طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 31

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 31

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 31، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في حاجة العبد إلى الله

يشرح الإمام ابن القيم قاعدة أساسية في حاجة العبد إلى الله، مشيراً إلى أن كل حي يحتاج إلى جلب المنفعة ودفع الضرر، وأن الله هو المطلوب المعبود والمعين. كما ذكر أن القرآن يحتوي على سبعة مواضع تنتظم أصلين العبادة والاستعانة.

أهمية توحيد الله وعبادته

يؤكد النص على أهمية توحيد الله وعبادته وحده، وأن حاجة العبد إلى الله أعظم من حاجته إلى الطعام والشراب. كما يبين أن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الإلهية، وهو المقصود الأسمى للعبادة.

العبودية لله والتوكل عليه

يُناقش المقطع أهمية العبودية لله وحده والاستغناء به عن سواه، ويُشير إلى أن ما يختاره الله للعبد خير مما يختاره لنفسه. كما يُوضح أن العبد يجب أن يأخذ بالأسباب ويتوكل على الله، وأن الابتلاءات قد تكون خيرًا للعبد.

التعلق بالأسباب والشرك الأصغر

يُناقش المقطع التعلق بالأسباب بشكل ينافي التعلق بالله، ويعتبره من الشرك الأصغر. يجب الأخذ بالأسباب دون الاعتماد عليها بشكل مطلق، والالتفات القلبي للأسباب يعد شركًا أصغر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. طال الإمام القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»، قال قاعدة شريفة عظيمة القدر، حاجة العبد إليها أعظم من حاجته إلى الطعام والشراب والنفس، أو النفس بل وإلى الروح التي بين جنبه. وهذه القاعدة كما أشار في التعليق استفادها الإمام القيم رحمه الله من شيخه، شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ولا عيب في ذلك، فعلم أهل السنة والجماعة موروث يتوارثه بعضهم عن بعض، ويستفيد بعضهم من بعض. ولما كان السياق في هذا الموضع يناسب أن يذكر معنى القاعدة ذكرها هاهنا. قال رحمه الله تعالى: «أن كل حي سوى الله فهو فقير إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره، والمنفعة للحي من جنس النعيم واللذة، والمضرة من جنس الألم والعذاب، فلابد له من أمرين: أحدهما هو المطلوب المقصود المحبوب الذي ينتفع ويلتذ به، والثاني هو المعين الموصل المحصل لذلك المقصود، والمانع لحصول المكروه أو الدافع له بعد وقوعه. فها هنا أربعة أشياء: أمر محبوب مطلوب الوجود، والثاني أمر مكروه مطلوب العدم، والثالث الوسيلة إلى حصول المحبوب، والرابع الوسيلة إلى دفع المكروه. فهذه الأمور الأربعة ضرورية للعبد، بل ولكل حي سوى الله، لا يقوم صلاحه إلا بها. فإذن هما أمران يتوصل إليهما بأمرين: أمران يتوصل إليهما بوسيلتين: الأمر الأول المحبوب المطلوب، فيحتاج إلى وسيلة لحصول هذا المحبوب، والأمر الآخر المكروه المطلوب العدم، ويحتاج إلى وسيلة لدفع هذا المكروه. فإذن محبوب مع وسيلته في تحصيل هذا المحبوب، ومكروه مع وسيلته في دفع هذا المكروه. فإذا تمت هذه الأربعة كما ذكر رحمه الله، حصل للفقير ما يكون له به النعيم واللذة والحياة التي ينعم بها». قال رحمه الله تعالى: «إذا عرف هذا، فالله سبحانه وتعالى هو المطلوب المعبود المحبوب وحده لا شريك له، وهو وحده المعين للعبد على حصول مطلوبه، فلا معبود سواه، ولا معين على المطلوب غيره. وما سواه هو المكروه المطلوب بعده، وهو المعين على دفعه. فهو سبحانه الجامع للأمور الأربعة دون ما سواه. وهذا معنى قول العبد ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فإن العبادة تتضمن المقصود المطلوب على أكمل الوجوه، والمستعان هو الذي يستعان به على حصول المطلوب ودفع المكروه. فالأول من مقتضى ألوهيته، والثاني من مقتضى ربوبيته. لأن الإله هو الذي يؤله فيعبد محبة وإنابة وإجلالا وإكراما، والرب هو الذي يرب عبده فيعطيه خلقه، ثم يهديه إلى جميع أحواله ومصالحه التي بها كماله، ويهديه إلى اجتناب المفاسد التي بها فساده وهلاكه». وفي القرآن سبعة مواضع تنتظم هذين الأصلين. أحدها قوله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، الثاني قوله تعالى ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِيبُ﴾، والثالث قوله تعالى ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾، والرابع قوله تعالى ﴿عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا﴾، والخامس قوله سبحانه ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾، والسادس قوله ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾، والسابع قوله ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا * رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾. ومما يقرر هذا أن الله سبحانه خلق الخلق لعبادته الجامعة لمعرفته والإنابة إليه ومحبته والإخلاص له، فبذكره تطمئن قلوبهم، وبرؤيته في الآخرة تقر عيونهم. ولا شيء يعطيهم في الآخرة أحب إليهم من النظر إليه، ولا شيء يعطيهم في الدنيا أحب إليهم من الإيمان به ومحبتهم له ومعرفتهم به. وحاجة إليه في عبادتهم له وتألههم له كحاجة إليه، بل أعظم في خلقه لهم وربوبيته لهم ورزقه لهم، فإن ذلك هو الغاية المقصودة التي بها سعادة وفوزهم، وبها ولأجلها يصيرون عاملين متحركين. ولا صلاح لهم ولا فلاح ولا نعيم ولا لذة ولا سرور بدون ذلك بحال. فمن أعرض عن ذكر ربه فإن له معيشة ضنكا، ويحشره يوم القيامة أعمى. ولهذا لا يغفر الله لمن يشرك به شيئا، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. ولهذا كانت «لا إله إلا الله» أفضل الحسنات، وكان توحيد الإلهية الذي كلمته «لا إله إلا الله» رأس الأمر. فأما توحيد الربوبية الذي أقر به كل المخلوقات فلا يكفي وحده، وإن كان لابد منه، وهو حجة على من أنكر توحيد الألوهية. فحق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحقهم عليه إذا فعلوا ذلك ألا يعذبهم، وأن يكرمهم إذا قدموا عليه. وهذا كما أنه غاية محبوب العبد ومطلوبه، وبه سروره ولذته ونعيمه، فهو أيضا محبوب الرب من عبده ومطلوبه الذي يرضى به ويفرح بتوبة عبده إذا رجع إليه وإلى عبوديته وطاعته، أعظم من فرح من وجد راحلته التي عليها طعامه وشرابه في أرض مهلكة بعد أن فقدها وأيس منها. وهذا أعظم فرح يكون. وهذا توضيح منه رحمه الله أن حاجة العبد كما تقدم في هذه القاعدة إلى هذا أعظم من حاجته إلى الطعام والشراب والنفس، وأن الفرح به أعظم من أي فرح، بل لا يتحقق له أي فرح إلا بتحقق ذلك. فإذا تحقق للعبد أن يتعلق بالمحبوب الذي به تكون سعادته، وذلك بأن يعينه الله عز وجل على حسن عبادته وافتقاره إليه واستغنائه به عما سواه، فإنه يتم له كل خير ديني ودنيوي. ولهذا بيّن رحمه الله أثر توحيد الربوبية، كيف أنه إذا تم فإنه يستلزم توحيد الإلهية وهو المقصود. فالذي علم أن الله عز وجل هو الخالق والرازق والمدبر ومن بيده كل شيء، استلزم ذلك أن يعبده وحده لا شريك له، فيتوجه قلبه إليه ويستغني به عما سواه سبحانه وتعالى، فيكون محبوبه ومطلوبه. ولا يمكن أن يتوصل إليه إلا به، لعلمه أنه مفتقر إليه جل وعلا. وهذا هو ما أشار إليه المطلوب المحبوب الذي يتوصل إليه به سبحانه وتعالى، أي تطلب المحبوب المطلوب وتتوسل إلى المحبوب المطلوب بالمحبوب والمطلوب. فأنت تتوسل إلى الله به، فإذا توسلت به سبحانه وتعالى أعانك ووفقك. وإذا وفقك وعانك حصل لك كل خير ديني ودنيوي. ولا يمكن للإنسان أن يحصل ذلك بغير هذا الطريق. ولهذا كما أشار رحمه الله، من أعرض عن هذه الطريق لم يجد إلا الحياة الضنكة. ومن أعرض عن ذكر الله فإن له معيشة ضنكا. هذه هي الحقيقة التي غفل عنها الخلق. ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾، وليس من لازم الحياة الطيبة أن تكون أغنى الأغنياء، ولا لازم الحياة الطيبة أن تكون رئيس الرؤساء. ولكن الحياة الطيبة الذي يطيب لك بها العيش بحسبه. فالسمكة مثلاً يطيب عيشها ببقائها في الماء، لو أخرجت إلى البر ماتت. والطير في الهواء، والزاحف يزحف، والماشي يمشي. فكل حيوان بما خلقه الله عز وجل من خلقه جعل طيب عيشها بحسبها. لا يمكن أن يطلب هذا الحيوان شيئاً يكون أطيب مما هو فيه. وهذا مثل ولله المثل الأعلى فيما جعل في خلقه من شؤون سبحانه وتعالى. وكما جاء في الحديث: «ربّ فقير يكون غناه كفر له وخسارة في دنياه وفي آخرته، فيكون سعادته أطيب حياته بفقر يصبر عليه ويعينه الله على هذا الصبر، تكون به رفعته بالدنيا وفي الآخرة». وهكذا كذلك الناس. والله سبحانه وتعالى أعلم بما يصلح أحوال خلقه. فلذلك العبد لا ينظر إلى الموازين الدنيوية، بل ينظر إلى ما عند الله سبحانه وتعالى، ثم يترك الاختيار له سبحانه وتعالى. فما اختاره الله له خير مما يختاره لنفسه. ولا يعني ذلك ألا يأخذ بالأسباب، بل يأخذ بالأسباب. وبعد أخذه بالأسباب إن سهلها الله ويسرها الله لك فأنت تعلم أن ذلك هو الخير لك. وإن أغلقت عليك الأبواب والأسباب فصرفها عنك هو الخير لك. فما أعطاك الله فهو بفضله، وما منعك وصرفها عنك فهو بعدله وحكمته. فأنت تدور بين فضل وعدل. ولكن ليس هذا المهم أي التحصيل من الدنيا بالقليل أو الكثير، بقدر ما أن المهم هو تحقق العبودية لله عز وجل والاستغناء به عما سواه. قال رحمه الله تعالى: «وهذا كما أنه غاية محبوب العبد ومطلوبه، وبه سروره ولذته ونعيمه، فهو أيضا محبوب الرب من عبده ومطلوبه الذي يرضى به ويفرح بتوبة عبده إذا رجع إليه وإلى عبوديته وطاعته، أعظم من فرح من وجد راحلته التي عليها طعامه وشرابه في أرض مهلكة بعد أن فقدها وأيس منها. وهذا أعظم فرح يكون». يشير إلى كما تقدم معنا في حديث الرجل الذي فقد راحلته فرأى الهلاك، فإذا براحلته أمام أو فوق رأسه، فأخطأ من شدة الفرح: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك». قال: وكذلك العبد لا فرح له أعظم من فرحه بوجود ربه، وأنسه به وطاعة له، وإقباله عليه، وطمأنينته بذكر الله. عمارة قلبه من معرفته، والشوق إلى لقائه. فليس بالكائنات من يسكن العبد إليه ويطمئن به ويتنعم بالتوجه إليه إلا الله سبحانه. ومن عبد غيره وأحبه، وإن حصل له نوع من اللذة والمودة والسكون إليه والفرح والسرور بوجوده، ففساد به ومضرته وعطبه أعظم من فساد أكل الطعام المسموم الذي هو ذي الشهوة، الذي هو عذب في مبدئه وعذب في نهايته. كما قال القائل: «مآرب كانت في الشباب لأهلها عذابا، فصارت في الكبر عذابا». وهذا العذاب يكون عذابا حسيا ومعنويا. فكل من توجه إلى غير الله واستغنى به عن الله، فإن نهايته إلى هلاك وإلى خسارة، حتى لو وجد فيها المتاع فهو متاع قليل زائل. ﴿وَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾، فالحياة الدنيا متاعها متاع من غر بها، زائل قصير منقطع، نهايته حسرة وندامة. قال الله عز وجل: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾، فسبحان الله رب العرش عما يصفون. قال: «فإن قوام السماوات والأرض والخليقة بأن تأله الإله الحق، فلو كان فيهما آلهة أخر غير الله لم يكن إلها حقا، إذ الإله الحق لا شريك له ولا سمي له ولا مثل له. فلو تألهت غيره لفسدت، كل الفساد بانتفاء ما به صلاحها، إذ صلاحها بتأله الإله الحق، كما أنها لا توجد إلا باستنادها إلى الرب الواحد القهار، ومستحيل أن تستند في وجودها إلى ربين متكافئين. وكذلك مستحيل أن تستند في بقائها وصلاحها إلى إلهين متساويين». وهذه الألوهية بالألوهية العامة بأن تكون له العبادة، فتتعلق به القلوب محبة ورغبة ورهبة، بل وربما يسجد لها وتدعى. وهذا هو الشرك الأكبر. وقد يكون التعلق كذلك بما ينافي هذه الألوهية من الشرك الأصغر، كالتعلق بالأسباب تعلق ينافي التعلق بالله عز وجل. فأنت تأخذ بالأسباب ولا تعتمد على الأسباب. فإذا التفت قلبك إلى هذه الأسباب صار من الشرك الأصغر.