الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 21، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الشيخ بالحديث عن أهمية مراقبة الله تعالى وتحقيق مرتبة الإحسان من خلال استحضار معاني أسماء الله الحسنى. هذه المراقبة تعتبر أساساً لارتقاء العبد في عبوديته لله عز وجل.
يشرح المقطع مفهوم مشهد الربوبية وتوحيد الإلهية، ويبين أن الاعتراف بالله بجميع معاني ربوبيته يستلزم عبادته وحده دون سواه. توحيد الربوبية هو أعظم دليل على توحيد الإلهية.
توحيد الربوبية والأسماء والصفات يستلزم توحيد الإلهية، والإيمان بخلق الله وتدبيره يستوجب تفرده بالعبادة. الاعتراف بتوحيد الربوبية يؤدي إلى توحيد الإلهية.
المقطع الأخير يشير إلى انتهاء الحديث أو الموضوع المطروح بإذن الله تعالى، مؤكداً على النقاط الرئيسية التي تمت مناقشتها خلال الشرح.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام بن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: وكذلك إذا أشعر قلبه صفة سمعه تبارك وتعالى لأصوات عباده على اختلافها، وجهرها وخفائها، وسواء عنده من أسر القول ومن جهر به، لا يشغل جهر من جهر عن سمعه لصوت من أسر، ولا يشغل سمع عن سمع، ولا تغلطه الأصوات على كثرتها واختلافها واجتماعها، بل هي عنده كلها كصوت واحد، كما أن خلق الخلق جميعهم وبعثهم عنده بمنزلة نفس واحدة. وكذلك إذا شهد معنى اسمه البصير جل جلاله، الذي يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في حندس الظلماء، ويرى تفاصيل خلق الذرة الصغيرة، ومخها وعروقها ولحمها وحركاتها، ويرى مد البعوضة جناحها بظلمة الليل، وأعطى هذا المشهد حقه من العبودية، فحرس حركاته وسكناته، وتيقن أنها بمرأى منه تبارك وتعالى ومشاهدة، لا يغيب عنه منها شيء. وهكذا العبد إذا كان ملازمًا لهذه المراقبة، ارتقى في عبوديته لله عز وجل إلى أعلى الدرجات، حتى يصل إلى مرتبة الإحسان: «أن تعبد الله سبحانه وتعالى كأنه يراك، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». فإذا استحضر العبد هذه الأسماء بمعانيها وما تقتضيه وما تستلزمه، وشاهد ذلك في أحوال نفسه، كانت له هذه المشاهد. كما ذكر رحمه الله تعالى، ويضرب مثالًا: ولله المثل الأعلى، لو أن إنسانًا قيل له: ستراقب بكاميرات مراقبة، وسننظر كل ما تفعل، كيف سيكون فعله؟ وهو يعلم أن كل أفعاله مراقبة مصورة مسجلة، لا شك أن هذا سيخيفه، وسيجعله دائمًا يستحضر أنه تحت المراقبة، فلا يمكن أن يفعل شيئًا يفضح نفسه أمام ماذا؟ أمام مخلوق ضعيف، فكيف بالله العظيم الذي لا تخفى عليه خافية سبحانه وتعالى؟ ولله المثل الأعلى. فيوم القيامة يأتي العبد يقول: ﴿مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾، فإذا راقب العبد ربه سبحانه وتعالى، ولازم هذه المراقبة، وصل إلى هذا المشهد الذي يرتقي بعبوديته إلى أعلى المراتب، وهذا هو الاستغناء بالله عز وجل عما سواه. قال: وكذلك إذا شهد مشهد القيومية، الجامع لصفات الأفعال، وأنه قائم على كل شيء، وقائم على كل نفس بما كسبت، وأنه تعالى هو القائم بنفسه المقيم لغيره، القائم عليه بتدبيره وربوبيته وقهره، وإيصال جزاء المحسن إليه وجزاء المسيء إليه، وأنه لكمال قيوميته لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، ويرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، لا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يضل ولا ينسى. وهذا المشهد من أرفع مشاهد العارفين، وهو مشهد الربوبية، ومعنى مشهد الربوبية: أن تعترف بالله عز وجل بجميع معاني ربوبيته، بكمال قيوميته، فهو القائم بنفسه وبغيره سبحانه وتعالى بكل أسمائه وصفاته. وإذا تحقق هذا استلزم هذا ما بعده: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، إذا شهدت بهذا المشهد، وأثبت لله الربوبية الكاملة من كل الوجوه، استلزم ذلك أن تتبع ذلك بالمشهد الثاني، وهو الإلهية، فتعبده لا تشرك به شيئًا، وتستغني به عما سواه، لا تلتفت إلى غيره طرفة عين، لا بحس ولا بمعنى، لا بعين الجارحة ولا بعين القلب، فقلبك مستغن بالله، لا يلتفت إلى غيره، ولا يفكر بالالتفات إلى غيره، فضلًا أن يلتفت. وهكذا كذلك عين اللحظ لا تفكر بالالتفات إلى غيره، فضلًا أن تلتفت إلى غيره سبحانه وتعالى. قالوا: أعلى منه مشهد الإلهية، الذي هو مشهد الرسل، مشهد الرسل وأتباعهم من الحنفاء، وهو شهادة أن لا إله إلا الله، وهو شهادة أن لا إله إلا هو، وأن إلهية ما سواه باطل ومحال، كما أن ربوبية ما سواه كذلك، فلا أحد سواه يستحق أن يؤله ويعبد ويصلى له ويسجد، ويستحق نهاية الحب مع نهاية الذل، لكمال أسمائه وصفاته وفعاله، وهو المطاع وحده على الحقيقة، والمألوه وحده. ومعنى «على الحقيقة»: يعني ولو أطاع غيره وعبد غيره، فهو بباطل. ولهذا نحن نفسر «لا إله إلا الله»: أي لا معبود بحق إلا الله، لا بد من هذا القيد؛ لأنه عبد غير الله، ولكنه عبد بماذا؟ بباطل. ولا يعبد بحق إلا الله الواحد الأحد الفرد الصمد سبحانه وتعالى؛ لأنه الواحد المتفرد بصفات الكمال ونعوث الجلال جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: قال: لكمال أسمائه وصفاته وفعاله، فهو المطاع وحده على الحقيقة، والمألوه وحده، وله الحكم وحده، وكل عبودية لغيره باطلة، وعناء وضلال، وكل محبة لغيره عذاب لصاحبها، وكل غنى بغيره فقر وفاقة، وكل عز بغيره ذل وصغار، وكل تكثر بغيره قلة وذلة. فكما استحال أن يكون للخلق رب غيره، فكذلك يستحيل أن يكون لهم إله غيره، فهو الذي انتهت إليه الرغبات، وتوجهت نحوه الطلبات، ويستحيل أن يكون معه إله آخر، فإن الإله على الحقيقة هو الغني الصمد، الكامل في أسمائه وصفاته، الذي حاجة كل أحد إليه، ولا حاجة به إلى أحد، وقيام كل شيء به، وليس قيامه بغيره. ومن المحال أن يحصل في الوجود إثنان كذلك، يعني أحدهما يقوم بمقام الله أو مثله، بل ليس في الوجود إلا واحد أحد فرد صمد، له القيومية المطلقة، وهو الله سبحانه وتعالى وحده. قال: ولو كان في الوجود إلهان لفسد النظام، وأعظم فساد، واختل أعظم اختلال، لفسد النظام أعظم فساد، واختل أعظم اختلال. كما يستحيل أن يكون له فاعلان متساويان، كل منهما مستقل بالفعل، فإن استقلالهما ينافي استقلالهما، واستقلال أحدهما يمنع ربوبية الآخر. فتوحيد الربوبية أعظم دليل على توحيد الإلهية، ويؤذن إليه ويستلزمه. ولهذا يقول العلماء: توحيد الربوبية والأسماء والصفات يستلزم توحيد الإلهية، من أفرد الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته ومعاني ربوبيته، استلزم ذلك أن يفرده سبحانه وتعالى بعبادته: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. إذا آمنتم أن الله هو المتفرد بالخلق والتدبير، فإن ذلك يستلزم أن يفرد في العبودية سبحانه وتعالى. قال: ولذلك وقع الاحتجاج به في القرآن أكثر مما وقع بغيره؛ لصحة دلالته وظهورها، وقبول العقول والفطر لها، والاعتراف أهل الأرض بتوحيد الربوبية. ولذلك كان عباد الأصنام يقرون به وينكرون توحيد الإلهية، ويقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾، ما اعترافهم بأن الله وحده هو الخالق لهم وللسماوات والأرض وما بينهما، وأنه المتفرد بملك ذلك كله؟ فأرسل الله تعالى الرسل تذكرهم بما في فطرهم الإقرار به من توحيده وحده لا شريك له، وأنهم لو رجعوا إلى فطرهم وعقولهم، لدلت على امتناع إله آخر معه، واستحالته وبطلانه. فمشهد الألوهية هو مشهد الحنفاء، ومشهد جامع للأسماء والصفات، وحظ العباد منه بحسب حظهم من معرفة الأسماء والصفات. ولذلك كان أكمل الخلق فيه أعرفهم بالله وأسمائه وصفاته. ولذلك كان الاسم الدال على هذا المعنى هو اسم «الله» جل جلاله، فإن هذا الاسم هو الجامع. ولهذا تضاف الأسماء الحسنى كلها إليه، فيقال: «الرحمن الرحيم العزيز الغفار القهار» من أسماء الله، ولا يقال: «الله» من أسماء الرحمن. فـ«الله» مأخوذ من لفظ «المألوه المعبود بحق» سبحانه وتعالى، وكل أسماء الله وصفاته راجعة إلى هذا الاسم الذي هو أعرف المعارف، لفظ دال على الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، والشاهد جعل الأسماء كلها لله سبحانه وتعالى، فمرجعها إلى اسم «الله»، فهذا المشهد تجتمع فيه المشاهد كلها، وكل مشهد سواه فإنما هو مشهد لصفة من صفاته. فمن اتسع قلبه لمشهد الإلهية، وقام بحقه من التعبد الذي هو كمال الحب بكمال الذل والتعظيم، والقيام بوظائف العبودية، فقد تم له غناه بالإله الحق، وصار من أغنى العباد، ولسان حال مثل هذا يقول: غنيت بلا مال عن الناس كلهم وإن الغنى العالي عن الشيء لا به فليس الغنى غنى المال والعرب ولكن الغنى غنى النفس وما تكتفي به فإذا استغنيت بالله سبحانه وتعالى، ولو كنت في الظاهر من أفقر الناس، فأنت أغنى الناس بالله سبحانه وتعالى، والله عز وجل قادر على أن يغنيك. قال: فيا له من غنى ما أعظم خطره، وأجل قدره، تضاءلت دونه الممالك، فما دونها فصارت بالنسبة إليه كالظل من الحامل له، والطيف الموافق المنام الذي يأتي به حديث النفس، ويطرده الانتباه من النوم، فكل ملك في هذه الدنيا فهو كالظل وكالحلم، سرعان ما يزول، بدأ بزوال، وسينتهي بزوال. وأما الملك الذي لا ينتهي ويدوم، وهو الملك بغنى الرب سبحانه وتعالى، فإن لم يعطك في الدنيا فلحكمة سيعطيك في الآخرة ما يغنيك، وهو قادر على أن يجمع لك العطيتين: عطية الدنيا والآخرة، بفضله سبحانه وتعالى. إلى هنا إن شاء الله.