاقل يوازن بين الأمرين، ويؤثر أرجحهما وأنفعهما. والله الموفق المعين، وله الحجة البالغة، كما له النعمة السابغة. والمقصود أن إله العبد الذي لا بد له منه في كل حالة، وكل دقيقة، وكل طرفة عين، فهو الإله الحق الذي كل ما سواه باطل، الذي أينما كان فهو معه، وضرورة إليه، وحاجة إليه، لا تشبهها ضرورة ولا حاجة، بل هي فوق كل ضرورة وأعظم من كل حاجة. ولهذا قال إمام الحنفاء: لا أحب الآفلين. يعني: لما أفل الكوكب، علم أن هذا ليس بإله، فالإله الذي لا يأفل، بل هو معك ويلازمك، فتفتقر إليه، ويمدك بالعون والمدد والنصر والتأييد وغير ذلك. وهو الله سبحانه وتعالى الذي هو بكل شيء محيط، والذي هو بكل شيء عليم. ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم، ولا خمسة إلا هو سادسهم، ولا أدنى من ذلك، ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا.