طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 30

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 30

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 30، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

وصف حال الناس في سيرهم إلى الله

يصف حال الناس في سيرهم إلى الله تعالى ويبين أهمية التمسك بالسنة والاستعداد ليوم الحساب. يُؤكد على أهمية العمل الصالح في الدنيا.

أهمية الاستقامة والتمسك بالدين

يُنبه إلى أهمية الاستقامة والتمسك بالدين ويحذر من الانغماس في الدنيا. يُشدد على ضرورة التمسك بسنة النبي للنجاة في الآخرة.

التحذير من البدع والتمسك بالسنة

يُنبه إلى خطورة التساهل في الدين ويشدد على أهمية التمسك بالسنة. يُحذر من سوء الخاتمة ويُشجع على الاستمرار في فعل الخيرات.

ختام وتأكيد على الإيمان والتقوى

يُظهر العلم بالله والتسليم على النبي وآله وصحبه. يُعتبر تعبيرًا عن الإيمان والتقوى واحترام النبي محمد.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مريم بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الملقيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: أحبتمونا عطفا علينا، فإننا بنظمأ والمورد العذب أنتم، فيا ساهيا في غمرة الجهل والهوى صريع الأمان عن قليل ستندم. أفق قد دنا الوقت الذي ليس بعده سوى جنة أو حر نار تضرم، وبالسنة الغراء كن متمسكا، هي العروة الوثقى التي ليست تفصم. تمسك بها مسك البخيل بماله، وعض عليها بالنواجذ تسلم، وإياك مما أحدث الناس بعدها، فمرتع هاتيك الحوادث أوخم. وهيئ جوابا عندما تسمع النداء من الله يوم العرض: ماذا أجبتم به رسلي لما أتوكم؟ فمن يجز سواهم يخزى عند ذاك وعند الدم. وخذ من تقى الرحمن أصدر جنة ليوم به تبدو عيانا جهنم، وينصب ذاك الجسر من فوق متنها، فهاو مخدوش وناج مسلم. ويأتي إله العالمين لوعده، فيفصل ما بين العباد ويحكم، ويأخذ للمظلوم إذ ذاك حقه، فيا ويح من قد كان للخلق يظلم. وينشر ديوان الحساب، وتوضع الموازين بالقسط الذي لا يظلم، فلا مجرم يخشى هناك ظلامة، ولا محسن من أجره الدر يهضم. وتشهد أعضاء المسئول ما جنى، لذاك على فيه المهيمين يختم، ويا ليت شعري كيف حالك عندما تطاير كتب العالمين وتقسم. فتأخذ باليمنى كتابك أم ترى بيسراك خلف الظهر منك تسلم، وتقرأ فيه كل شيء عملته، ويشرق منك الوجه أو هو يظلم. تقول: كتابي ها أنا فاقرأوه، لي ببشر بالجنات حقا ويعلم، وإن تكن الأخرى فإنك قائل: ألا ليتني لم أوته، فهو مغرم. فلا والذي شق القلوب وأودع المحبة فيها حيث لا تتصرم، وحملها قلب المحب وإنه ليضعف عن حمل القميص يعلم. وذلل فيها أنفسا دون ذلها، حياظ المنايا فوقاه يحوم، فلقد فاز أقوام وحازوا مرابحا بتركهم الدنيا والإقبال منهم على ربهم. قول الحياة وحبهم على نهج ما قد سنه فهمهم. أورد هذه الأبيات تبعا لما سبق في وصف حال الناس وسيرهم إلى الله سبحانه وتعالى، وأوصى بوصايا كما نرى تكون بها النجاح في هذا السير الذي يسير فيه الناس إلى الله سبحانه وتعالى. ومر معنا في الأبيات التي قبلها كذلك شيئا من ذلك، ومنها ما ذكر رحمه الله في قوله: ألا ليت شعري... إلى آخر الأبيات. ومعناها على وجه الاختصار والإجمال: أنه يشير رحمه الله تعالى إلى ما يكون عليه حال النفس إن هي خسرت السير الحسن في هذه الدنيا، فيكون عندها من الأسى والحزن والألم ما لا ينفع، وقد فات أوان العمل. فالدنيا دار الامتحان والابتلاء والعمل، والآخرة دار الجزاء. فالدنيا دار ممر لا مستقر، وإنما المستقر إذا وصل العبد إلى الله سبحانه وتعالى، فإما في نعيم مقيم أو -والعياذ بالله- عذاب وجحيم. ولهذا يكون حال الناس بعد ذلك أن ينظروا إلى ما سبق، فمنهم من ينظر إلى ما كان عليه من قبل من صبر واستقامة، فيرى العواقب الحميدة، والعكس بالعكس. فالإنسان يسلي نفسه بما يراه ويمر به في هذه الحياة الدنيا من مشاق ومصاعب، أن عاقبة ذلك حسنة عند الله سبحانه وتعالى في الدنيا وفي الآخرة، فلا يتشكك ولا يتأوه. فمن علم هذه الحقيقة -يعني توجه وجهة صادقة مستقيمة لا يعوج عنها يمينا ولا شمالا لعلمه بهذه الحقائق العظيمة- أن الدنيا قصيرة وهي دار ممر لا دار مستقر، والعاقبة عظيمة إما في نعيم مقيم أو -والعياذ بالله- عذاب وجحيم. ولهذا قال: إذا قيل هذا عبدهم ومحبهم تهلل بشرا ضاحكا لتبسموا. وها هو قد أبدى الضراعة قائلا لكم بلسان الحال: أحبتمونا عطفا علينا. فمن كان قد حقق العبودية في الدنيا تهلل واستبشر وضحك بما كان من حسن التوفيق والإكرام في الدنيا والآخرة، والعكس بالعكس. فإذا أردت أن تكون من أحباب الله وأن يذهب كل عناء، فما عليك إلا الصبر على الصراط المستقيم والدين القويم الذي دعا إليه الله عز وجل في كتابه، وما دعا إليه صلى الله عليه وسلم في سنته. وأكثر من يحرم هذا بسبب السهو وغمرة الجهل والهوى وكثرة الأماني الكاذبة. ولهذا قال: فيا ساهيا في غمرة الجهل والهوى صريع الأمان عن قليل ستندم. وهذا السهو في غمرة الجهل سواء جهل العلم أو جهل العمل، إنما يصدر بسبب الانغماس في الدنيا وملذاتها وشهواتها، وطغيان النفس الأمارة بالسوء والأهواء والشهوات التي تغطي على القلب، فيحرم البصر والبصيرة في التمييز بين الصواب من الخطأ. فلا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه، فهو كالسكران، وحاله أنه -كما ذكر- في غمرة كحال السكران في سكره. ولهذا قال: أفق قد دنا الوقت الذي ليس بعده سوى جنة أو حر نار تضرم. ولكن من الذي يفيق؟ فما أكثر المواعظ والنصائح، وقليل من ينتفع بها. حتى إذا باغت الناس الموت ندم هذا الإنسان في وقت لا ينفع فيه الندم. والنجاة إنما تكون بالتمسك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم والدين القويم والصراط المستقيم. ولهذا قال: وبالسنة الغراء كن متمسكا، هي العروة الوثقى التي ليست تفصم. تمسك بها مسك البخيل بماله... إلى آخره. يعني كلما بخلت بدينك نجوت. وأكثر الناس العكس، يبخل بدنياه ولا يبخل في دينه، مستعد أن يتنازل عن الفرائض، بل ويقع في المحرمات، فضلا عن التساهل في السنن والمستحبات وأبواب الحسنات والخيرات. في مقابل شيء من القيل والقال وإضاعة الأوقات. وأعظم من هذا فيما يدخل على المرء السيئات. لو تسأل بعض الناس: ما شغلك اليوم عن راتبة الظهر أو راتبة الفجر؟ لا شيء يذكر. بل يتدرج الأمر فيحرم الفرائض أو يتدرج الأمر فيقع في المحرمات. ما الذي شغلك حتى حرمت هذه الفرائض وأبواب الخيرات والحسنات؟ لا شيء يذكر. إنما هو التساهل في الدين. وهذا هو إذا بخل بدينه كبخل البخيل في ماله، لا سلم له دينه. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «عليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ». تأكيد على شدة التمسك والتشبث بها، ليسلم للإنسان دينه. فأنت تمسك بيديك وأسنانك بشدة حرصك على أن لا يفوتك شيء من هذا الدين. ثم حذر من البدع... إلى آخره. وذكر بما يكون يوم القيامة من أحوال. فمن ذكر نفسه بهذه الأحوال استوجب ذلك استعدادا لتلك الأحوال. فمنها السؤال الذي سيعرض على الإنسان كما جاءت وصحت به السنة، بحديث أبي سعيد وغيره في وصف أحوال الناس يوم القيامة. فإن الناس يمرون بحسب أعمالهم في هذه الدنيا، فمنهم من يمر كالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والإبل، ومنهم من يعدو عدوا، ومنهم من يمشي المشي، ومنهم من يزحف زحفا، ومنهم من يكب -والعياذ بالله- في نار جهنم. وكما كان سير الناس في هذه الدنيا، فكذلك سيرهم على الجسر يوم القيامة. نسأل الله السلامة والعافية وحسن الخاتمة والعاقبة. وهكذا ما ذكره بعد من الأحوال التي تكون في ذلك اليوم العظيم. ويأتي إله العالمين لوعده، فيفصل ما بين العباد ويحكم، ويأخذ للمظلوم... إلى آخره. من نشر الدواوين وشهادة الأعضاء، وكل ذلك جاء ذكره في كتاب الله، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا ما يكون من أخذ الكتاب باليمين والشمال، وما يكون كذلك من أحوال الناس مع أخذ هذا الكتاب. فإن منهم من يفرح بكتابه، ومنهم من يفاجأ بما فيه. ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. والحقيقة أنهم ما وجدوا إلا ما كتب من أعمالهم. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرحمنا برحمته ويتفضل علينا بفضله، سبحانه وتعالى، ويحسن خاتمتنا جميعا. قال: فلو الذي شق القلوب أو دع المحبة فيها حتى لا تتصرم... إلى آخره. إشارة منه رحمه الله أن العاقل ينبغي أن يحسن ويستدرك ما بقي من عمره، حتى يربح الربح الحقيقي. ليس بربح متاع الدنيا الزائل، ولكن بربح رضا الرب سبحانه وتعالى وفضله ورحمته، بسلامة في هذه الدنيا وحسن العاقبة في الدار الآخرة. ولهذا ذكر فقال: فلقد فاز أقوام وحازوا مرابحا بتركهم الدنيا والإقبال منهم على ربهم طول الحياة، وحبهم على نهج ما قد سنه فهمهم. وفي قوله: «طول الحياة» إشارة إلى أن ليس الشأن كل الشأن أن تحسن حينا وتترك حينا أخرى، ولكن الشأن كل الشأن أن تستمر حتى يختم لك بحسن الخاتمة. فإنما الأعمال بالخواتيم، وما غلب على الإنسان ختم عليه به، وما ختم على الإنسان به بعث به. كما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يبعث الناس على ما ماتوا عليه». فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يتوفانا وهو راض عنا، وأن يعيننا على أنفسنا الأمارة بالسوء. والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.